لماذا لم يتقدم السودان منذ الاستقلال؟؟؟ (1)

الفريق / روبرت وليم اسكندر
مرت ستون عاماً على السودان ومنذ الاستقلال عام 1956م ، وهو لم يتقدم بما يكفي للخروج من الدائرة المفرغة التي تدور بها الدول النامية حول نفسها ، دون ان تكسر هذه الدائرة للنهوض كدول صاعدة تقع في موقع متقدم اقتصادياً بين الدول النامية والدول الصناعية. ولا يقاس حال السودان بحاله قبل عقد او عقود ، فهذا مثار جدل وخلاف واختلاف ، وانما يقاس حاله بأحوال دول نهضت وصعدت في عقد او عقدين ،  وإنما يقاس حاله بأحوال دول نهضت وصعدت في عقد او عقدين ، كدول في أمريكا اللاتينية (البرازيل) ، ودول في جنوب شرق آسيا (ماليزيا) ، ودول في منطقة الشرق الأوسط (تركيا) ، ودول في القارة الإفريقية (جنوب إفريقيا).
العوامل وراء تقدم الدول الصاعدة:
•الإنفتاح على مصادر الاستثمارات الخارجية ، وبخاصة في الدول الصناعية ، دون قيود ايدولوجية او سياسية.
•تقديم الاهتمامات الاقتصادية على ما عداها من اهتمامات سياسية.
•وضع استراتيجية واقعية طويلة المدى وقصيرته ، لحشد الموارد الطبيعية والبشرية في التصاعد بالتنمية الشاملة ، والالتزام الكامل بها، سواء من السلطة او من المجتمع.
•التحول من الاقتصاد الاحادي القطاع الى الاقتصاد متعدد القطاعات ، بالدخول في التصنيع حتى لا يجري تصدير الموارد وهي خام دون تصنيع اولي او تصنيع نهائي وذلك لإكساب الاقتصاد عائدات القيمة المضافة.
•العناية المركزة بالمورد البشري من رعاية صحية واجتماعية وتعليم متطور ، وبحث علمي متقدم وتدريب مهني ، وتأهيل خدمي ، حتى يتحمل المورد البشري عبء التنمية المستدامة.
•إزالة ظواهر الفساد المالي والاداري.
•تطوير الخدمة المدنية لتواكب العمليات الاصلاحية.
•إطلاق الحريات العامة وضمان حقوق الانسان والمواطن في ظل نظام ديمقراطي كامل.
• ضمان الاستقرار السياسي المهيء للاستقرار الاقتصادي بحل النزاعات الطائفية والعرقية لدى بروزها حتى لا تتحول الى حرب أهلية.
•تقسيم الأدوار المتكافئ بين القطاع العام والقطاع الخاص وتشجيع التنمية المحلية.
•تحسين بيئة العلاقات الجوارية والاقليمية وتطوير التبادل التجاري ، اما كاسواق وإما كمصادر استثمار.
•ضمان مصادر مستقرة مستمرة للطاقة من الداخل والخارج.
•ضمان معدل متقدم للنمو ، مع تغير الظروف المحيطة ، لا يهبط نوعياً عن المتوسط.
•تطبيق نظام مستقر للعدالة الاجتماعية بكافة اشكالها درءاً للفقر والبطالة.
•تحسين الاقتصاد من الازمات المالية والعالمية بتسييره ذاتياً ، وبالدخول في شراكات اقتصادية اقليمياً.
هذه هي العوامل التي تدفع بالتقدم في البلاد الصناعية فما هو معكوسها من العوامل التي اقعدت بلادنا عن التقدم؟؟
العوامل وراء تخلفنا عن التقدم:
وبعض هذه العوامل داخلي وبعضها خارجي وكلاهما يعملان على قعودنا عن النهوض ويتشاركان في تقصيرنا في الصعود وهي كما هو آت:
أولاً: الحزبية الطائفية:
كانت أحزابنا طائفية المنشأ والتكوين ، فقد رعا زعيما طائفة الانصار وطائفة الختمية حزبي الحركة الوطنية الأساسيين ، حزب الأمة والحزب الإتحادي وكان لهما فضل كبير في اعلان الاستقلال من داخل البرلمان ، دون الحاجة الى استفتاء شعبي لتقرير المصير ، وذلك حيث اجتمعت كلمتهما بعد صراع طويل في الحركة الوطنية.
