الهويـــــة السودانيــة.. رحلـــة البحــث عــن توافــق

عبد العزيز النقر
منذ أن صرح رئيس لجنة الهواية بالحوار الوطني البروفسير علي عثمان محمد صالح بأن الجميع إتفق على إختيار مفهوم الهوية القُطرية كوصف للحالة السودانية، ولفت أن الرؤى التي تم تقديمها شملت ثلاثة مفاهيم هي الهوية القُطرية الوطنية، والقومية السوداناوية، مشيراً إلى تراجع خيار الهوية الوطنية وأنه تم الإتفاق على (القُطرية)، فتح الباب على مصرعيه للنقاش حول موضوع الهوية القُطرية، مع إقتراب موعد الإحتفال بالذكرى الـ(60) لإستقلال السودان، وإقتراب توصيات مؤتمر الحوار الذى حدد له العاشر من الشهر القادم كانت قضية الهوية السودانية ومازالت هى المحك الرئيس للجان الحوار المنعقده بقاعة الصداقة.

(1)
البحث عن الهوية كواحدة من مناظر الإختلاف التى دعت السودانيين إلى الجلوس حولها لتعريفها ولعل الكتابات التى حاولت أن تضع الهوية فى موضعها الصحيح استصحبت معها أهمية النضج لها، كما يرى الشريف حسين الهندي فى نقده لكتاب نهاية التاريخ حيث يرى فوكايما في كتابه المثير للجدل نهاية التاريخ و خاتم البشر مقولة لهيجل مفادها (أن المسيحية هي آخر الايدلوجيات العظيمة للعبيد)، والمقولة تأتي في إطار جدل السيد والعبد الشهير لدى هيجل والذي يتبناه فوكياما بحماس غريب وهو يشير في ذلك إلى أنه بالنسبة للعبيد الحالمين بالمساواة والعدالة، بيد أنهم لا يستطيعون إليها سبيلا، فإنهم بإختراعهم للمسيحية فإنهم قد أعطوا أنفسهم المساواة الكاملة مع السادة والعدالة الناجذة ضد الظلم، ثم أنهم قد أجلوا كل ذلك إلى حين قيام الساعة أو رجوع المسيح إلى الارض أو كيفما إتفق، ويمكننا هنا أن نرى بعض التعديلات على هذه المقولة الهيجلية أيضاً كدأبنا من قبل لتصبح (أن التجديد الديني هو آخر الأيدلوجيات العظيمة لإنصاف المتمدنين).
(2)
الورشة التي أقامها مركز دراسات المجتمع (مدا) ضمن سلسلة إسناد الحوار الوطني تحت عنوان الهوية السودانية ملامح من جذورها وتطورها ورؤى المستقبل حيث أوضحت مدير مركز دارسات المجتمع أميرة الفاضل أن هذه الورشة تأتي فى إطار إسناد الحوار الوطنى بشقيه السياسي والمجتمعى بإشراك أصحاب الرأي والأكادمين والباحثين حيث إنطلقت ورقة بروفسير يوسف فضل من إستقراء تطور الهوية السودانية وإلى أي مدى إستوعبت التعدد والتنوع الثقافي في السودان في أطره الجغرافية المتغيرة فى كل فترة من فترات التاريخ يعزز بروفسير فضل في أن مصطلح ثقافة الذي يعتبر الكل المركب فى العادات والتقاليد والأعراف والأديان واللغات والقوانين وأنماط السلوك وطرائق التفكير وكل ما أنتجه الإنسان من منجزات مادية أو غير مادية تعني أن الأفكار متضمنة الأفعال.
(3)
تذهب الورقة فى إتجاه تفكيك المصطلحات السياسية التي أصبحت أكثر شيوعاً بحيث ترى أن التنوع الثقافي يتطابق مع مصطلح التعدد الثقافي وبالتالي تشمل تنوع معطيات الثقافة وأول المعطيات التعدد الديني، أما التنوع العرقي فيشير إلى أحد المكونات الأساسية للمجموعات البشرية على أساس أيدلوجي يخلق خصائص مميزة كالشكل والتركيب العضوي واللون وقد يتجاوز ذلك إلى الإعتداد البايلوجي ومن ثم الإيمان بتميز عنصر على آخر، أما الهوية في مجموعة من السمات والخصائص التي تميز فرداً أو مجموعة أو وطناً أو أمة من غيرها، وتشكل تلك السمات جوهر وجودها وتعرف شخصيتها المميزة، وهى كذلك تشير إلى جملة من المفاهيم التى تستخدمها جماعة للتعريف بنفسها وللتواصل مع الآخرين وتشمل (العرق) والدين واللغة والثقافة والتاريخ المشترك.
