الخلايا الحزبية.. ملاذات اليسار الآمنة

تحقيق: أكرم الفرجابي
عرف السودان العمل السري أو ما يُطلق عليه (تحت الأرض) منذ عشرينيات القرن الماضي، ومارسته معظم الأحزاب السياسية السودانية في حقبة الحكم العسكري في البلاد، الذي إمتد إلى 48 عاماً منذ الاستقلال، لكن الحزب الشيوعي يُعدّ أكثر من اشتهر به وظل يمارسه حتى اليوم، إذ ما زالت هناك شخصيات ضمن مكتبه القيادي مخفية تماماً، كما أن زعيمه الراحل إبراهيم نقد، قبع ثلاثين عاماً تحت الأرض، منها أحد عشر عاماً في عهد الرئيس الحالي عمر البشير، وسبق أن هددت الأحزاب المعارضة في عام 2013م باللجوء إلى العمل السري على خلفية الإجراءات التي اتخذتها الحكومة ضدها، حينما وقعت على ميثاق الفجر الجديد مع (الجبهة الثورية)، وقامت باعتقال كافة الموقّعين من قِبل التحالف قرابة الشهرين، وعادة ما يُلجأ إلى العمل تحت الأرض في حالات تعذّر النشاط العلني للأحزاب، في ظل وجود قمع وتضييق على نشاطها، إذ توفّر الأحزاب ملاذات آمنة لقياداتها الأساسية لإدارة الحزب بعيداً عن أعين الأجهزة الأمنية بإتباع ما يسمى بالخلية الحزبية.

مفهوم الخلية:
الخلية الحزبية هي أصغر وحدة تنظيمية داخل الحزب، تحمل مبادئه وتعمل على ممارسته وتطبيقه بين صفوف الجماهير، مسترشدة بتلك المبادئ التي يؤمن بها، وتتكون من مجموعة مناضلين مرتبطين مصيرياً وفكرياً بالحزب عبر المسئول المحدد من الحزب للقيام بمهامه القيادية، وهو ممراً لما ترفعه الخلية إلى القيادة الأعلى، أو لما تتلقاه من الحزب من توجيهات وأوامر وتعليمات، وثمة استفهام حول ما الذي يفعله أعضاء الخلية الحزبية لو قتل قائدها أو تم أسره، وما الذي يحدث لو أن قائد الخلية إهتزت المبادئ لديه وانشق عن قيادة الحزب أو تأمر عليها؟ ومعروف أن العمل المنظم للخلية الحزبية يقود إلى تحقيق المهام الموكلة إليها وبدون العمل المنظم فأن مصير الخلية سيؤول إلى الارتجال والدمار والأذى إلى الخلايا المنظمة الأخرى، إن من أهم صور عمل الخلية هو العمل المبرمج والمنظم الذي يقود إلى الارتباط المركزي بالحزب عبر القيادة الأعلى لها ومن خلال قائدها صعودا إلى قيادة الحزب لاسيما في ظل الظروف التي يعيشها الحزب الشيوعي بخلاياه المنتشرة في البلاد، إن الصلة الحية بين أعضاء الخلية تتم عبر الاجتماعات الدورية المنظمة وهذه الاجتماعات تعني اللقاء خلال وقت مكرس بكامله للحزب لكي يستطيع الأعضاء عرض ما استطاعوا أن ينفذوه للحزب من ممارسات وفعاليات سواء منها التي تمت بتكليف من الحزب أم الأخرى التي اعتمدت على المبادرة الذاتية الفردية أو الجماعية وبالاسترشاد بالمبادئ التي يحملها المناضل الحزبي، إن التنظيم السري وأسلوب عمل الخلايا الحزبية التي اشتهر بها اليسار السوداني تثير إعجاب القاصي والداني لأنه تمكن إلى حد كبير من وقاية أعضاءه وجعل الحزب كتنظيم وقياداته الميدانية تمتص الضربات الموجعة التي تعرض لها الحزب خلال مسيرته الطويلة.
