بعد إجازة الموازنة : المجلس الوطني.. تصفيق تحت القبة

أكرم الفرجابي
مشهد مطربة الحي الشعبي وهي تصدح بأغنية (الصفقة مالها تعبانة.. يلا الصفقة صفقة شديد)، ربما يقترن في ذهن البعض بحالة نواب المجلس الوطني وهم يعتمدون الميزانية الجديدة للعام 2016م بـ(التصفيق الحار)، ووزير المالية يعلن في سماجة شديدة أن دخل الفرد إرتفع من (350) دولاراً إلى (2600) دولار، ويذكر أن رئيس البرلمان البروفسير إبراهيم أحمد عمر، قد منع النواب في وقتٍ سابق من التصفيق داخل الجلسة للتعبير عن إحتفائهم بحديث زملائهم أو ببيانات الوزراء، كما حذرهم من قراءة آرائهم من (ورقة)، ووافق عمر على احتجاج النائبة عفاف تاور خلال نقطة نظام على تصفيق النواب المتكرر خلال المداوﻻت، الأمر الذي اعتبرته إنقاصاً من هيبة البرلمان وقيمته، وقالت: (هم بصفقوا بدون سبب وماعارفين بصفقوا لشنو ولياتو سبب)، مما دفع النواب للتصفيق مرة أخرى تأييداً لكلامها فسادت الجلسة موجة من الضحك والتعليقات على ردة فعل الأعضاء، وشهدت هرجاً ومرجاً مما دفع رئيس المجلس لاستخدام المطرقة، مؤكداً صحة نقطة النظام ووجه بعدم التصفيق.

ملاحقة الوقت:
المجلس الموقر بدأ مشهده من أعلى شرفة الإعلاميين خلال الأيام الماضية، وكأنه في (عجلةٍ من أمره)، بسبب تأخر عرض الموازنة العامة عليه، يلاحق الوقت حتى لا تسقط موازنة الدولة في الحصار الدستوري الذي فرض عليها بسبب ضيق الوقت، لكن تمكن النواب بعد مشقة وعناء من إجازة الموزانة العامة للدولة قبل أكثر من 72 ساعة على بداية العام الجديد، الأمر الذي أرجعه البعض إلى تصفيق النواب فرحاً بعبور الميزانية إلى بر الأمان،  بعد أن إعتمد المجلس بالأغلبية – عدا واحد – موازنة العام 2016م، وسط تهليل وتكبير وتصفيق للنواب، عقب إجراء جراحات وتعديلات، قيل أنها تمت تلبية لطموح وآمال الشعب السوداني، في وقت أنكر فيه وزير المالية بدر الدين محمود تخصيص مبلغ (160) مليون جنيه لدعم موازنة البرلمان من بند دعم السلع الإستراتيجية، وأكد أن الدعم سيكون من بند التنمية المخصصة للبرلمان.
كمبارس البرلمان:
في بعض الأحيان ربما يعزف المواطنون عن المشاركة في أنشطة الحياة السياسية لشعورهم بأن تصويتهم لمرشّح ما سيكون كعدمه، أو أنه سيمارس دوراً شكلياً لإكمال نصاب المجلس المنتخب له فحسب، لهذا تمثل نقطة معايير اختيار النائب البرلماني وسُبل تقييمه قبل التصويت لصالحه أهمية كبرى يجب مراعاتها من جانب الحزب السياسي قبل الدفع بمرشحه لخوض غمار الانتخابات البرلمانية، حتى يدرك الناخب قيمة صوته الانتخابي وأهمية ترشيحه لنائب ما، من خلال إدراكه للدور المحوري الذي سيقوم به داخل المجلس الوطني ومدى تأثيره في مسيرة العمل العام، وربما يجد الناخب سهولة في الحكم على مرشّح فاز بالفعل بدورة سابقة وذلك من خلال التقييم الفعلي لأدائه أثناء فترة وجوده بالبرلمان وبالتالي يكون من حقه الترشح مرة أخرى باعتبار أن (ماضيه يزكيه)، لكن يبقى السؤال كيف تتم عملية اختيار النواب الجُدد من قبل الأحزاب لدفع بهم كمرشحين عنها في الانتخابات.