(4)
وينظر مراقبون إلى أن الهوية في السودان كانت إحدى المحاور التى تنادى إليها كثيرون ولعل تقديم  مركز دراسات المجتمع لورقة أكاديمية تنظر إلى الهوية السودانية عبر تاريخها وتطورها كمفهوم ينطلق من حقيقية التعدد والتنوع الثقافي في السودان دفعاً لربط الهوية بمصطلح الوطنية خطوة فعلية لمراكز الإنزار المبكر، خاصة وأن الربط بين الهوية والوطنية تتشكل من تداخلات وتفاعلات التعدد الثقافي ليس عبر تمازج هذا التعدد وأنصاره فقط وإنما في ظل إختلافه الحالي كما أن الوطنية بنسبية الوطن والتي تشير إلى الحدود الجغرافية والسياسية التى تشكل السودان عبر الحقب التاريخية المختلفة، تبيان الكشوفات الأثرية والدراسات الأنثيروبولجية أن هناك ثلاثة من أهم الشعوب التي قطنت القارة الأفريقية، كما تشير الورقة وبالتالي إستوطنت السودان منذ أزمان بعيده وهم الزنوج والحاميون والساميون وترى الورقة أن كلمة زنوج أو الجنس الأسود تعبير فضفاض يستعمل فى غير دقة في إشارة للسكان الأصلاء الذين وضعوا اللبنات الأولى فى تاريخ السودان، ويرجع أقدم إستيطان لإنسان هذا البلد إنسان سنجة والذي يرجع وجوده إلى قبل الميلاد وهى سلالة البوشمن الذين يعيش أسلافهم اليوم فى الجزء الشمالي من إفريقيا الجنوبية.
(5)
ويرى مؤرخون أن الفترة المظلمة في تاريخ السودان بعد سقوط دنقلا حيث إنفتح المهاجرون وجلهم من البدو على النوبة والبجة والعنج وغيرهم من سكان السهول مخالطة وتحالف ومصاهرة ونتج عن ذلك التلاحم هجين جديد إعتنق الإسلام وتمثل الثقافة العربية وبدا التغيير بعمليتين متوازيتين اللغة كثقافة والثانية عرقية حيث مثلت الأولى إكتساب المواطنين اللغة العربية وإعتناق الإسلام والثانية إتخاذ النسب العربي والإنخراط في نظام قبلي وهي ترتكز على المصاهرة وما يتبعها من وشائج عرقية، ولذلك فإن ظاهرة إتخاذ النسب العربي بين الهجين المستعرب أصبح هو الغالب على هذا التطور، ويبدو أن مدى استعراب كان بحجم الهجرة البشرية الوافدة وما تقوم به من تغيير ديموغرافي حيث يظهر جلياً في المنطقة النيلية الممتده بين كورتي وسنار وفي سهول البطانة والجزيرة وشمال كردفان ودارفور ومع ذلك فإن درجة تمثيل الثقافة العربية تختلف من قبيلة إلى أخرى.