اختيار الخلية:
يتم اختيار الشخصيات لذاك النوع من العمل وفقاً لمعايير خاصة تتصل بكفاءة الشخص وقدرته على كتم الأسرار، إضافة إلى حسن تصرفه عند الأزمات، فضلاً عن عدم تأثره بالعاطفة، إذ إن العمل تحت الأرض يعني انقطاعاً كاملاً عن محيطه الأسري، كما أن أولئك الأشخاص عليهم انتحال شخصيات مختلفة وإجادة مهن مختلفة، بعضها هامشي، حيث يقول قيادي بالحزب الشيوعي لـ(ألوان)، – فضل حجب اسمه – إن العمل السري يتم عادة عبر خلايا صغيرة تتكون من ثلاثة إلى خمسة أشخاص، لتسهيل الحركة والاجتماعات التي عادة ما تكون محددة ولا مجال فيها للإسهاب في الحديث، ويمكن أن تلتقي تلك المجموعة في أماكن غير معروفة للأمن أو في المقاهي والأماكن العامة، ويوضح أن «من يتم اختياره لا بد أن يكون شخصية غير معروفة بنشاط سياسي أو للإعلام أو معروفة جماهيرياً»، مشيراً إلى أن «هذه الشخصية عادة ما تقوم بتنظيم الحزب ونشاطه من كتابة وتوزيع بيانات والكتابة على الجدران، وتصل إلى العمل النقابي والترتيب للإضراب»، ويؤكد لـ(ألوان) «نسبة اختراق العمل السري ضعيفة جداً بسبب كثرة حلقات القيادة ودرجاتها، الأمر الذي يأخذ وقتاً في الوصول لها»، لافتاً إلى أن العمل السري حقق نجاحات خلال الفترات التي شهدت انتفاضات شعبية في البلاد وقادت إلى إسقاط حكم العسكر (حكم إبراهيم عبود وجعفر النميري)، ولكن الرجل الذي فضل حجب اسمه، أن للعمل السري سلبيات تتمثل في إدمان العمل السري نفسه وانعدام الثقة لدى من مارسوه وتمركزهم حول أنفسهم، يرى قادة الحزب الشيوعي السوداني إن فكرة العمل السري تقوم على إدارة الحزب بشكل سري بعيداً عن الأمن والجماهير، وعادة ما تكون هناك كوادر خاصة لذلك العمل، إذ تلجأ الأحزاب إلى وضع كوادر جماهيرية وأخرى تنظيمية، مؤكدين أن هذه الخطوة من شأنها أن تحمي كوادر الحزب الرئيسية من الاغتيالات وتتيح فرصة لإدارة الحزب للحد من الانقطاع بين القاعدة والقيادة.
تكوين الخلية:
الخلية تتكون من ثلاثة أفراد على أن تعمل كل خلية بمعزل عن الأخرى، أي (بنظام الدوائر المغلقة)، وذلك بغية إحكام السيطرة والتأمين من الاختراق، الهاجس المستمر المسيطر على من يشكلون الخلايا السرية، وفي الحزب الشيوعي – بحسب مصادر مقربه – يتم اختيار عدد (1000) كادر للعمل السري في كل ولاية، على أن تتكون خلايا الولايات من (ثلاثة أفراد) بكل خلية، وتعمل كل خلية بذات الطريقة المتفق عليها (الدوائر المغلقة) في عمل خلايا الخرطوم (الألفين)..!!، وكل الخلايا تكون مربوطة بشبكة موحدة ليسهل الاتصال بها عند الضرورة، والتوجيه الذي نزل على وجه الإلزام يقول بضرورة أن يرأس تلك الخلايا أصحاب الولاءات الحقيقية ويتمتعون بقدرات كبيرة في إدارة العمل السري، ويعد الحزب الشيوعي من أكثر الأحزاب التي مارست العمل السري في تاريخ القوى السياسية ولديها خبرة كبيرة وحتى في أوقات الانفراجات السياسية والأنظمة الديمقراطية يكون الحزب في حالة تحسب لذلك لا يقوم بكشف جميع أوراقه في العلن وهو الذي اتعظ من الشموليات خاصة خلال فترة الرئيس جعفر نميري وهم من شايعوه في بادئ الأمر وانقلب عليهم بشكل سيئ وأعدم قيادات الصف الأول التي كانت تعمل في الظل أيضا ومن خلال العمل السري وحيث عين السكرتير العام للحزب محمد إبراهيم نقد خلفا لعبد الخالق محجوب والحزب كان يعمل في السر وبعد انتفاضة ابريل عاد الحزب للعلن وعقب انقلاب الإنقاذ عاد لباطن الأرض مجددا فاختفى نقد عن ظهر الأرض لباطنها من جديد وعقب انفراجة اتفاق السلام الشامل في 2005م خرج نقد مجددا ومعه الحزب الشيوعي للعلن وهو يزداد خبرة في دروب العمل السري لدرجة أن عضوية لجنته المركزية ما يزال عددا كبير من عضويتها غير معروف للعلن أو حتى عامة عضوية الحزب حيث تبقى سرية لأي طارئ ولذلك يعد من أكثر القوى استعداد لأي تحول للعمل السري إلا أن البعض يرى أن الحزب العجوز فقد بعض مميزاته في هذا الأمر خاصة وأن العضوية التي تدربت على العمل السري خرجت الآن من دائرة العمل السياسي بسبب «العمر» حيث نال الزمان منها بالإضافة إلى أن العضوية الحالية تربت في أوقات قلت فيها درجة العمل السري وبعيدة عن الانضباط التنظيمي السابق.
