في تذكر مناقب الصحفي الراحل عبد الله عبيد (1)

محمد الشيخ حسين
مضت فترة عل رحيل الصحافي القدير عبد الله عبيد، وهذه مجرد أسطر قليلة في تذكر مناقبه، فقد كان الراحل كلما التقيته في أمدرمان، أيام كنت مقيما فيها، يسألني عن أولادي وكانوا صغارا، ويطلب مني أن أغني لهم، ثم يشرع يدندن في استمتاع (أمتى أرجع لأمدر وأعودا). ذات مرة قلت له إن الأطفال يكبرون بسرعة ياصديقي، أجابني بمرح طفولي ألسنا كذلك أيضا.
لم يكن الصديق عبد الله عبيد الذي انتقل لدار البقاء عن 85 عاما وشهرين وسبعة أيام، عاشقا لأمدر فقط فهو مناضل بدرجة عاشق لكل القيم الفاضلة حتى أنه في سبيل غرس الكثير منها في الحياة دفع الكثير من وقته وكسبه وصحته.
تباشير المطر
عبد الله عبيد رجل ارتبط بالجذور، بشكل لا مثيل له، كان يبدو مستمتعا كطفل حين تخطف عيناه برك المياه بعد ليلة ممطرة.
لا شيء يبهجه أكثر من غيمة تحمل تباشير المطر، إذ يراقبها وكأنه يستعد لقراءة النشرة الجوية.
يهاتفك أن المكان المقبل للقاء هو دار اتحاد الصحفيين في المقرن أو سمك البربري الأب في شارع عبد المنعم محمد عند مدرسة الخرطوم الأميرية أو فطور السمك المحضور برفاق الزمن الجميل صباح السبت في منزله الكائن في الحارة الخامسة من ثورة أمدرمان، وليس لك أن تعتذر. وفي أحيان كثيرة يأتيك زائرا، وقبل أن يرتشف كوب الشاي يحدد وقت الرحيل، وهو عنده يأتي عادة بعد الكوب مباشرة.
وهذا هو العاشق عند عبد الله عبيد، فقد كان الوطن هاجسه، وتلقى في سبيل عشقه الكبير لوطنه الكثير من الطعنات فوق ودون الحزام، ولكنه لم يأبه أو يتوقف، كان يقول دوما: هذا الزمن سريع جدا، فلا مكان للمتقاعسين أو المترددين.
لكن صدمته الكبرى تبدو حين يتذكر مواقف الرفاق الذين شاركهم النضال وقلبوا له ظهر المجن، إلا أنه لم ييأس، فقابلهم وقارعهم الحجة بالحجة وفي معظم الأحيان كان له ما أراد، فهو الفارس حين يتواجد ولا مكان للغوغاء أو تهييج الجماهير، فالمنطق يفرض نفسه حين يكون هو أحد الطرفين.
مرجعيات الذاكرة
هل يمكن الكتابة عن عبد الله عبيد دون ربطه بمرجعيات في الذاكرة والعودة إلى نقطة ناصعة غائرة في تأريخ الصحافة الذي لم يكتب بعد. وهنا يمكن القول إن الراحل عبد الله عبيد اسم مهم في حركة الصحافة السودانية منذ خمسينيات القرن الماضي، فهو من ذلك الرعيل الذي ربط بين الصحافة والحركة الوطنية. وينتمي أيضا إلى ذلك الجيل الذي صنع نهضة ماتزال تعيش في ظلالها الصحافة السودانية.
وعبد الله عبيد أيضا من أبناء أمدرمان الذين تربوا على ثقافة مفتوحة أيام كانت الثقافة عملا جماعيا جادا وخلاصا فرديا مميزا، ولم تكن قد أصبحت تجارة أو عمليات (استهبال)!
يقدم عبد الله عبيد في بساطة شديدة أنموذج اليساري الموصول بثقافة العصر ومشكلاته. ويرسي بما يحمل من صفات المناضل المتكامل، صورة القدوة لأجيال بأكملها في الحركة اليسارية، انفتحت على ثقافة العصر وجعلت السياسة عملا نبيلا يهتم بقضايا الناس في طرف الشارع، ثم يزرع الاهتمام بمشاكل الغبش ويضعه في قلب المسؤول الدستوري أو الشعبي، لأنه سبيله للتغيير نحو الاشتراكية والعدالة الاجتماعية.
ورغم أن الفهم المسيطر على السياسة السودانية يصلها بالحيل والمكائد، إلا أن عبد الله عبيد ومن لف لفه باشر التعاطي معها بوصفها قلعة النضال التي تقود مشروع الحياة إلى الأفضل.
بانوراما الحياة
لقد كان السودان سياسيا في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وكانت الحركة الوطنية في البلاد تعتبر أن السياسة هي الطريق الوحيد، وكل ما هو أساسي وقيم هو سياسي والأدب والفكر تابع يسبح بحمد السياسة والساسيين، وهكذا ينبغي النظر للأشياء.
في روائح ذلك العصر كان عبد الله عبيد حسب شهادة طيب الذكر الأستاذ أحمد سليمان (من الرفاق المحترمين يقيمون دنيا الأخ أبارو ولا يقعدونها ومن قبله شيخه المرحوم بابكر الديب طيب الله ثراهم). ويستطرد الأستاذ أحمد سليمان (يقال إن الرئيس الراحل إسماعيل الأزهري كان يدمن قراءة عمود طرف الشارع لعبد الله عبيد ليعرف مناوشته للرئيس الأزهري وحزبه).
رفد الراحل عبد الله عبيد المكتبة السودانية بسبعة كتب، كان أبرزها سيرته الذاتية المعنونة بـ (ذكريات وتجارب) الصادر في طبعته الأولى في العام 2005م.