(6)
من أهم مرتكزات الهوية السودانية التي كانت مبنية على ثقافة التنوع الثقافي ما أنجزه المنهج الصوفي في سعيه تحت رأية الإسلام لإضعاف روح العصبية العرقية والولاء القبلي بتشجيع روح الأخاء بين الموريدين سواء كانوا عربا أو مستعربين، في الثلاثينيات من القرن الماضي أصبحت قضية الهوية هاجساً لذلك بدا المتعلمون بالكشف عن ماهو سوداني، يرى مراقبون أن إنفصال جنوب السودان يدلل على فشل النخب الحاكمة بالسودان في إدارة التنوع الثقافي وإيجاد صيغة وطنية لهوية البلاد تتماهى فيها هويات وثقافات البلاد وتقر الورقة أن النخب الحاكمة فى الشمال والتى نهلت من الثقافة الإسلامية والفكر العربي تتحمل جزء كبيراً من إستمرار هذا التباعد إذا ظلت تصر على فرض الثقافة العربية على سائر البلاد والإصرار على أسلمة الجنوب وتعربيه قسراً، كما أن مسألة الهوية الوطنية في السودان متنوع الثقافات والهويات يمثل تحدياً لبناء الوطن والدولة القومية حتى بعد الإنفصال خاصة وأن الخارطة التعددية والتنوع لم تتغير كثيراً كما أن هناك كثير من القضايا الشائكة التى ترتبط إرتباطاً وثيقاً بكيفية إدارة التنوع وأهمها قضية التنمية ورفاهية الإنسان السوداني وهي في مجملها قضايا تحتاج لوحدة البلاد على أساس المواطنة الحقة ذات الحقوق المتساوية المتضمنة الدستور ولعل افضل الدساتير التى تتفق مع الحالة السودانية حسب مراقبون هو الدستور الأمريكي الذى يفرض هوية واحدة أمريكية على أساس تنوع للهويات الأخرى فهوية السودان فى سودانيته هي التي يتفق حولها الجميع مع إحترام كافة الثقافات المكونه للمشهد السوداني.
(7)
يقول عضو لجنة الهوية أحمد آدم قرشي أن معظم الإشكالات التي تعترض الهوية السودانية سببها التفرقة التى حدثت فى كثير من الأنظمة حيث إتقف الجميع على أن السياسة السودانية الحالية لا تتماشى مع الهوية السودانية وأضاف في حديثه لـ(ألوان) أن السودان كان ممالك وسلطنات حيث كان التعامل جيداً، وحمل أحمد قرشي آدم كل الحكومات السابقة فى تدهور الهوية السودانية وإعتبر الهواء الساخن الذي أخرجته اللجنة فى الأشهر الماضية كان سببه إختلاف الناس حول النقد الموجه سواء للحكومة أو الأحزاب السياسية، فيما يرى عضو لجنة الهوية علي مهدي أن السودانوية هي الأصل في الهوية قائلاً في إعتقادي أن الهوية الفردية مهمة لتحديد هوية السودان، لكن السودانوية هي الأصل في الهوية بالإنتماء للوطن أفضل من كل الأوصاف وهي الوصف الاول، لذلك لا أتفق مع الهوية القُطرية كتوصيف للحالة السودانيةواعتبر ان كل مجموعة توافقت على أن تجلس مع بعض وشكلت إجماع على قيم محددة وإدارة، كيف تحكم؟ وكيف تسخر العلوم والمعارف هذه هي الهوية، الهوية هي ليست اللون، ولا الدين أو الثقافة، كما أنها لا تعيق الدين والثقافات والكليات أو القوميات الوطنية وإنما حسب تعاملي مع الآخر والتعامل معه من أجل الوطنية وهي تظهر تجلياتها في الإبداعات الشعبية وبالتالي لا نستطيع أن نقول هذا إنسان سوداني دون النظر إلى شكله وتعامله وعلاقاته الإجتماعية كالقبائل وبعض منها كالقبائل التي تأتي من مناطق وتنسب إليها كـ(الدناقلا) الذين ينتسبون إلى دنقلا أو دنقل وبالتالي هي محدد لهم.
