التوتر الديني في السودان.. احذروا مصير العراق وسوريا!

بقلم : وائل جمال الدين
في السنوات الماضية، ومع اقتراب ذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم، كانت حدة التوتر ترتفع بين تيارين دينيين في السودان، وخصوصا العاصمة الخرطوم، حيث ينشط منتسبو الصوفية في الاستعداد لمناسبة الاحتفال بالمولد النبوي بتجهيز خيام الاحتفال واقامة الحشود والندوات، بينما على الطرف الاخر يجتهد تيار السلفيين في التنفير من الاحتفال بالمولد ودعوة الناس لمقاطعته بوصفه «بدعة» ، وبين هذا التنازع، تكون ساحات الاحتفال بالمولد مشهدا لتوتر كبير، من حسن الحظ انه لم ينفلت ليصبح احداثا فعلية (الا في حالات قليلة)، وان كانت مجريات الامور تنبيء بمآلات غير هذه.
في ميدان المولد بامدرمان، وعلى مدار الاحتفالات الماضية ، كانت اصوات مكبرات الصوت الصادرة من خيام الصوفية تعلو متقاطعة مع اصوات مكبرات الصوت الصادرة من خيام السلفيين المنصوبة خارج الميدان على الناحية الغربية، لترسم مشهدا مؤسفا للتمايز والتفرقة بين مجتمع مسلم، توحده شهادة الاسلام، وتعاليمه وجسده الواحد الذي بات يشكو من التمزق والتفرقة في مختلف انحاء العالم، واصبح شبح التفرق ماثلا بيننا في السودان، مما يستدعي ان ينتبه له الناس، والسلطة الحاكمة لهم، حتى لا يكون مصير السودان كمصير العراق وسوريا وغيرها من البلدان الاسلامية التي انقسم الناس فيها لسنة وشيعة، وطوائف اخرى متقاتلة، فاشتعلت بينهم حروب قضت على العباد والبلاد، وقد بدأت تلك الحروب بمشاهد توتر مثيلة لما يحدث بيننا في السودان الان، ثم تطورت الى ما هي عليه، وقديما قيل ان الحرب اولها كلام (وخطب ومكبرات صوت ايضاً).
ليس الاحتفال بالمولد وحده ما بات يهدد وحدة المسلمين في السودان، فالملاحظ ان المنابر باتت موئلا لمهاجمة المخالفين في الرأي، واقصائهم وربما تكفيرهم، وفي زمان الميديا هذا فان هذه الخطب والمخاطبات سرعان ما تجد طريقا عبر الانترنت ووسائط التواصل المختلفة، فيتبادلها الناس، منقسمين الى مؤيد ومعارض، فتزيد النيران تأججاً، وتشحن النفوس شحناً، والمؤسف ان كل هذا يحدث تحت مسمع من السلطات المختصة دون ان تتدخل، او تدرك خطورة ما تقود اليه دعوات العصبية الدينية هذه من مصير مظلم للبلاد.
السلطات عندنا لا تتدخل لايقاف مخاطبة جماهيرية في ميدان (جاكسون) مثلا، طالما ان موضوعها مهاجمة طائفة دينية لطائفة اخرى، مهما بلغ التناحر والخشونة، التي ربما تصل احيانا الى الاشتباك بين الحضور، ولكن ذات السلطات تحضر في لمح البصر وتفض التجمع ان كان موضوع المخاطبة سياسيا يمس الحكومة او الحكم.
وان لم تجد السلطات دافعا لمنع مظاهر العصبية والتوتر الديني التي باتت تتنامى في المجتمع السوداني، فمن واجبها على الاقل ان تحاول الاصلاح بين المتخاصمين، (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) .
