ملكة المايكروفون ليلى المغربي.. المعقــــــد ما يــــزال شـــاغــــراً

الخرطوم: محمد عثمان يوسف
ليلى المغربي.. وليلى التي تغنى بها أهل الله هي عروس الحضرة لا يدركها سوى العارفون بالله أهل الشهود والعيان وهي الروح في أسمى معانيها، حينما يتغنى أهل الله بليلى لا نفهم من أقوالهم سوى ذلك الفيض الجارف من المحبة والوصف البديع للحسن والجمال والأخذ الجذاب للأشواق، تلك ليلاهم وفيها يهيمون. وليلانا تزاحمها في فخامة الاسم وتميز الجوهر. ومشرق القوافي إذا ما تنفس مصبحاً شمس الكلام. ليلانا هي (ليلى محمود صالح المغربي) أو ليلى المغربي كما جرت على اللسان وتربعت في الوجدان. وهاهنا تحتشد المداخل تتناسل الأخيلة والخواطر لخيل الكتابة عنها إلى طقس من المخاض العسير.
(1)
إن سر ليلى بساطتها وعفويتها متعتها وهي تمتطي الميكرفون لتحيل يوم المستمع فرحاً حد الارتواء ويا صوتها لما سرى فصوتها أهاج إلهام الشعر عند الأستاذ محمد يوسف موسى فضجت قوافيه بصوتها الذي سرى عبر الأثير معطراً وصوتها الذي جعل سيد خليفة يطرب الوجود في كرنفال كوني بديع. في امدرمان كانت صرخة الميلاد الأولى لها لتتخلق مراحل التطور الفكري على نار هادئة وتسير في سلاسة حيث كلية الأحفاد الجامعية للبنات سابقاً وجامعة الأحفاد حالياً تنبأ لها كل من شاهدها بعبقرية في الإعلام سيما أنها من أسرة جُبلت على حب الآداب والفنون فعمها هو الشاعر الكبير مبارك المغربي، ابتدأت دراساتها العليا بالجميلة ومستحيلة جامعة الخرطوم بدبلوم المكتبات والتوثيق ثم دبلوم الإنتاج الإذاعي من معهد الموسيقي والمسرح سابقاً كلية الموسيقي والدراما حالياً ولتتلقى بعد ذلك دبلوم الإنتاج في الفنون الإذاعية في ألمانيا ومركز التدريب الإذاعي في فيلادلفيا بالولايات المتحدة الأمريكية عملت بالإذاعة السودانية زمناً طويلاً لكنه كان قصيراً لعشاق فنها وصوتها الأخاذ الذي أجمع الكل على استقراره في الوجدان والأنفس وسريانه سري الدماء في الأوردة.
(2)
لتعمل بعد ذلك مستشارة إعلامية لعدد من الهيئات والمؤسسات داخل وخارج البلاد وتستعين بها عدد من الإذاعات من دول الجوار يصفها الجميع بأنها كانت موسوعة الفهم حلوة المعشر جميلة الروح سمحت الخلق والخلق تعايشت فيها ليلى الشاعرة مع ليلة الإذاعية مع ليلى الإنسانة فأنتجت نسيجاً إبداعياً نادراً أن يتكرر، فليلى الشاعرة لملمة المجد من أطرافه عندما تغنى لها ثلاثة من أساطين فن الغناء السوداني بقصيدتها طفل العالم الثالث ألا وهم وردي ومصطفى سيد أحمد والموصلي فكانت بحق سيمفونية خالدة أبدع في توزيعها الموسيقار يوسف الموصي بحيث صارت من خوالد التراث الموسيقي السوداني. بالإضافة لعدد من القصائد الغنائية التي تغنى بها عدد من الفنانين.
(3)
رحلت عن دنيانا عام 1999م وهي وأختها هيام إثر حادث حركة أثناء فريضة الحج وهن في طريقهن إلى المدينة المنورة. حيث صلى على جثمانهما جميع حجاج بيت الله الحرام في أطهر بقاع الأرض مما يدل على القبول والرضا من الله سبحانه وتعالى ونحسبه كذلك ولتيتم الآذان وتدمع العيون ويظل المايكروفون شاغراً حتى ميلاد ليلى الأخرى والتي قطعاً لن تكون كليلى المغربي فليلى المغربي ظاهرة كونية كما عبر عن ذلك أحدهم. (ألوان) غاصت في كنه الظاهرة الكونية (ليلى المغربي)..