وكان حرياً بالحزبين الطائفيين ان يتهيأ دورهما بعد اتمام الاستقلال ليفسحا الساحة السياسية لاحزاب سياسية اخرى غير طائفية ، ولكنهما استمرا في تصدر السلطة اما بانفراد احدهما بها واما بالائتلاف بينهما. وعاد الحزبان الطائفيان الى  الصراع الطائفي بينهما ، مما تجلى في فقدان الاستقرار السياسي الذي هدد امن البلاد فجاءت الانقلابات السعكرية وهي مبررة بل هي قد وجدت التاييد الشعبي مما مكن لها الاستقرار في الحكم لفترات طويلة في تجربة الحياة السياسية ، فقد كان للاحزاب الطائفية وغير الطائفية دور في قيامها واستمرارها.
فانقلاب 17 نوفمبر 1958م بقيادة عبود كان بمثابة تسليم وتسلم بين رئيس الوزراء وسكرتير حزب الامة وبين قائد الجيش ، وايد زعيما الطائفيين أنذاك ذلك الانقلاب مما اعطاه قدراً كبيراً من الشرعية ، وقام انقلاب 25 مايو 1969م بقيادة نميري جراء التحالف بين الضباط الاحرار (الناصريين) والحزب الشيوعي ، وقام انقلاب 30 يونيو 1989م بتدبير من حزب الجبهة الإسلامية. وللحقيقة فان الاتحاديين لم يكونوا وراء اي من هذه الانقلابات ، ولكنهم شاركوا في سلطاتها لاحقاً.
والطائفية نقيض الديمقراطية لانها تقوم على الولاء لزعيم الطائفة باكثر من الولاء للمبادئ الديمقراطية المجردة ، وقد جمعت الزعامة الطائفية مؤخراً بين زعامة الطائفة وقيادة الحزب ، مما يحسب كتراجع في الحياة السياسية ، وهو قد اسفر عن انشطارات داخلية في هذه الاحزاب لغياب المبادئ الديمقراطية في داخلها.
ثانياً: الانظمة العسكرية المغلقة:
وجاءت الانظمة العسكرية كبديل للانظمة الطائفية ، ولكنها لا تشكل حلاً لمشكلات البلاد ، وكما ان الاحزاب الطائفية تصاب بالعجز ، فان الانقلابات العسكرية تصاب في اخرها بالفشل.
ذلك بان الحرية السياسية لا تكفي مع غياب التنمية الاقتصادية ، والتنمية الاقتصادية لا تدوم في غياب الحرية السياسية ، فلابد من الجمع بينهما في نظام الدولة وتنظيم المجتمع، وقد سقط نظام عبود ونظام نميري لانقلاقهما على نفسهما، كتنظيم واحد وسلطة فرد واحد. واما نظام الانقاذ الذي خرج من سلطة الحزب الواحد الى مشاركة قوى سياسية كانت في المعارضة.

فامامه ان يوسع هذه المشاركة اكثر من القوى التي ارتضت الحوار الوطني والجادة في حل القضايا القومية المطروحة ، ومنها مبادئ الدستور الدائم. وذلك بالا تربط مصير البلاد بقيادات طائفية في المعارضة تسعى لتنال بالحوار ما عجزت عنه في المعارضة وبتحالفها مع قوى المعارضة المسلحة ذات الاجندة الخارجية وهي السلطة الانتقالية التي تعقب في العادة الثورات الشعبية او الانقلابات العسكرية. اقصى ما يمكن ان يصل اليه الحوار هو الاصلاح الداخلي في ظل سلطة قومية ، وليست سلطة انتقالية.

ثالثاً: الحركات المسلحة الرافضة للحوار الوطني:
هذه الحركات المسلحة مرتبطة باجندة خارجية وتعمل لمصلحة قوى خارجية تسعى الالحاق السودان بالفوضى الخلاقة الجارية في المنطقة اليوم بغية تقسيم الدول القومية واعادة تقسيمها. هذا بينما القوى المشاركة في الحوار الوطني تريده حوار سودانياً سودانيا لخدمة المصالح السودانية ، لا لخدمة مصالح خارجية. فقد اختلفت الارادتان ، ولذلك سيتعذر الحوار الوطني مع هذه القوى ولا يمكن للسودان ان يربط مصيره بارادة ياسر عرمان او مالك عقار ، ولا يمكن للحوار الوطني ان يظل مفتوحاً بلاسقف زمني او مخرجات يتوصل اليها مع القوى الجادة في السلام والاستقرار.
ان هذه الحركات الرافضة للحوار ، انما تعوق مسيرة السودان للتقديم نحو الدولة الصاعدة ، وتحبط مساعي القوى الجادة في الحلول الاصلاحية لمشكلات البلاد.
