الميراث الإنسانوي مِن توهيمات «طبقات الأمم»

إبراهيم إسحق إبراهيم
يبدو طبيعيّاً أن تشعر أيّة جماعة في الدنيا، بعفوية، إلى أنّ «نحن» تكون بالضرورة أفضل مِن «مِنهُم».. لكنّ هذا الموقف، على إطلاقاتهِ، يفتقر تماماً إلى العقلانية.. ذلك، لأنّ معيار التمييز : سلاليّاً، عِرقيّاً، سِحنيّاً، لغويّاً، تمدُّنيّاً أو ثقافيّاً، كلّه لا يستقيم عند التعميم على منظومات الجنس البشري.. وحتى المعيار الديني نشهَدُ الأفضليّة فيه ترتبط بالتدرُّجات الفرديّة على مدارج الخشية مِن الله ومحبّتهِ والحرص على طاعة توجيهاتهِ.. فهذا واقع يعترف بهِ الباحثون لأجل أن يدمغوا بتوضيحاتهِ تلك التحاملات الشعوبية المزريّة التي طبّقتها كثير مِن الأمم في الماضي، ويُطبّقها اليوم كثيرون، بسببٍ مِن الجهالة ومِن رزيّة التمترُس في الأنويّة الفردية أو الجمعية..

ذلك الإعجاب بالنفس وبالجماعة التي تشتمل عليها يكتسي في التاريخ الغالب للوعي الأوروبي، وعلى الخصوص الوعي الإنسانوي Humanistic ، يكتسي بالقناعة الكليّة غير القابلة للنقاش على الأرجح، مِن قبل العصر الكلاسيكي باليونان (لبداية القرن الخامس ق م وما بعده) وحتى العقود البادئة للقرن الواحد والعشرين بعد الميلاد.. ولهذا الشعور في التدوين الثقافي الأوروبي رافدان.. أولهما يطلع مِن التأثير العِبري المدسوس في كتاب (العهد القديم) وملحقاته الشروحيّة، والقائلة بأنّ الرب الخالق يصطفي سائر بني اسرائيل ويضعهم فوق كل البشرية.. وهذا الاعتقاد، الذي كان سامِيّاً وشامِيّاً وبابليّاً وفارسيّاً في بداياتهِ، ينتشر في الثقافة الإغريقية الهِلينستية لما بعد فتوح الإسكندر المقدوني (356-323 ق م)، ومنذ أن تُترجَم أولى كتب (العهد القديم) إلى اللغة الإغريقية في زمن بطليموس الثاني فلاديلفوس حاكم مصر (282-246 ق م)، ثمّ تُستَكمل ترجمة الكتب الباقية مِن (العهد القديم) في الفترة بين 250 و 100 ق م .. والرافد الثاني والأهم لهذا الوعي الأوروبي بالتفوق على كل الشعوب يأتي مِن منظور الإغريق ثمّ الرومان لأنفسهم كصفوةٍ بين الناس.. يتكون ذلك الشعور لديهم في الأزمان البادئة بالقرن الخامس ق م وعبر العصر الكلاسيكي.. وهو ذات الشيء الذي يحملهُ الأنسانويّون الغربيون معهم إلى العصر الحديث..
رجلان متعاصران في أثينا يُجسِّدان هذا الإستعلاء الإغريقي، فالروماني مِن بعد، وهما : الخطيب السياسي ورجل الدولة ديموثينِز Demosthenes (383-322 ق م) والفيلسوف أرسطو Aristotle (384-322 ق م).. لكنهما لا يتعديّان النظرة الإغريقية التي تُقَسِّم العالم إلى «إغريق» فُصَحاء وإلى «برابرة» لا يُحسِنون اللغة اليونانية ولا يشاركون في ثقافة اليونانيين.. إلّا أنّ هذه الرؤية لا تتوقف عند الجهل باللغة وبالثقافة الإغريقية ولكنها تُطِلُّ على الأمم سواهم مِن نظرةٍ تستصغر «آخَرِيَّتهم».. يقول ديموثينز أنّ البرابرة عبيد، وأنّ الإغريق رجال أحرار.. وتفسير هذا المنظور الشعوبي الإستعلائي هو قولهم بأنّ الناس في الحقيقة يأتون على ثلاث درجات.. الأسافل هم المتوحشون Savages، وهؤلاء يعيشون مِن أجل أنفسهم وحسب.. وفي الدرجة الوسيطة يأتي البرابرة Barbarians المُتَمديِنون لكنهم يقطنون في امبراطورية شاسعة يسيطر عليها ملك مع أعوانهِ.. وفي بال ديموثينز لا شك قاطني امبراطوريات المشرق القريب المعروف يومئذٍ، في فارس والعراق ووادي النيل والأناضول، على تعاقبها السلطوي.. وبالطبع فالمجتمع الحر والكامل التمديُن Civilized بنظر الإغريق هو المجتمع اليوناني (كيتو : 1957 : 9 و 128).. وجميع هذا التعالي يرثهُ عن قريب مِن الإغريق، زمناً ومكاناً الرومانيون مِن إيطاليا، ثمّ ينحدر أوروبياً مع الأعصُر إلى الآن..