ومن الانصاف ان نقول ان معظم الندوات التي نشاهدها في الاسواق والتجمعات ينظمها السلفيون الذين يجتهدون في تفنيد ما يقوم به الصوفية، ولهم في ذلك مبررات، ولكنا نندهش من تركيز السلفيين على مهاجمة الصوفية تحديدا، وترك ما سوى ذلك ، فشخصيا لم اشهد خطبة او ندوة للسلفيين في الاماكن العامة ، الا وكان موضوعها انتقاد الصوفية ، وكأن مشاكل الاسلام والمجتمع قد حلت جميعها ولم يبق الا الصوفية، فلينتبه السلفيون الى ان بلادنا تنتظمها مشاكل كثيرة، فأين هم من ضعف التعليم ، وبؤس الخدمات الصحية، وهجرة المواطنين للخارج، وغلاء الاسعار، وانعدام الغاز، وقطوعات الكهرباء، وبطء الانترنت، ورفع الدعم المرتقب، وحالات الفساد (السرقة) الموثقة لاموال الدولة، وانتشار الاوبئة والرزيلة ، وحاويات المخدرات والخمور، وخواء المساجد في صلوات الصبح، وغيرها مما يفسد على الناس دينهم ودنياهم؟ لم نسمع بهذه المشاكل في خطابات السلفيين ( والغالب الا نسمع بها ايضا، لان
السلطات حينها ستعتبرها حديثا في السياسة وستمنعها).
كنت ماراً قبل ايام بغرب الخرطوم، فشهدت احدى ندوات السلفيين الراتبة، وسمعت الخطيب ينتقد كالعادة الصوفية، وتحدث عن ازمة الغاز الاخيرة قائلا : لماذا لا يسأل الصوفية الشيخ (فلان) ليجلب لهم اسطوانات غاز (!) ، فعلق احدهم عليه قائلا : وما دخل الشيخ باسطوانات الغاز ( انت عينك في الفيل وتطعن في ضلو؟!) .
ظاهرة اخرى من ظواهر التوتر الديني في العاصمة، وهي انتشار ملصقات على الحوائط تسير في ذات الاتجاه، وان كانت عباراتها تبدو دعوية الا انها تستبطن خلافا طائفيا ايضاً، وتظهر ملصقات اخرى مع اقتراب المولد، تمتليء بها شوارع الخرطوم تحذر الناس من الاحتفال بالمولد باعتباره بدعة (!).
لا ادري كيف تمر هذه الملصقات على الجهات المختصة، فاذا كان الاحتفال بالمولد بدعة، فلماذا لا تمنعه الحكومة (الاسلامية) بقوانينها المرعية؟ واذا كان الاحتفال جائزا كما يقول علماء اخرون فلماذا تسمح السلطات لطائفة محددة بفرض اعتقادها في حرمة الاحتفال بالمولد طالما لم يجمع علماء المسلمين في الدولة على حرمته؟!
لا اود هنا ان اناقش مرجعية السلفيين في تحريم الاحتفال بالمولد، بيد انهم يستندون (عموما) الى ان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحتفلوا بالمولد، وهذا بالطبع قول مردود، فكثير من الصحابة مثلا لم يدرسوا العلوم الانسانية كالطب مثلا رغم انها كانت موجودة في زمانهم، ورغم هذا لا يمكننا ان نحرم دراسة الطب، بدعوى ان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعلوها.
صحيح ان الاحتفال بالمولد تشوبه ظواهر سالبة، فلماذا لا يكون الانتقاد لهذه الظواهر نفسها؟ ولماذا لا نرى دعوات مماثلة لالغاء الجامعات – مثلا- لأن الطلاب فيها يختلطون بالطالبات؟(!)
لماذا تبلغ الخصومة الطائفية في السودان حدا يصل للتلاسن والتخاشن والتحارب بالقول ورسولنا صلى الله عليه وسلم كان يمتثل لأمر ربه له ان يدعوا الناس بالحسنى (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) ، مع تأكيد لهذا المعنى في مواضع اخرى (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) .
ربما يبدو لكم ما يحدث من تناقر بين السلفيين والصوفية في السودان بسيطا، ولكن تذكروا ان العراق – مثلا- لم تكن فيه مشاهد العنف الدموي بين الشيعة والسنة حتى سنوات قليلة ماضية، ولكنها كانت كالماء تحت التبن، تنمو وتغذيها المواقف الصغيرة حتى انفجرت فصار العراق الى ما صار اليه الان.
ان الاسلام هو اقوى ما يجمع السلفيين والصوفية ، ولا ترام وحدة اقوى من هذا الرابط، فليدعوا دعوات التفرقة والاقصاء جانبا، فنتائجها واضحة وخطيرة، وليتفقوا على ان تكون كلمة الله بينهم هي الاعلى فكل يحاسب بما يعمل، والى الله ترد الأمور.
اما السلطات، فامامها مسئولية كبيرة في الحفاظ على الوحدة الدينية للمجتمع السوداني، بما يتطلبه الامر من حزم الدولة وتشريعاتها، فمعظم النار من مستصغر الشرر.