رابعاً: تخلف المجتمع المدني عن التاثير:
وأمامنا تجربة اللجنة الرباعية في تونس ، وهي مكونة من قوى المجتمع المدني النقابية والحقوقية ، وقد نالت مؤخراً جائزة نوبل للسلام لدورها الفاعل في التقريب بين الاطراف الحزبية ، مما اسفر عن وفاق وطني أدى الى حكومة الترويكا ، او المشاركة الوطنية.
فتنظيمات مجتمعنا المدني لم تتطور لتؤثر في الاحداث وهي الان تكتفي بدور الاسناد للحوار ، ولو قد تطورت مع محافظتها على الاستقلال عن السلطة والمعارضة ، لكان تاثيرها أكبر في جمع الفرقاء على طاولة الحوار.

خامساً: غياب التخطيط الاستراتيجي الملزم للسلطة والمجتمع:
هناك بالطبع تخطيط استراتيجي ، ولكنه ينظر بمنظور واحد ، هو التخطيط للسلطة وليس للدولة من سلطة ومجتمع مدني اكثر من ذلك فإن السلطة تنحرف عنه أحياناً ، ويقل الالتزام به في مؤسساتها ، هذا ناهيك عن الغياب التام لهذا التخطيط الاستراتيجي عن منظمات المجتمع المدني وتنظيماته الاجتماعية.
سادساً: سياستنا الخارجية غير المستقرة:
واعني هنا السياسات الخارجية المتقلبة بين انظمة الحكم منذ الاستقلال والطموح هو لسياسة خارجية منفتحه على الاستثمارات الخارجية بغير قيود ايدلوجية او سياسية ، وذلك في اطار السياسات العامة للدولة في اعلاء الاهتمامات الاقتصادية على ماعداها من اهتمامات سياسية بحته.
سابعاً: ضعف الولاء القومي:
وهو الولاء للهوية السودانية الاعلى الذي يستوعب اية ولاءات ثانوية اخرى ، كالولاء الطائفي والولاء العرقي والولاء الجهوي ، وهذا يقتضي الاحياء الثقافي للهوية السودانية الجامعة، مع تنمية الثقافات المحلية كرافد من القوة يغذي الهوية السودانية ولا يضعفها.
هذه وتلك من العوامل التي اقعدت بلادنا عن النهوض لدولة صاعدة ، فعليها ان ندرس العوامل المشتركة اعلاه، والتي ساهمت في تحول بلاد الى دول صاعدة ، وكانت قبل عقد من الزمان مشابهة لظروفنا الراهنة وبعضها دول اسلامية مثلنا. لقد احرزت القوة الاقتصادية وهي القوة الراجحة في عصر التكتلات الاقتصادية والمنافسات التجارية، ومعلوم اننا كمسلمين مطالبون باعداد القوة لمواجهة تحديات العصر ، والقوة متحولة من المفهوم العسكري الى المفهوم الاقتصادي.
نحن ندعو الى ان نعلى اهتماماتنا الاقتصادية ، وبأن نزيل كافة العقوبات الاقتصادية المفروضة على بلادنا ، حتى ولو كانت مفروضة بالشبهات. واجبنا ان نرفع عن كاهلنا اية شبهة لهذه العقوبات ، حتى ننفتح على الاستثمارات الخليجية والعربية ، فبلادنا موعودة باستثمار ثرواتها بباطن الارض وعلى ظهرها. علينا ان نبدأ بالخطوة الأولى ، وهي التصنيع الزراعي لسائر منتجاتنا النباتية والحيوانية ، وقد توفرت مقومات الانتاج الغذائي بجانب الانتاج الطاقوي والمعدني.
وعلينا ان نستثمر في اكبر راسمال هو المورد البشري ، بتأهيله وإعداده لحمل اعباء التحول لدولة صاعدة ، وعلينا من أجل الاستقرار السياسي ان نمضي في الحوار الوطني الى نهاياته ، لا يقف في طريقنا قطاع طرق التطوير والتقدم من القوى التي لفظها الماضي والقوى التي يلفظها الحاضر ، من المتاجرين لقضايا وطنهم في اسواق الارتزاق.
ان قضايا السودان المتعلقة بالديمقراطية والسلام والتنمية لا تحل بالقفز بين عواصم الدول الاوربية والعربية طلباً للدعم الخارجي ، وإنما هي تحل بالدعم الشعبي الداخلي وبالعوامل الداخلية كما هي اجندة الحوار الوطني.
والله ولي التسديد