حـــوار القــاعــات المغلـقـة.. أزمــة الثقــة تتعــمـــق

الخرطوم: عبد العزيز النقر
منذ إنطلاقته الأولى التى أعلن عنها رئيس الجمهورية في خطابه الشهير بقاعة الصداقة مسيماً إياه حوار الوثبة ومعلناً عن إنطلاقة الحوار الوطني كمخرج رئيس للبلاد، تداعت في الأزهان كثير من التساؤلات التي فرضتها حالة البلاد، ففي الوقت الذي رجح  فيه مراقبون دعوة الرئيس إلى حوار وطني عقب أزمة أحداث سبتمبر التى كادت أن تطيح بالحكومة حسب رؤية المراقبون بأنها نافذة جديدة أراد المؤتمر الوطني أن يتعامل معها بفقه التكتيك السياسي، بالإضافة إلى الضوائق التى حاقت بالدولة عقب انفصال الجنوب.

(2)
الأسباب السابق ذكرها جعلت قيادة المؤتمر الوطني تسرع فى طرح رؤية الحوار الوطني كأحد المخارج لأزمتها المتعاقبة، غير أن صدق الطرح للحوار على الساحة السياسية بدون سقوفات  تتعودت الحكومة على طرح رؤاها فى غالب الأحيان خلق حالة من عدم الثقة بين عدد من المكونات السياسية فى السودان ولذلك كان الاختبار الفعلي لجدية الحكومة عبر رفع سقف هامش الحرية التى أتاحته الحكومة عقب إطلاق الحوار الوطني حيث استطاع الامام الصادق المهدي أن يستثمر هذا السقف كبلونه اختبار لمصداقية الحزب الحاكم فى طرح القضايا الحساسة فى هذا الحوار دون تجييرها، الأمر الذي اودى بالرجل ذو الثمانون ربيعا الى السجن ويثبت ان الحزب الحاكم اطلق رصاصة الرحمة على بنات افكاره.
(3)
ولعل انطلاقة الحوار فى العاشر من اكتوبر الماضى بمن حضر عقد كثير من الملفات العالقة بالرغم من شمولية المحاور الستة، من التفاؤل التى اطلقها عدد من القاده السياسيون بامكانية نجاح الحوار فى مراحلة وتوقيتاته التى حددها المؤتمرون، يرى البعض أن قياس نجاح الحوار الوطنى يجب أن يتم وفقاً لاشتراطات بعينها خاصة وأن متحاوري قاعة الصداقة هم النخبة السياسية والاكاديمة وهنا يتخوف قادة أحزاب سياسية مشاركة فى الحوار أن أغلبية المتحاورين مستقلين غير أنهم يمثلون الرؤية الاكاديمية فى غالبيتها بحكم أنهم أساتذه جامعات بينما هناك رؤى تحتاج إلى سياسيون، ويدلل عدد من قادة الأحزاب السياسية المشاركة فى الحوار فى حديثهم لـ(الوان) أن جل الاوراق التى قدمت فى المحاور السته تعد اوراق اكاديمية اكثر منها اوراق سياسية تستطيع ان تنزل إلى أرض الواقع.
(4)
حالة من الشد والجذب بين الحكومة والاحزاب الرافضة للحوار الوطنى من الداخل ايضا  تمثل احدى العقبات التى تواجه مسيرة الحوار الوطنى فى السودان مما يضع احتمال تأطير مخرجات الحوار الوطنى التى بدأت فى الداخل كمسودة تفاهم مع القوى السياسية الرافضة فى الخارج من جهة وإلحاقها بالقوى السياسية الرافضة من الداخل، ازمة الثقة التى انبنت عليها دعامات المراوغة السياسية بين الحكومة والمعارضة تذهب فى اطار وجود عمل سياسي متواز يعزز من فرضية الثقة بين تلك المكونات، في ظل التصريحات السالبة التى تخرج بين الفينة والاخرى من قبل قيادات سواء على مستوى الحزب الحاكم او على مستوى بعض القيادات المعارضة حول مألات الحوار الوطنى تعزز من فرضيه لوجود تيارات داخل الوطني ترفض مسارات الحوار وتضع امامه كثير من العقبات، ويرى مراقبون ان تصريحات قيادات سابقة فى الوطنى حول مصير الحوار واستباق النتائج من شانه ان يقسر على انه بدايه لعودة لتك القيادات عبر بوابات مختلفه فيما يرى اخرون ان تصريحات تلك القيادات تهدف لاحراج الرئيس الضامن الرئيس لمخرجات المؤتمر.