طريقة الإختيار:
قبل إنطلاق الإنتخابات الماضية في إبريل من العام الحالي، إختار المؤتمر الوطني أسماء مرشحيه للانتخابات المقبلة في الدوائر الجغرافية القومية وقوائم الحزب النسبية وقوائم المرأة بجانب مرشحيه في المجالس التشريعية الولائية، وقال البروفسير إبراهيم غندور نائب رئيس الحزب للشئون التنظيمية آنذاك أن حزبه اختار (425) عضوا للبرلمان من جملة (4) آلاف مرشح تم الدفع بهم بواقع ثلاثة مرشحين لكل دائرة بلغت نسبة التجديد بينهم (53 %)،  وأبقى الحزب على معظم قيادات الصف الأول في الدوائر الجغرافية أو القوائم القومية للبرلمان كان أبرزهم الفريق أول ركن بكري حسن صالح النائب الحالي لرئيس الجمهورية وعلي عثمان محمد طه والدكتور نافع علي نافع وحسبو محمد عبد الرحمن فيما عادت للترشح مرة أخرى معظم قيادات الصف الأول من المرأة أبرزهن عائشة الغبشاوي وسامية أحمد محمد ورجاء حسن خليفة.
معايير الإختيار:
القيادي بالمؤتمر الوطني د. ربيع عبد العاطي ابتدر حديثه لـ(ألوان) بأن عملية اختيار النواب هي مسألة مخلوطة جداً في الكليات الشورية المصنوعة داخل الحزب، مبيناً أن الترتيبات التي أجريت من القواعد في اختيار النواب وتمت مراجعتها من قبل قيادة الحزب لم تكن كاملة ولن نستطيع القول بأنها أصابت، مشيراً إلى أن المعايير التي اتخذتها لجنة الاختيار اعتمدت على الكفاءة والقدرة والشخصية، لكن الكليات التي ساعدت في عملية الاختيار نفسها لم تكن مؤهلة بحسب ربيع الذي أكد في حديثه أن الأسماء التي ظهرت للناس كانت نتيجة لجهود مختلفة، وقال بخصوص تراجع المؤتمر الوطني عن شرط المؤهل الأكاديمي لمرشحيه بترشيحه لـ«أميين» وخريجي محو الأمية وخلاوى، أن بعض المناطق فيها رموز اجتماعية ورموز ثقافية ليس من الضروري أن يكون تعليمهم تعليم نظامي، ضرباً المثل بالمصري العقاد، ومبيناً أن الشعبية التي يتمتع بها أولئك المرشحون وسط قواعدهم قد تلعب دوراً مهماً في المصالحات القبلية وإرساء التعايش السلمي، في مقابل ذلك يرى المحلل السياسي عمر حمد حاوي انه من المفترض أن يكون الشخص الذي يتم اختياره للبرلمان مؤهلاً لذلك وهذا من الناحية  النظرية، لكن من الناحية العملية هناك موازنات عديدة تتحكم في عملية الاختيار أهمها الجماهيرية التي يتمتع بها الشخص في دائرته ومؤكد أن كل حزب سيقدم الأكثر شعبية في الدائرة المعنية رغم أهمية المؤهل العلمي أو الأكاديمي في هذه العملية.
أهل الثقة:
بعض المراقبين ذهبوا إلى أن التأهيل لا يعني أن يكون النائب البرلماني حاصلاً على مؤهل علمي أو أكاديمي فقط، ولكن يقصد بالتأهيل أن يكون أهلاً لهذا المنصب وأن تكون لديه رؤية مستنيرة وواعية لكل ما حوله وخاصة المشكلات التي يعاني منها أبناء دائرته وأن تكون لديه خطة عمل وبرنامج انتخابي سيعمل به بعد انتخابه، وقد يرى البعض أن عملية التقييم للنائب بالمجلس الوطني تتمّ عن طريق جمع المعلومات والخلفيات والتي تتأتى من خلال نشاط ذلك النائب قبل وأثناء العملية الانتخابية ومن خلال التحليل الموضوعي لخطاباته ولقاءاته الجماهيرية ومناقشته شخصياً في بنود برنامجه واستطلاع رؤيته المستقبلية لكيفية تقديم الخدمات والدعم وإيصال صوت أبناء دائرته إلى صنّاع القرار وسعيه الدءوب لحل مشاكل أبناء دائرته خاصة فيما يتعلّق بالجهات والهيئات الحكومية.
