صاي : تأريخ للجزيرة ودورها في التحضُّر السوداني

إبراهيم إسحق إبراهيم

كتابٌ بهذه الضخامة، 657 صفحة، أرى قُرّاءهُ يستفيدون مِن المباحث التي تتناول تخصصاتهم، ليزنوها بموازينهم.. ويُفاجأ قُرّاؤُهُ بمباحث في حقولٍ مُغايِرة لتخصصاتهم فتٌشبِع رغباتهم في الإستزادة حول الخاص المناطقي بأهميتهِ الذاتية.. كما يلقَىَ الجانبان فيهِ مُعالجات للشأن العام الذي يرتبط بهِ الوطنيون جميعاً.. وهنالك البُعد الإنساني الشامل الذي ترفِدُ فيهِ هذه المكتوبات الإرث البشري، مهما تتباعد تخصصاتها.. هكذا وجدتُني وجميع هذه المنازع تُخاطِرُني وأنا أُطالِع هذا الكتاب.. ذلك لأنّ الآفاق التاريخية الملموسة بالتنقيب هنا تبدو جدُّ واسعة..

يختار محمد جلال هاشم، في كتابهِ هذا، العبور مِن تخصصهِ في عِلم اللغة إلى كتابة التاريخ الثقافي لجزيرة ميلادهِ وارتباط ميراثها بالميراث النوبي في الكثير مِن بقاع السودان، ثمّ بالناتج الحضاري السوداني بأجمعهِ.. وهذا طموحٌ ضخمٌ للغاية، فهو يُلزِم صاحبهُ بعناءٍ جم، وبمنهجيّة صارمة، إذا ما توخّى الإنضباط بالعِلميّة وبالعقلانية.. ولأنّ الكلام يحلو في “نضم سيدو” اخترتُ أن أنقل كلماتهُ مِن الصفحتين 4 و 10 إذ يقول : ” مِن جانبي أرغب في أن يقرأ السودانيون عامّة والنوبيون خاصّة هذا الكناب لما يناقش مِن مشاكل مِن المُؤكَّد أنها موجودة في أكثر أقاليم السودان… لا سبيل لنا إلى النهضة إلّا مُستصحبين لثقافتنا ولغاتنا عبر منظور الوحدة في التنوُّع. ولا سبيل إلى ذلك إلّا عبر الأجيال الناهضة التي علينا أن نتعّدها بالرعاية الرشيدة، وغرس قِيَم التعدّدية الثقافية والدينيّة والتعايُش المُشترك السِّلمي. ولذا، أهدي هذا الكتاب إلى أطفالي وجميع الأطفال النوبيّين والسـودانيين ” (المقدمة : ص4و10)..

لعلّنا لن نتعرّف على الثقافات الفرعية لبلدنا، وهي سُبُلنا إلى التفاهم تحت مظلة الثقافة لسودانية الجامعة لذلك التعدّد، إلّا بقراءتنا للكتب المناطقية التي تنبري لتبصيرنا بالأقاليم مِن خلال تناول عِلمي جاد.. يُؤسِّس لهذا في تسعينات القرن الغابر المرحوم عون الشريف قاسم بكتابهِ (حلفاية الملوك).. ويُقدِّم لنا حامد البشير إبراهيم في مُستهلِّ الألفينات كتابهُ (جبال النوبة).. ونقرأ في 2014م كتاب الحاج سالم مصطفى المُسمّى (دار حَمَر).. أردتُ بهذه المتشابهات أن نتفهّم درجة الإنحياز المناطقي الذي يُبديهِ محمد جلال هاشم في مُقدِّمتهِ حين يقول بفخرٍ : ” لقد كتبتُ عن أهلي في جزيرة صاي بِحُبٍّ وإعزاز كبيرين، ثمّ بإعجابٍ وزهوٍ، ولكنّ هذا لم يمنعني أن أتحرّى الموضوعية والحياديّة ما وسعتني الحيلة ” (ص3).. ونحن الآن بانتظار أن يكتب المثقفون أولو الفَهم عن مناطقهم بهذي الروح التي يُبديها هؤلاء، وفي مَعِيّتِهم محمد جلال..

