إلى مدرسة الهبيكة عكود في يوبيلها الذهبي

بقلم :عوض الصديق
بعد أيام قلائل، سنحتفل باليوبيل الذهبي لمدرسة الهبيكة عكود الإبتدائية بنات (ميمونة عبد الوهاب). المدرسة التي عَرفتْ من خلالها قريتنا بوابة المستقبل. خمسةُ عقودٍ مرت، منذ أنْ أوقد أباؤنا، بؤرة النور الأولى. لم يكن ذلك شيئا سهلاً في ذلك الزمان، لكنهم فعلوا في ذاك التاريخ، أكثر مما أتاحتْ لهم الظروف. وبقي فعلهم إرثا شكّل حاضرنا الزاهر.
ألقى ذلك على كاهلنا أعباء ثقيلة، حين تعلق الأمر بالحفاظ على تركة آباءنا، ومستقبل أبناءنا، إذ توجّب علينا أنْ نعمل، بحماس وجُهد متلازميْن؛ لتوفير جوٍ مدرسي ملائم، وتشجيع طلابنا، وطالباتنا، على التحصيل، والإبداع. إذ أنّ قريتنا التي عَرفتْ مكاسب النور، لم ولن تدخر جهداً، لتخسر قيود الظلام، وعهوده دون ندم. ولن تتوانى فى أنْ تظل هذه الشُعلة متقدة.

عبر السنوات الماضية، ظلّت جهود المعلمين والمعلمات، مشهودة ومتواصلة. وظلّت المدرسة، تحصل على مراتب متقدمة، ويتقدّم بشكل مضطرد تحصيلها الأكاديمي، وتُحرز درجات جعلتها تُنافس على مراكز رفيعة، على مستوى مدارس المنطقة والولاية.
بالنسبة لمسيرة المدرسة الطويلة، فإنّها واحدة من أربع مدارس، لكنّها الأقدم، وهي الأرضية التي قام عليها نظام التعليم في قريتنا، وهذا يدفع بالجميع، للعمل على احترامها كما يجب، وفاء لماضينا، وتقديراً لحاضرنا. وهو ما يتطلب أنْ يُترجم هذا الوفاء والتقدير إلى برامج عمل للحفاظ عليها، إذ أنّها ما زالت فتية، وتواكب التحديث والتطور؛ مستندةً على أرضية صُلبة من التميُّز، وعلى تاريخها العظيم.
أنجز أهل قريتنا، خلال العقود الخمسة الماضية، تقدُّماً ملحوظاً في مجال التعليم، وهو ما يجب الإشارة إليه في ذكرى أم المدارس، إذ تم تشييد- لله الحمد والمنة- عبر التعاون، فصول جديدة، وتم تحديث فصول قديمة. وما زال العمل يجري، فضلاً عن قيام ثلاث مدارس، بمواصفات جيدة.
وبالرغم من أنّ جهداً خجولاً، مسَّ الإجلاس والكتاب، لكن لا زالت الحوجة قائمة لتدعيم تلك الجهود، واستحداث جهود مماثلة في مجال البنيات التثقيفية والرياضية في تلك المدارس. بالطبع، كان التعاون دافعاً حقيقياً، وحصدنا بفضله نتائج جيدة تلي الاستقرار الدراسي، والتفوق الأكاديمي.
حصل أولادنا، وبناتنا، على تعليم جيد، وتربية راشدة. ومن خلال ذلك، استطعنا أنْ نُثبت إنّ جهود التعاون، وحتى اختلاف الآراء، من أجل الوطن الصغير، كانت مثمرةً، فكل لبنة على تلك المنشآت، قامت بجهد خالص لأبناء هذه القرية والمعلمين والمعلمات في مدارسنا، ولا زال اختلاف الآراء وتعدُّدها مطلوباً في مضمار التسابق لبناء مؤسساتنا الخدمية، على أنْ يظل قائماً على أرضية مرنة لقبول الآخر، ومرهوناً بنيّات طيبة، تهدف للبناء والتعمير وليس الإهلاك والتدمير.
حين ننظر إلى ما أُنجز، وحين نُجري مِبضع الجُرح والتعديل. وحين نُنْصِبُ مِكيال المقارنة، بما حولنا، سنجد إنّ ما تمّ كان رائعاً. وإنّ ما كنا نصبو إليه خلال السنوات القليلة الماضية، وكان حُلماً، تحقّق بفضل جُهودكم العظيمة جميعكم. وصار الأمر أفضل مما هو عليه قبل سنوات.