قضايا مثيرة:
بعض نواب البرلمان قدموا اعترافات وصفت بالمثيرة متعلقة بعملهم البرلماني والرقابي خلال الفترة الماضية، وأقروا بمصادقتهم على قوانين يجهلون معانيها وبنودها، وأضافوا:(كنا نجيز بعض القوانين ثقة منا في العلماء الذين وضعوها). وأردفوا: (لازم نجيز ما مغلوبين على أمرنا نعمل شنو)، وجاء هذا الإقرار بحسب تقرير نشر في الزميلة (المستقلة) على خلفية مشروع القانون الذي قدمته وزارة الاتصالات للبرلمان لإجازته والخاص بقانون الرقم الموحد، والذي أحدث ربكة واضحة في أول جلسات مناقشته، ليقف معظم البرلمانيون علي أرجلهم مرددين (مافاهمين حاجة في القانون) مما حدا رئيس البرلمان بالتدخل طالباً من وزيرة الاتصالات تهاني عبد الله بالتوقف والرد على استفهام النواب واحداً واحداً، ويذكر أن رئيس البرلمان السابق د. الفاتح عز الدين كان قد طالب الجهات التنفيذية التي تودع مشاريع وقضايا منضدة المجلس بصياغتها بطريقة مبسطة، وقال أن هناك قضايا لا يدركها النواب أثناء جلسة التداول حول مشروع قانون مجلس الاعتماد القومي 2015م، في مرحلة السمات العامة.
الكراسي الفارغة:
فيما يشكل مشهد الكراسي الفارغة في كثير من الأحيان نقطة سوداء للرؤساء المتعاقبين في جبين المؤسسة التي يرأسونها، إذ رصدت (ألوان) عدد من الجلسات البرلمانية التي كانت الكراسي فيها فارغة، الأمر الذي يشير إلى أن الواقع البرلماني اليوم، يؤكد بالملموس، الحاجة إلى القطع مع ماضي التساهل وجبر الخواطر ومراعاة الحسابات السياسية، في ظل ما سجل من غياب عن الجلسات العامة واللجان والمجلس يلملم أطرافه لإجازة الموازنة العامة خلال الأيام الماضية، وقد كشفت تجربة محاربة الغياب البرلماني على امتداد الفترة الماضية، أن من بين نقاط ضعف السياسات المتبعة من قبل رؤساء البرلمان، عدم امتلاك الجرأة على معاقبة البرلمانيين المتغيبين وإعمال المقتضيات القانونية والسير بها إلى منتهاها، مما جعلها مجرد (حبر على ورق).
المجلس الذكوري:
بدأ المشهد من أعلى شرفة الإعلاميين وكأنه أكثر «ذكورية» رغم التمثيل النسبي للمرأة الذي يقدر بنسبة 30% من عضوية المجلس الوطني،  إلا أن ثمة غياب واضح (للسيدات النواب) خصوصاً في جلسات إجازة الميزانية، الأمر الذي جعل (ألوان) تبحث وتنقب في تجربة المرأة البرلمانية، وما قدمته من خلالها للمرأة، وإلى أي مدى وجدت المرأة موقعها في الدستور, وما هي التشريعات التي تطمح أن تصدر في صالح المرأة، بالإضافة إلى رأي البرلمانية السودانية في دور الرجل إزاء زحفها نحو مواقع الطليعة والقيادة فهل تشعر بأنه فاعل في قضاياها أم انه يشكل بطريق غير مباشر عائقا أمام توجهاتها.