(4)
يقول لـ(ألوان) الإذاعي الأستاذ الطيب قسم السيد حيث بدأ عليه كثيرا من الحب والإجلال للراحلة قائلاً:» إن ليلى اجتمعت فيها كل معايير الإذاعي المتفوق وهي الصوت واللغة والثقافة النيرة والإيقاع مضيفاً أنها بهذه المعايير كانت جديرة بأن تقدم أنموذجا متميزاً في الأداء في برامج الإذاعة الرئيسية وقتها وأبرزها إشراقه الصباح مضيفاً: أن المعايير تلك جعلتها من الإذاعيات المتميزات على مستوى المنطقة العربية كلها وذلك في مجال الحوار الإذاعي بشقيه المسموع والمريء مؤكداً أن حلقتها الشهيرة مع الراحل الشاعر محمد مفتاح الفيتو ري في التلفزيون تحتاج إلى (رفيقة) دلالة على جودتها ومهنيتها العالية، وأضاف قائلاً: إن ليلى بجانب المعايير المهنية المعلومة في مجال الفن الإذاعي إلا أنها وهذه شهادة في حقها تمتاز بمعايير أخرى قيميه مثل الهمة – التجرد المبادرة والمروءة،
(5)
مؤكداً على أن هذا يكفي لجعلها الإذاعية الحبيبة إلى وجداني وقلوب شعب السودان. من جانب آخر وعلى صعيد أسرتها قال الطيب إنها من أسرة الراحل مبارك المغربي الشاعر الفذ وهي شقيقة الفنانة الإذاعية سهام المغربي والممثلة الشهيرة سنية المغربي والإذاعية الرائعة التي سعدت بمشاركتها في البرامج الإذاعية (صباح الخير يا وطني) بالإضافة للبرنامج ألتلفازي (جريدة المساء) وأعني الراحلة هيام المغربي. وبالتالي هي نشأت في بيئة مبدعة ومتكاملة عندها كل الفصول المفضية لإنتاج فنانة رائعة ومتميزة. وحول المواقف الحياتية التي جمعته بالراحلة يقول الطيب عندما كنت في سني صباي الإذاعي كانت الراحلة على التزام بتسجيل حلقة مع الفنان التاج مكي وهو عائد من الغربة ولارتباطها بسفر خارج البلاد (فرنسا) اعتذرت عن تسجيل الحلقة وحين طلب منها ترشيح شخص أشارت إليّ وبثقة وكان الأستاذان الخاتم عبد الله وصلاح الدين الفاضل هما من زكيا هذا الاقتراح من الأستاذة ليلى وكان أن أقدمت على تسجيل تلك الحلقة في أحد أعياد الفداء وكانت بشهادة الأستاذين الفاضل وصلاح من أميز ما قدم في برامج العيد وهي مدونة في مكتبة الإذاعة وكثيراً ما أعيد الاستماع إليها. من بين أجهزة المونتاج داخل استوديوهات الإذاعة السودانية.
(6)
المخرجة والمنتجة الإذاعية إيمان محمد الحسن حيث قالت لـ(ألوان):بصوت يملؤه الشجن لألوان ليلى كانت أستاذتي كنت أسجل كثيراً من برامجها وكان تعاملها معي بحميمة ولطف امتد هذا التعامل إلى الجوانب الأسرية بدعوتنا للمناسبات وأعياد الميلاد لأولادها وكل المناسبات الأسرية. وحول صيرورتها علامة بارزة في تاريخ الإذاعة تقول الأستاذة إيمان: إن صوتها جميل وكذلك أداءها بالإضافة إلى أنها متمكنة وكل كلمة تعطيها معناها وعندما يستمع إليها المستمع يحس أن ليلى تخاطبه وحده هذا بالإضافة لاختيارها البرامج الجيدة ولم يحدث يوماً أن قدمت برنامجاً وكان فاشلاً؟. تضيف إيمان أن الراحلة كان لها معجبين كثر وكانت الخطابات تأتي عن طريق بريد الإذاعة نقوم نحن بفرزها حيث تقوم بالرد على تلك الخاصة بالإذاعية والبرامج وتستلم تلك الخاصة بها.