اللجوء للخلية:
إلا أن الناطق باسم الحزب يوسف حسين قال في تصريحاته وفقاً لتقارير إعلامية سابقة إنهم مستعدون للعودة للعمل السياسي السري في حالة حظرهم من قبل المحكمة الدستورية وأن «المضطر يركب الصعب» مشيرا إلى أنه لا توجد ضمانات وأن حزبه مر بهذه التجارب في السابق وليست غريبة عليه مشيرا إلى أن المؤتمر الوطني ليس لديه القدرة ولا الحق في حظر نشاط القوى المعارضة باعتبار أن الميثاق الذي كان قد وقعته المعارضة مع الجبهة الثورية في كمبالا وعرف بميثاق الفجر الجديد لا يمت لشرعية الأحزاب في صلة ولا يسحبها من هذه القوى الموقعة لأن الحوار مع الحركات المسلحة أمر شرعي وحق يمارسه حتى المؤتمر الوطني عبر منبر الدوحة بالإضافة إلى أن القوى السياسية رفضت آلية تغيير النظام عبر الطرق العسكرية وأنها تنتهج وسائل التغيير السلمي عبر تحريك الجماهير ولذلك تعد الكرة في ملعب المؤتمر الوطني في دفع القوى السياسية للعمل السري أم العمل المفتوح، في مقابل ذلك إنتقد القيادي السابق بالشيوعي وبعدها بحركة (حق) الحاج وراق العمل السري وأشار إلى أنه يؤثر حتى على أخلاقيات العمل وأن سلبياته تكمن في اعتماد الاختفاء على الكذب والتمويه, والكذب يتحول إلى عادة عند ممارسته لفترة طويلة, كما أنه أي الاختفاء يطرح على الإنسان سؤال الأخلاق في العمل السياسي, إضافة إلى أن الاختفاء يفضي إلى خلق إشكالات نفسية عميقة للشخص المختفي إن لم يتسلح بالوعي اللازم, ودعا وراق بحسب حديث سابق لصحيفة البيان إلى عدم إسناد مهام قيادية لشخصيات عملت طويلا في مناخ العمل السري، وأشار وراق إلى أن العمل السري قد يؤدي لتجميد الشخصية الحقيقية بشكل نهائي وفي بعض الأحيان يتم جدل بين الشخصية المخفية والشخصية الحقيقية وهذا يؤدي إلى تغذية حاسة التوجس تجاه الحقيقية, فيما تظل شخصية المموه أو (الذات الكاذبة) هي الشخص المسيطر في العلن وهو أمر مربك جداً.
سر القوة:
من جانبه قال السكرتير السياسي للحزب الشيوعي الأستاذ محمد مختار الخطيب في حوار سابق له مع صحيفة (أول النهار) أن الحزب الشيوعي لا يفرض السرية على نفسه، وإنما الأنظمة القمعية هي التي تجبره عليها، والثابت أن أي حزب لديه سرية في عمله الداخلي، وهناك أسرار تعرفها قياداته وقواعده في إطار نشاطها التنظيمي اليومي، إضافة لعملها وسط الجماهير، ونحن داخل الحزب لدينا دستورنا ولوائحنا التي تحكمنا، ومن جانبه قال الأمين العام الأسبق لحركة (حق) الأستاذ قرشي عوض في حديثه لـ(ألوان)، أن سر قوة الحزب الشيوعي في فرع الحزب الذي يتكون من عدة خلايا، مبيناً أن بعد ضربة 19 يوليو اختفت القيادات الحزبية التي لم يطولها الاعتقال أو الإعدام، على رأسهم الراحل محمد إبراهيم نقد، والتيجاني الطيب، وصديق يوسف، لكن أهم شخصية هي شخصية الجزولي سعيد عامل السكة حديد الذي استطاع أن يضع نظام مالي للحزب الشيوعي وفر له الاستقرار المالي، والراحل نقد كان قد نصحهم قبل وفاته بأن يتمسكوا بالنظام المالي الذي وضعه الجزولي سعيد، واعتمد على أن فرع الحزب والخلية هو البيت الواقي للمتفرغ الحزبي، وكان المطلوب من كل عضو أن يدفع 5% من دخله، واستطاع الجزولي أن يدير هذا المبلغ إدارة حسنه مما جعل الحزب مستقر مادياً وغير محتاج لأحد، وأضاف قرشي أن الخلية الحزبية هي مكان للتنسيق وجمع المال، والتأمين والحماية، وتطوير العمل الحزبي.