دراسة ميدانية:
القيادية بالمؤتمر الوطني رجاء حسن خليفة قالت لـ(ألوان) أنها قامت في وقتٍ سابق بإجراء دراسة ميدانية على أداء المرأة البرلمانية في المجالس التشريعية الولائية والبرلمانية، عبر استبيان ومقابلات، كانت النتيجة فيها – بحسب رجاء – مشاركة حواء السودانية بصورة فاعله في كل القضايا الوطنية وليس قضايا المرأة فحسب، إذ تميزت بالانضباط في حضور الجلسات والبعد عن القضايا العرقية وكل ما يثير البلبلة، وفيما يتعلق بالدستور أوضحت أن النصوص الدستورية داعمة للمرأة، مشيرة إلى أن بإمكانها أن تصبح رئيس للمجلس الوطني ورئيس للجمهورية إذا رغبت في ذلك، وأضافت أن المرأة السودانية وصلت إلى هذه المكانة بمساندة الرجل لها ولولا مشاركته وتعاونه لما حققت ذلك، وفي ذات السياق مضت الناشطة الحقوقية والسياسية انتصار العقلي، وقالت لـ(ألوان) من الجيد أن توسع مشاركة المرأة في المجلس الوطني بعد الإنتخابات الأخيرة، وتوقعت أن يكون لهذا التوسيع فاعلية كبيرة للدور والجهود التي تقوم بها المرأة، لكنها  تأمل في أن يكون الاهتمام منصب في قضايا المرأة في جانب المعيشة والصحة والتعليم، وأشارت إلى المواد التي تهتم بالمرأة موجودة في الدستور لكنها غير مُفعلة، وطالبت الاهتمام بالرعاية الأولية وأشارت إلى أن المساندة التي يمكن تحظى بها بالمرأة تأتي من الرجل التقدمي، وأكدت أن حواء السودانية فرضت نفسها في المجتمع رغم إننا فقدنا الكثير من مكتسبات الحياة في هذا الزمن، لكن قالت نحن كسيدات نرجو مساندة الرجل، لأن مجتمعنا لا يزال مجتمع أبوي والرجل هو من يتخذ القرار، من جانبها أكدت الدبلوماسية سناء حمد العوض لـ(ألوان)  أن من ناحية الدستور ليس هنالك ما يمنع أن تكون المرأة رئيس للمجلس الوطني أو حتى رئيس للجمهورية، لكن يبقى التحدي في القدرات والكفاءة، وحرص الأحزاب السياسية على تقديم قيادات نسائية، وأوضحت أن تجربة الكوته أو التمثيل النسبي للمرأة نفسها تجربة مرحلية فيها ملاحظاتها كأي تجربة يمكن أن تجود بالممارسة.
حق التصويت:
الراصد لمجريات الأمور يلحظ أن المرأة السودانية نالت حق التصويت والترشيح في الانتخابات منذ زمناً بعيد، لكن لم تستفد سوي 12 فتاة من حقها الدستوري في أول انتخابات برلمانية جرت في البلاد عام 1953 وذلك لأن قانون الانتخابات لنفس العام لم يعط حق التصويت، فقط وافق علي إعطاء هذا الحق للنساء اللائي أكملن تعليمهن الثانوي، وتشير الإحصائيات إلي أن نسبة التصويت للمرأة في الانتخابات التي تلت ثورة أكتوبر قد فاقت نسبة تصويت الرجل حيث كانت النسبة في الخرطوم 40% بينما تصويت الرجال كان 24% وفي كردفان 23% مقابل 16% للرجال وفي أعالي النيل 21% مقابل 12% للرجال ودارفور 28% مقابل 17% للرجال، وبالتالي يتضح من هذه النسبة تفوق المرأة علي الرجل في التصويت،  لكن مشاركة المرأة في البرلمان حينها لم تتعد نسبة الـ10% في جميع الحقب حيث كانت هنالك 22 نائبة برلمانية من جملة 301 عضوا في الجمعية التأسيسية عام 1982 و21 نائبة من مجموع 300 عضو في المجلس الوطني عام 1996 و25 امرأة في المجلس الانتقالي عام 1994.
تأخر التعليم:
بعض المراقبين يرون أن مشاركة المرأة السودانية في البرلمان كان من الممكن أن تأتي قبل عام 1965م، لو كانت فرص التعليم متاحة، لكن تأخر تعليم المرأة حيث بدأت التعليم النظامي في عام 1907 بسبب الموروثات والتقاليد إلى جانب تهاون المرأة في آخذ حقوقها وانقسام الحركة النسائية في السودان بالإضافة إلى عدم مشاركة المرأة في العمل الحزبي، لكن رغماً عن ذلك شاركت المرأة السودانية بفاعلية وجدية في كل مراحل النضال الوطني ببلادها, وسبقت غيرها من النساء بكثير من الدول في الحصول على حقوقها كاملة، فقد نالت حقوقها المدنية وحقها في تولى الوظائف العامة وحقها في ممارسة العمل السياسي، وبلغ عمر تجربتها في ذلك خمسين عاماً، ونالت المرأة السودانية حقها في التصويت منذ عام 1953، بموجب دستور عام 1956 حسب المادة (4) التي نصت على مساواة الرجل والمرأة في الحقوق والحرية, ومنع الدستور حرمان أي سوداني من حقوقه بسبب المولد أو الدين أو العنصر، فيما يخص تقلد المناصب العامة, كما منحها الدستور في مادته الخامسة الحق في التعبير عن آرائها وإنشاء الجمعيات، وانتخبت فاطمة أحمد إبراهيم أول نائبة في البرلمان السوداني عام 1965.