السودان ……ضوء في اخر النفق ..

لــؤي عبدالرحمن محمد
تبدو الصورة العامة للأوضاع في السودان ضبابية ان لم تكن قاتمة فالضائقة الاقتصادية تزداد وتيرتها بصورة متسارعة فأسعار السلع في ارتفاع مستمر والمرتبات الشهرية لا تكفي اصحابها الا لايام قليلة فقط و التضخم ترتفع ارقامه الرسمية شهرا وراء شهر مما يؤدي لانخفاض سعر الجنيه امام العملات الاخرى بصورة دراماتيكية . ولا غرابة في ذلك فالواردات اكثر من الصادرات وسبب ذلك تعطل الإنتاج ان لم يكن توقفه فلا مشاريع زراعية ولا صناعية ولا خطط وبرامج مدروسة للنهوض بالزراعة عماد الاقتصاد السوداني ولا بتطوير الصناعات الصغيرة ولا بمكافحة الفقر وتطبيق الخطط التنموية المدروسة التي تنهض بالمجتمع دعك عما يصرف من مئات الملايين من الدولارات على السلع الكمالية وغير المهمة.
معاناة الناس تبدوا في ازدياد ,رائحة الفساد والاعتداء على المال العام تزكم الانوف وتتوسع حسب الارقام الرسمية الحكومية من ديوان المراجع العام. يتحدث الناس ايضا عن طبقتين فقط في السودان الان الطبقة الأولى وهي طبقة صغيرة جدا تمتلك المال والثروة والسلطة وتعيش حياة مرفهة والطبقة الثانية وهي غالب الشعب وتعيش في معاناة حياتية كبيرة وتكابد الامرين في سبيل سد رمقها, الالاف من الشباب من الجنسين بلا عمل ترى في وجه كل من تقابله من الشباب اليأس والإحباط ولا هم للعديد منهم الا بالسفر..السفر الى اي مكان واي زمان خارج الوطن .
الارقام الرسمية تقول ان الاف من تأشيرات الخروج تمنح بصورة شبه يوميه ويتساوى في الرغبة في الخروج الجميع المتعلم وغير المتعلم النساء قبل الرجال وكبار السن قبل الشباب.وبهجرة الاف الاطباء والمهندسين والمحاسبين والاداريين واساتذة الجامعات والمحامين والكوادر الصحية من ممرضين وفنيين وغيرهم يفقد السودان كوادره المتعلمة وعقوله التي يحتاجها المجتمع السوداني في تطوره وتقدمه ويحتاجها انسان السودان في حضره وباديته ومدنه وقراه القريب منها والبعيد.
تعاني الخدمة المدنية في السودان والتي كانت توصف بالكفاءة من التكلس والضعف والوهن الذي أصابها بسبب المحسوبية وهجرة وابعاد الكفاءات واحلال أصحاب الولاءات بالإضافة لضعف التدريب والمتابعة وهزال البنية التكنولوجية والتي تستخدم في الادارة الحديثة.
كما فقد اهل السودان العديد من الرموز الخدمية والتي كان يشار لها بالبنان في المنطقة الافريقية والعربية مثل الخطوط الجوية السودانية والخطوط البحرية والسكك الحديدية الاطول في افريقيا والتي تم بيعها او تخصيصها كل ذلك بسبب سوء الإدارة والتخطيط والتخبط العشوائي.
في هذا الافق الملبد بالغيوم والمتشح بالضبابية واثار الحروب الطويلة المرهقة التي عاناها السودان واهله منذ استقلاله قبل ستون عاما وحتى اليوم وتظهر اثارها في لقمة عيش المواطن وفي امنه وامانه وفي ظل الاوضاع القاتمة في المنطقة العربية في سنوات ما بعد الربيع العربي حيث تسود المنطقة حالة من الفوضى والحروب وعدم الاستقرار والانقلابات العسكرية واللجوء والنزوح الجماعي والحركات المتطرفة التي تهدد بالسكين على شاشات التلفاز في هذا الجو المتعب والمرهق خرج الرئيس السوداني ليعلن للناس كافة انه يدعوا الجميع الى الحوار احزاب معارضة واحزاب متحالفة وحاملي سلاح وغيرهم دعاهم جميعا للجلوس والحوار في الخرطوم لمناقشة كل قضايا البلاد بدون قيود والمساهمة في وضع حلول لها ووعد في دعواه للجميع بتنفيذ كل ما يخرج به المؤتمرون من هذا الحوار وقال ما معناه – ان الرجل يمسك )بضم الياء)من لسانه – وهو مثل يعني الالتزام بكل ما قاله اللسان .
شخصيا كغيري من غالب اهل السودان كنت اعتقد ان الدعوة للحوار ماهي الا دعوة استهلاكية من الحزب الحاكم يحاول ان يجدد بها شبابه في السلطة اذ لا يعقل ان يكتشف المؤتمر الوطني فجاة اهمية الحوار وضرورته بعد اكثر من ربع قرن من القبضة القوية في الحكم .
الان بعد مرور اكثر من شهرين من بداية مؤتمر الحوار والذي تشارك فيه العديد من القوى السياسية المعارضة والقوى المعارضة المسلحة ايضا والعديد من الفنانين والمثقفين والاكاديميين والقوى الاهلية والشعبية وتقاطعه العديد من القوى السياسية الفاعلة ايضا سواء في الداخل او الخارج ترشح العديد من الاخبار من داخل المؤتمر تشير الى مؤشرات ايجابية منها ان المؤتمرون تداولوا وتحاوروا بحرية وان المؤتمر انقسم الى عدة لجان داخلية متخصصة منها ) الهوية – العلاقات الخارجية – قضايا الحكم -الحريات والحقوق الاساسية- اللجنة الاقتصادية ( وقد تم تمثيل كل القوى السياسية المشاركة في كل اللجان دون ان تكون لاي حزب الاغلبية وتشارف هذه اللجان على الانتهاء من مداولاتها وتوصياتها في شهر يناير الحالي .في اعتقادي ان الرئيس عمر البشير وحزب المؤتمر الوطني الحاكم سيكونان على المحك في الاسابيع القليلة القادمة وذلك بالانتقال بالحوار الوطني الى مرحلة التنفيذ وانزال توصياته على ارض الواقع وان صح ما التزم به الرئيس من التطبيق الكامل للمقررات والتوصيات فان السودان موعود بتغيير حقيقي يمكن ان يسهم في وضع حد للصورة القاتمة التي تم رسمها في بداية هذا المقال .
ان السودانيين جميعا بحاجة الى الحوار والسلام والمصالحة الداخلية والتعالي على الجراح والانقسام والحروب في المرحلة القادمة من اجل احداث تغيير حقيقي تظهر اثاره لكل اهل السودان امنا وسلاما ورخاء ورفاهية وصحة وتعليم .