(8)
غير أن الأمين العام لحزب البعث السوداني محمد جادين يرى أن الهوية القطرية حال الهوية السودانية هي هوية مزدوجة وربما مركبة وفيها خصوصية سودانية ولها بعد عربي وبعد إفريقي وبعد مع العالم الإسلامي وكل هذه الدوائر الثلاث بها مشتركات مع الهوية السودانية، وهي ليس هوية مكتفية بذاتها وإنما لها أبعاد حتى مع المحيط الإقليمي، خطاب الهوية المزدوجة هو موقف علمي في تشخيص الهوية السودانية بمعني إنها هوية مزدوجة وهوية إفريقية وطرح هذه الفكرة في التسعينات جاء تطويراً لموقفنا من هذه المسألة في الفترات السابقة وفي نفس الوقت للتفاعل مع الاطروحات الجديدة في هذا المجال خاصة اطروحة السودان الجديد والتنوع الثقافي والعرقي والرد علي بعض تناقضاتها، ويضيف عضو لجنة الهوية بالحوار أحمد قرشي آدم أن اضطراب الهوية فى السودان والإختلاف الذي حدث سببه عدم معرفة النظم التي لم تعرف أن تتعامل مع الهوية السودانية ويرى فى حديثه لـ(الوان) أنه لابد من ترتيب كتابه التاريخ من جديد وأكد أن هناك (60) حزباً تم الإستماع لهم وهناك أحزاب سيتم الإستماع إليها ويؤكد أنه يريد سودان مستقر، ويحدد عضو لجنة الهوية علي مهدي في حديثه لـ(ألوان) أن محددات الهوية هي الإشارات التي تنتج عن السكان لهذا نحتاج أن نحدد هويتنا وبالتالي الهوية محدد للتعايش مع المجموعات السكانية المتباينة مع الآخرين، وكما هو معلوم فإن المجتمع السوداني يحتوي على تنوع ثقافي وعرقي، كما أن هناك فوائد تشكل معرفة الآخرين بشكل ما، وتعرف بالعولمة التى تحكم التعايش وكيف تتعايش وكون الحوار يتحدث عن الهوية هو يتحدث عن الثقافة وأي حوار غير الثقافة لا يأتي بأي نتائج خاصة فى هذه اللجنة ولدى ورقة شخصية تختص بالهوية متعلقة بالفنون والثقافة والفكر، إلى جانب عضويتي في لجنة الهوية، والفرد والجماعة اللذان يدركان أهمية الهوية ويصبحان قادرين على تحديدها أولا ومن ثم تطويرها بما يتلاءم مع معطيات الحضارة ومنجزاتها, يستطيعان بسهولة التوافق مع العالم الجديد ثم المساهمة في صناعته. وينفى مهدى ان تكون ازمة الهوية هى التى تصبح ازمة للسودان وشخصها على انها الأزمة إدارية والهوية جزء منها تشتق وتهتم برفاهية الإنسان وبالتالي تتحكم الأعراف والثقافات الإنسانية وهي محدد من أسباب الأزمات في الحكم وهي مدخل أساسي للحوار للوصول للحد الأدنى من الإتفاق بمؤشرات تحدد وتقارب مفهوم الهوية ويصعب أن يصل الحوار إلى نتائج فى مستوياته الأخرى السياسية والإقتصادية دون الهوية، لذلك تظل مسألة الهوية مهمة جداً في الحوار الوطني.
(9)
ينظر الامين العام لحزب العبث السودانى محمد جادين فى حديثة (الوان) ان أن مسألة الهوية لا يمكن أن تناقش بمعزل عن مناقشة الأزمة الوطنية الشاملة، لأن أزمة الهوية في المقام الأول والأخير هي أزمة حقوق ، حقوق المواطنه، المساواة في حقوق وواجبات المواطن وهذا هو الحل لمشكلة الهوية (عشان تكون عندنا هوية سودانية لابد ان تكون هنالك مساواه في الحقوق والواجبات )، ما يجري الآن في ظل هذه الأزمة الوطنية الشاملة لا توجد مساواه في الحقوق والواجبات ( في ناس درجة أولى وناس درجة تانية وناس درجة رابعة وهكذا) هنالك مناطق كثيره في السودان بها حروب وهنالك مناطق مهمشة لا توجد فيها حقوق، ولو لم تحل مسألة هذه الحقوق يبقي أي حديث عن الإتفاق حول مفهوم الهوية كلام (ساي) ماعندو معني، والهوية هي المساواه في الحقوق والواجبات، حقوق وواجبات المواطنه بالتحديد. كما ان الهوية تتغير مع تغير الظروف وتغير الأوضاع وهي لا يمكن أن تكون ثابته هذا مستحيل وهي ليست مفهوم ثابت وإنما مفهوم متغير حسب تغير الأوضاع.