(7)
وحول ليلى الشاعرة وأثرها على ليلى الإذاعية تقول الأستاذة إيمان: إن الشاعر يكون له إحساس مرهف وثقافة عالية وهي لها طريقة في إلقاء الشعر عالية الرومانسية تنقل الإنسان لعوالم جميلة وكانت عندما تخرج لتقديم المناسبات والاحتفالات تأخذنا معها للتعلم والاستفادة. مضيفة بتأثر كبير: كنت أحب أن أجلس معها دائماً حيث أنني جئت للإذاعة كشاعرة وهي احتوتني وقدمت لي النصح. وحول المواقف الحياتية والجوانب الأخرى للراحلة. تقول إيمان: عندما نكون جلوساً بالمكتب ولا نملك نقوداً كانت تقوم بكل الواجبات دون أن تحسسنا بذلك وكانت كثيراً ما تقوم بتوصيلي بسيارتها سواء كانت هي أو هيام وكانت لها أيادي بيضاء في مساعدة الناس. ثم أضافت سمعت خبر الوفاة من جارتنا ولم أكن مصدقة وكان الناس يعزون بعض ويبكون مع بعض في مشهد عكس مدى مكانة الراحلة لديهم وفي السياق فقد كتبت قصيدة أسميتها (نجمتان في موكب الأبد) يقول مطلعها: نجمتان في موقع الجسد تجاوزان – تحاوران- تسبقان موكب الأبد في الأتنق المريح والتورد الفسيح- والتعلق الجريح- أن يحلو في البلد-نجمتان في مفارق الأفق- اجتاحتا الظلام – تسربتا إلى مواطن الضياء- تحلقان في سلام عطر الفرقة أضاف- إلى عطر الوردات النفاذ وفاح وحجم الحزن كبير. والقلب صغير- لا يسع الأنفاس.
(8)
مؤكدة أن الراحلة كانت متميزة في كل شيء وأنها ظاهرة لن تتكرر. العم أبو عبيدة محمد سليمان من قدامى ساكني بيت المال وهو يستمع للإذاعة منذ ستينات القرن المنصرم ومستودع للتاريخ الإذاعي أبدى تأثراً عظيماً عندما سألناه عن الراحلة حيث قال لألوان: إن ليلى المغربي ظاهرة كونية ولن تتكرر في مرة أخرى لأنها لا نظير لها في جمال صوتها وقوة أدائها وكاريزما ها المفرطة فهي تشدك للاستماع بطريقة غير عادية وقد كانت (تمامه الكيف) على حد تعبيره فبرنامجها إشراقه الصباح وعديد البرامج والحوارات التي تقدمها نحفظها جميعاً بالإضافة لاحتفاظه بتسجيلات صوتية لها داخل هاتفه الجوال. ولمعرفتنا المسبقة بانحيازه للراحلة وتتويجه لها كأفضل مذيعة مرت على تاريخ الإذاعة السودانية ولمزيد من الإثارة سألناه إن كان يرى لها شبيه في القنوات الفضائية أو الإذاعات فأجاب بلا عريضة قائلاً: لا توجد حتى ثلث ليلى المغربي من مذيعات اليوم وكل مذيعة تقارن بليلى يكون هناك أثقالا عليها لأن ليلى المغربي واحدة ورحلت إلى ربها راضية مرضية بإذن الله.