خلال هذا العام تطمح الهبيكة عكود ،اإلى إكمال صرحها التعليمي التثقيفي الملحق بالمدارس، وهو مركز ثقافي لا تقل مساحته عن قصر الثقافة  في عاصمة الولاية ، صمم ونفذ على أيادي طلاب وشباب قريتنا .
يستهدف المشروع الذي يجري العمل علي انجاز مرحلته الثانية ( التشطيب)  تقديم خدمة في مجال التعليم غير المدرسي الرسمي، ذاك المتعلق بالمهنة، والتثقيف والنشاطات التعليمية، وهو مشروع يتولى الأطفال قبل التمدرس بالتثقيف العام، أو أثناء المدرسة بالتحصيل الفكري الثقافي، ويشمل أيضا ،الكبار من الرجال والنساء ،في مجال محو الأمية وتعليم القران .
تم كل ذلك فقط بفضل التعاون، الذي ظلّ سمةً أساسيةً وملهماً لنا في قريتنا، ولم يكن مثمرا في مجال التعليم فقط، فقد أثبت التعاون نجاعته أيضا في مشروع النظافة.
ومع اقتراب موعد الاحتفال بانطلاقة النظافة الاسبوعية للقرية منذ ربع قرن، فإننا معتدون بأنفسنا وقريتنا ،إذ كسبنا قبل دفعه المعنوي، بتصنيف الهبيكة عكود، أنظف قرى الولاية، مكاسبه على الأرض بالحفاظ على بيئة معافاة من الجوائح والأمراض.
إن ما نراه قليلا ،هو في الحقيقة نتاج عمل دؤوب و مثمر، اتفق الناس حول قواعده، وإن تعددت الأراء حول آليات تنفيذه، وكان اتفاق القرية دائما يحصد الغلبة والأقلبية، ظل كل شيء محل اتفاق، حتى قدحنا ونقدنا لبعضنا البعض، ظلّ شُعوراً صادقاً على الدوام، بأنّ ذلك ليس سوى تفاعلات حميدة في جسد منظومة تعمل وتتطور. كما ظلّ حديثنا عن القصور، جزء من جِبِلّة الإنسان، وتوقه للبحث عن التمام والكمال.
إن سنوات طويلة من العطاء، بذل فيها الكل جهوداً حثيثةً ومقدرةً، ستُصبح منهجاً وأنموذجا، لكن ذلك أيضا، يضعنا أمام تحديات جديدة.
إن أهازيج النجاح التي يجب أنْ نحتفي بها، يجب أنْ تدفعنا قُدماً للعمل، والى رسم مناهج راسخة لتطوير، وتحديث التعليم، في بِنياته التحتية، وفي التطوير الأكاديمي، على حدٍ سواء. إذ يعزز ذلك سرعة وصولنا للهدف الأسمى، وهو رِفعة إنسان القرية.
سيتطلب ذلك الكثير من العمل، في مجال تكوين لجان مختصة بتطوير العملية التعليمية، في جانبها التمويلي، إذْ تكفّل المدّرسون والمدرّسات، طوال السنوات الماضية، بتحمُّل جهدٍ خرافي للحفاظ على تلك المدارس متقدمة في مبناها ومعناها. وستظل الحاجة قائمة للجان مساندة دائمة.
ستظل ذكرى اليوبيل الذهبي، فرصةً سانحةً لنُجدّد تعاوننا واهتمامنا بمؤسساتنا التعليمية.  ستحتفل مدرستنا العظيمة، بيوبيلها الذهبي، لكنها في الحقيقة، ستخلد ذكرى آبائنا الأوائل. وستمتنْ لأولئك الرجال والنساء، من المعلمين الذين سخّروا حياتهم لتعليمنا، وتعليم أولادنا، وبناتنا، في ظروف قاسية وصعبة.
ستظل المدرسة حفية أيضاً بطلابها الذين تعاقبواعليها منذ يومها الأول، ومَنْ خَلَدُوا في ذاكرتها، وخَلُدَتْ مثلي في ذاكرتهم. وبالرجال والنساء، الذين دعموها. وأولئك الذين لا زالوا يدعمونها.
لطالما كنتُ سعيداً أنْ مدرستنا بلغت خمسين عاما وفرحة بيوبيلها الذهبي، وإنْ كان  هناك ما ينقص من سعادتي هو أنني لن أكون جزءاً من ذلك كله. . ولن أشارك أيضا إبنتي الصغيرة التي تدرس هناك  الوقوف في الطابور، حين يرفع العلم ويردد السلام الوطني .سعيدٌ لأولئك الذين سيفعلون ذلك. سعيدٌ جداً.