تحت الأرض:
المراقبين يرون أن طبيعة الأحزاب اليسارية والحزب الشيوعي بالتحديد ومنذ زمن بعيد تنساق في كثير من المراحل نحو العمل (تحت الأرض) أو ما يسمى العمل في (الظل) أو (السري)، خاصة وأنها الآن تتهم الحكومة بعدم بسط الحريات والتضييق على الأحزاب المعارضة، فأصبح التساؤل القائم حول اختفاء أحزاب اليسار وعدم ظهورها الواضح في الساحة السياسية في هذه المرحلة التي يعدها المراقبون الأهم في تاريخ البلاد، لكن بعض الخبراء والمراقبين أشاروا إلى أن اختفاء الأحزاب اليسارية دليل على انقطاع عشمها في نتيجة مرضية للحوار الوطني الجاري، وثمة أراء بأن الحوار الوطني خلف نوعاً من الحراك، وكان هنالك أمل في أن يحدث تغييراً، غير أن الحكومة ذهبت في نفس اتجاهها السابق، لافتة إلى أن ذلك جعل العديد من الأحزاب تتأرجح بين تجميد نشاطها بالداخل والنزول (تحت الأرض)، وهنالك من قاطع الحوار والانتخابات الماضية معاً، موضحةٍ أن ذلك أحدث احتقاناً في الساحة السياسية، وتصاعدت لغة التخوين بين الأحزاب والقوى السياسية، وقالوا إن انقطاع أصوات الأحزاب اليسارية دليل على انقطاع عشمها في فرصة عمل سلمي مثمر، وأوضحوا أن الصوت الأعلى هذه الأيام هو صوت المعارضة بالخارج مثل (نداء السودان، ونداء برلين) خاصة مع وجود الوساطات الدولية مثل الاتحاد الأفريقي وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية.
اجتماعات سرية:
رغم ذلك يرى بعض الخبراء والمختصين في المجال الأمني أن الأحزاب اليسارية فقدت القدرة على ممارسة العمل السري الحقيقي لفقدها الآليات المناسبة التي تتيح لها ذلك، وضعف إمكانياتها وقواعدها التي يمكن أن تتحرك في هذا الاتجاه، وأشاروا إلى أن العمل السري داخل أحزاب اليسار السوداني لا يتعدى كونه منشورات واجتماعات سرية، ولا يصل إلى مرحلة العنف العسكري أو اللفظي، لافتين إلى ضعف تمويلها وكادرها الذي يمكن أن تسير به مهامها ونشاطاتها، موضحين أن أغلب الأحزاب اليسارية فقدت مرجعياتها التي تستند إليها في ممارسة نشاطاتها واتخاذ قراراتها، إضافة إلى افتقادها للقيادات والرموز الكبيرة المؤثرة، ويبدو أن ضعف التمويل وقلة الكوادر والضغوطات التي تواجهها أحزاب اليسار السوداني حالت دون ظهورها هذه الأيام على مستوى فعاليات الساحة السياسية ووسائل الإعلام، حسب ما أشار المراقبون، غير أن العمل السري يراه البعض الوسيلة الوحيدة المتبقية لهذه الأحزاب، وهذا يتضح من خلال حراكها الخارجي في عدد من الاتجاهات والاتفاقات التي تبرمها مع المعارضة الخارجية، فالعمل في الداخل أصبح صعباً عليها خاصة في ظل الضغوطات التي تواجهها وإصرار النظام على المضي قدماً في مشروع الحوار الوطني الذي ترفضه هذه القوى اليسارية، مما سيضطرها إلى ممارسة العمل السري كما يشير بعض المراقبين، رغم تقليل البعض من خطورتها على مجريات العمل السياسي في البلاد.