(9)
لا توجد في مذيعات اليوم من تضاهيها صوتاً وصورة ولا حتى ثقافة وحضوراً ولكن يمكن أن يحاولن تقليدها لكن على حد تعبيره ليس هنا سواها والأصل ما ببقي صورة. يقول عنها الإذاعي المخضرم الأستاذ حمدي بولاد في إفادات مؤثرة نقلها موقع النيلين: من الناس من لا تحس بفقده إذا ارتحل ذلك أنه كان ذا عطاء محدود قد لا يتعدى نطاق أسرته وأصدقائه منهم من يتأثر بفقده قطاع كبير يعد بالآلاف ومنهم من يحس بفقده الملايين كل حسب ما قدم لأهله وشعبه سياسياً كان أم أديباً أم معلماً أم عالماً ومن هؤلاء الراحلة ليلى المغربي التي نصنفها مع الأدباء الذين لم يكن لهم رصيد أدبي خاص بهم فإنهم قد أوصلوا أدب الأمم قديمها وحديثها إلى الناس وساهموا في استيعاب المجتمع لهذا الأدب والفنون كانت ليلى يرحمها الله فريدة في شخصيتها الإذاعية فكم من المذيعات حاولن تقليدها والوصول لمكانتها لكن فشلن في ذلك وظلت هي في المقدمة وذلك أن شخصيتها كانت مختلفة عن الأخريات في طريقة التعامل مع الزملاء لأن العمل في الإذاعة يحتاج إلى المرونة والصبر والهدوء. قدمنا معاً للمستمعين برنامج (إشراقه الصباح) كأشهى ما يكون أن يبدأ به الإنسان يومه بعد فترة القرآن الكريم والحديث النبوي وصار البرنامج اسماً يتردد على كل لسان . قال لي الأخ بكري ألمك إن هذا البرنامج كان مكملاً لكوب الشاي والقهوة صباحاً فلم نكن نغادر بيوتنا إلى المدرسة أو العمل إن لم نستمع له. في شخصيتها وتكوينها كانت ليلى المغربي مثالاً للإنسان العاقل تميزت بروح المحبة الصادقة لكل إنسان فلم اسمع يوماً أن أحداً اختلف معها أو كرهها أو اسمعها ما لا تحب فقد كان الناس يعاملونها بمثل رقتها وحبها وسعادتها وحبها لهم، كانت الابتسامة لا تفارق محياها وهي في أشد المواقف صعوبة أحبها زملاؤها واخلصوا لها الود. كان المقابل المادي الذي تأخذه من البرامج تعطيه لبعض العاملين في الإذاعة فلم تكن تأخذ منه شيئا تطور أداء ليلى لتصبح مذيعة عالمية بعد أن تخرجت في الجامعة وظهرت في التلفزيون أكثر قدرة وبهاء على العمل، فعشق الناس طريقتها في تقديم البرامج. عندما كانت تسافر ليلى في زيارات لبعض الدول كانت تظهر من خلال أجهزتهم الإعلامية كمذيعة مقتدرة استمعنا إليها في لندن ومونت كارلو ورأيناها مذيعة سودانية مشرقة في تلفزيون قطر، والإمارات العربية المتحدة أبو ظبي، عرضت عليها الدولارات والريالات والدراهم لكنها كانت تقول دائماً إنها لا تستطيع مفارقة الوطن، ومقاومة متعته آثرت ليلى أن تكون أماً ولم يقفلها العمل عن تربية أولادها حتى أواخر أيامها.
(10)
تلك كانت شهادة الأستاذ الكبير حمدي بولاد لنقرأ معاً شهادة أخرى لقامة إعلامية أخرى هو الإذاعي لقمان همام حيث يقول عنها في إفادات لنفس الموقع افتقدناها مذيعة رائعة صاحبت حضور تجيد الإصغاء وترد عليك بابتسامتها، صوتها لن يتكرر فهي المذيعة الوحيدة التي كتب فيها شعراً، حيث كتب فيها الأستاذ محمد يوسف موسى ومن غناء سيد خليفة (يا صوتها لما سرى- عبر الأسير معطرا- مثل الحرير نعومة ونداوة وتأثرا- مثل الصباح رشاقة وطلاقة وتبخترا- وتدفقت كلماتها عطراً نديا وعنبرا- ، فهي وهج الإبهار ولها سحراً أخاذ فهي التي سطرت بقلمها أعذب الكلمات إنها ) أنا ما جايك شايل أفراح تملأ الدنيا أجمل غنية- عطر الريحان شوق الحبان وأجمل غنية. وذلك بصوت الأستاذ أحمد شاويش فهل توجد مذيعة الآن بهذا الإبداع؟ تلك كانت إفادة أستاذ لقمان ليظل السؤال مفتوحاً عصياً مشحوناً بالأسى من المايكروفون بعدك يا ليلى.