(5)
ازمة الثقة التى تباين فى لجان الحوار تشير الى ان محدودية أجال لجان الحوار قد يعمق الخلاف سيما وان القضايا المطروحة فى  الحوار مسكوت عنها منذ استقلال السودان مما يتوجب اضافه ازمان اضافية لإيستيعاب كافة الرؤى والاطروحات وتنسيقها وادماجها فى بعض الاحيان  او التخلى عنها فى مرحلة متقدمة دون الارتكاز عليها كواحده من الفرضيات المسلم بها، كذلك يعب البعض على الامانه العامة للحوار انها استوعبت اكادميون اكثر من سياسيون كما تعاملت الاحزاب السياسية بعدم جدية واضحة فى رفد لجان الحوار بكوادر لديها خبره واضحة حتى تستطيع ان تناقش قضايا اساسيه تهم البلد فى المقام الاول، وحالة تكفيف ماتبقى من عمل ورفع التوصيات للجان الايام القادمة توطئة لاجازتها فى الامانه العامة للحوار الوطنى،  ويرى المعهد الامريكى للدراسات الاستراتجية من خلال اطروحه للحوار الوطنى الذى قدمه نحو عام اشار الى اهمية ان يكون هناك حوار وطنى مبنى على ثقة مبينا انه ولضمان نجاح أي حوار وطني، ينبغي إشراك أحزاب المعارضة السياسية التقليدية والمجتمع المدني بطريقة جادة. ومن المرجح أن يسفر هذا عن إبطاء العملية وجعلها أكثر تعقيدا، ولكنه يجعل الاتفاقات أكثر ديمومة أيضا. وما يزيد الأمور تعقيدا هو الانقسامات داخل الجماعات غير المسلحة، سيما فيما بين أحزاب المعارضة السياسية، وتلك داخل الجبهة الثورية السودانية، وهذا مكان آخر حيث يمكن للمساعدة الخارجية والحوارات بين مكونات المعارضة أن يساعدا في تسهيل مسار الحوار الوطني، وللبدء في عملية الحوار، ينبغي وجود بعض إجراءات بناء الثقة المتواضعة بين المشاركين المحتملين، وخاصة بين النظام والجبهة. وإحدى الخطوات يمكن أن تكون وقف الأعمال الوحشية التي تجري في دارفور، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق (وهو هدف سعى لتحقيقه العديد من الدبلوماسيين خلال السنتين الماضيتين دون جدوى حقيقية). والتسوية في قلب أي وقف للعنف يمكن أن تكون تعليق عناصر الجبهة لعملياتهم العسكرية ووقف استعمال السلاح (تماما كما فعل المؤتمر الوطني الأفريقي خلال المفاوضات التي جرت في جنوب أفريقيا) مقابل السماح لهم بالعمل بحرية كحزب أو أحزاب سياسية. ويمكن لهذه المقايضة أن تنجح أكثر من مجرد مطالبة الجبهة بالتخلي عن أسلحتها أولاً. ويمكن لمثل هذا التفاهم أن يعني تداعيات مهمة للمنظمات الإنسانية العاملة على أرض الواقع، وهي التي ظلت عاجزة لبعض الوقت عن الوصول إلى العديد من المجموعات اليائسة في جنوب كردفان، والنيل الأزرق، فضلاً عن تشجيع الجبهة على التركيز على عملياتها السياسية بصورة أكبر.