تُجمِل لنا عالمة الإِناسة الأمريكية كاثرين جورج ما يقبع في المفهوم الأرسطي مِن المُمايزة بين الإغريق ومَن عداهم.. وهو مفهومٌ مُشبًع بالتحامُل وبالعداء وباللامبالاة وعدم الإحترام للثقافات الأخرى، تحملها الثقافة الأوروبية مِن قديم إلى عصرنا الحديث وتطبعها على المتخلّفين عنها في مساقات القوة والمِنعة.. تقول كاثرين جورج :
« تعني ولادة المرء ضمن ثقافة مُعيّنة، بشكلٍ عام أنّ هذه الثقافة تضعهُ على مِنصّة يُطلُّ مِنها، بدرجات متفاوتة مِن عدم الاكتراث أو العداوة، على الثقافات
الغريبة الأخرى.. ولذا غُلّبَ أن يكون مُراقبو الثقافات الغربية مُنحازين، بالمعنى البسيط الذي يُفضِّلون فيهِ ثقافتهم على كلّ الثقافات الموجودة الأخرى، وينظرون الغريب باعتبارهِ الشكل المُشوّه المُنحرِف عن المألوف.. وكانت السذاجة التي تُدغدِغ الذات وتُميِّز التقسيم الأرسطي لسكان العالم إلى إغريق وبرابرة، أو إلى أحرار بالطبيعة وعبيد بالطبيعة، هي النمط المُعتاد الذي حَشَرَ الناس فيهِ ما لاحظوهُ مِن فروقٍ بين البشر..
كانت فئة البرابرة بالنسبة لأرسطو واسعة جداً، تضمُّ العديد مِن الناس بغضِّ النظر عن الإقليم أو الشعب أو العُرف.. لكنّ التبايُن في مدى الإختلافات الثقافية ارتبطَ في كتابات مُعظم المُشتغلين بالشؤون الإنسانية بالتبايُن في أنواع الأحكام المُستمدّة مِن المُلاحظة.. وكلما زادَ الإختلاف الثقافي زاد التعبير عن العداوة والاحتقار حِدّة.. ومِن هنا فإنّ الثقافات البدائية، كما وصفها المراقبون المُتمدِّنون، قد عانت أكثر مِن غيرها مِن عادة استصغار الغريب «.. (كاثرين جورج : 1982 : 260)..
سقوط روما بأيدي البرابرة الوَندال عام 455 م يُنهِي ألف عام مِن الحقبة الكلاسيكية الإغريقية والرومانية.. ورغماً عن الإستعلاء السُّلالي والديني والتمدُّني الذي يُبديهِ البيزنطيون بعدئذٍ، إلى حين تحجيمهم بأطراف الأناضول في القرن السابع الميلادي، ثمّ إسقاطهم نهائيّاً في 1453م على يَدَي السلطان العثماني محمد الفاتح، إلّا أنّ العصور المظلمة كانت قد أبعدتْ الأوروبيين كثيراً عن القيادة الحضاريّة، بين القرون السابع الميلادي والرابع عشر والآلات المعدنية ونوع مِن الحياة الجماعية في القرى والحواضر،
(3) المرحلة «المُتَمَديِنة» التي بدأتْ عندما اكتشف الأنسان فن الكتابة «.. (هُسُو : 1982 : 54)..
والذي يَلزَم التأكيد عليهِ ها هنا هو أنّ الجغرافيا الثقافية العالمية لم تُسايِر التطورات التاريخية التي سار عليها بنو الإنسان عامّة.. فحتّى عند مُستَهَل القرن الواحد والعشرين بعد الميلاد، لا يزال هنالك أقوام يعيشون في ثقافات يُمكِن تصنيفها على الدرجتين (1) و (2) على حسب توصيفات الإناسي البريطاني إدوارد تايلر السالفات.. في الدرجة (1) سكان أستراليا الأصليين وبقايا البوشمان في صحراء كالاهاري والهنود الحمر المُنعزلين في غابات الأمازون.. وفي الدرجة (2) كلّ العالم الخارج مِن الإستعمار : البريطاني والفرنسي والألماني والإيطالي والبرتغالي والإسباني والهولندي والبلجيكي والأمريكي والروسي، بين 1917 و 1991م .. فمشاعر الإيضاع والاحتقار، المُلتبسة باختلاف السِّحنات وبالأعراق وبالأديان وباللغات وبالمستويات المعيشية تظل حتى اليوم ترسم خطوطاً فارقة لبيان طبقات الأمم.. ذلك حتى وإن تجنّبَ الكُتّاب والمتعاملون مواجهةً استعمال تِلكُما المصطلحات المُشبَعة بالمركوم مِن تضمينات التحقير لثقافات «الآخرين»..
المراجع
1 – كاثرين جورج (1982)، «الغرب المُتمدِّن ينظر إلى أفريقيا البدائية» في (البدائية) تحرير
آشلي مونتاغو، عالم المعرفة، الكويت، ص259-284..
2 – فرنسيس هُسُو (1982)، «إعادة النظر في مفهوم البدائية» في (البدائية) تحرير
آشلي مونتاغو، عالم المعرفة، الكويت، ص53-103..
3 – إتش دي إف كيتو (1957)، (الإغريق)، كتاب بيليكان، بريطانيا، (بالإنجليزية)..
الثورات : 2/1/2016 م