ذلك الحياد مَحَكّهُ هو التنقيب في التاريخ، ثمّ قراءة واقعنا على صفاءٍ مِن معطيات ما نبذلُ كلّ الجُهد في تنقيحهِ معرفيّاً.. فلأجل تلك الحيدة يُخطِّط محمد جلال لمنهج في التناول التاريخي يبدو لي على غايةٍ مِن العقلانيّة.. وفي الصفحات 11 و15 بالفصل الثاني يُحدِّد الكاتب طريقتهُ في إعادة بناء تأريخهِ الإقليمي على مستوى الإجادة والإتساع.. يُوجِزُ ذلك محمد جلال بقولهِ : ” سوف نتّبِع في استقرائنا للتاريخ الاجتماعي عن المنطقة النوبية منهجاً مُتعدِّد المساقات، فيهِ نستفيد مِن البيِّنة الشفاهيّة، فضلاً عمّا هو متاح مِن وثائق ومُكتَشَفات أثريّة، بجانب اتِّباع منهج إعادة بناء التاريخ.. تُمُثّل السجلات الرسمية عموماً المصدر الأساسي لتاريخ السودان الحديث، وإلى درجة كبيرة تاريخهُ القديم.. فأكثر ما يُؤخَذ على التاريخ بعمومٍ إعتمادهُ على الوثائق، مع إغفال شبه تام للبيِّنات الشفاهيّة…. وعندي أنّ الغرض الأساسي مِن اعادة بناء التاريخ ليس كشف ما كانت عليهِ حقيقة ذلك التاريخ، بل الغرض الأساسي هو تقديم صورة افتراضيّة لذلك التاريخ استناداً على جملةٍ مِن البيّنات مع استبعاد بعضها. على هذا، تُتِيح الصورة الافتراضية الفرصة للآخرين كيما يقبلوها أو يرفضوها عبر تدبُّر البيّنات التي تمّ الاعتماد عليها في رسم الصورة، أو تلك التي تمّ استبعادها ” (ص11 و 15)..

في مُراجعةٍ لي سَبَقتْ بـ (جريدة الأخبار : 11/4/2015م) لاحظتُ أنّ الفصل الثاني مِن الكتاب (88ص) يرُدُّ على ما أُشخِّصها بالمآخذ والعِلل التي يحتسبها محمد جلال على الباحثين مِمّن يعالج الموروث النوبي انطلاقاً مِن غفلات أو تحاملات يراها الكاتب تُحرِجُ مسارات نقاشهم، وبالطبع استخراجاتهم.. ثمّ إنّ الفصل الثالث يُعنَى بتاريخ صاي مِن العصر الحجري وحتى العصر المسيحي، وهو مجالٌ لا تتوفر فيهِ مصادر شفهيّة لدعم الآثاريات واللغويات والوثائق والدلائل المادية.. أمّا الفصول الستة، مِن الرابع إلى التاسع، فهي مزحومة بالتأريخ الشفهي، بمنهجيّتهِ الكُليّة holistic، الآخذة مِن كلّ الدلائل بما يفيدها.. ومِن رأيي أنّ طريقة معالجة محمد جلال للبيّنات الشفهيّة، وما أضافتها إلى الكتاب، في 450 صفحة مِن الفصول المُشار إليها، تحتاج لسِمِنار عِلمي حتى يكتمل تقويمهُ.. وتلك مُهمّة مُتوجّهة لعدد مِن المُتخصصين في هذا الحقل.. ذلك لسبب أنّ مدارس تقويم الصدقيّة في المعلومة التاريخية مُتعدّدة زماناً ومكاناً.. فهنالك طرائق استفادها المنهج مِن المؤرخين اليونان والرومان، وأخرى مِن المسلمين العرب، وتقعّدتْ هذه كلّها حديثاً في مدارس أوروبية وأمريكية.. وعلى كلٍّ فالكتاب عملٌ تراكمي يستغرق مِن زمن المؤلّف، كما يُصرِّح في صفحتهِ الأولى، منذ 1989 وإلى صدورهِ في 2014م.. لكننا إجمالاً نحسَبُ أنّ الكاتب يمنحنا تأريخاً مُفصَّلاً لجزيرتهِ خلال حِقَب التغوُّل التركي، فالمهديّة، فالإستعمار الثنائي، بالفصلين الرابع والخامس، في مائتين وأربع مِن الصفحات.. ويُؤرِّخ الفصل السادس للصادح خليل فرح في مائة وثلاث مِن الصفحات.. بينما تشغَلُ الفصول الثلاثة، مِن السابع إلى التاسع، التواريخ الاجتماعية والسياسية والثقافية للأُسر في صاي لألف عام كما يُحدِّثنا محمد جلال، ومِن بينهنّ أسرتهُ مِن آل هاشم.. وهذه الفصول الثلاثة تستغرق مائة وثلاث وأربعين صفحة..

سأعبرُ الآن إلى الفصل العاشر والأخير لأتوقّف عند التحاصيل التي يخرج بها محمد جلال، حسب نظري، وما تحملهُ هذه للسودانيين عامّة مِن رسائل.. هنالك هموم رئيسة حول ضرورة المحافظة على الثقافة النوبية الشمالية ولغتيها – نُوبين وأُشكين – كما الحِرصُ على بقاء الشعب النوبي بديارهِ بدلاً مِن الخضوع لمخططات الترحيل بعيداً ثمّ إحلال إقوام آخرين ببلادهم، ولو بعد حين.. تتحسّرُ جمعيّات المجتمع المدني النوبي الشمالي على ما يصيب المُهجَّرين إلى خشم القِربة، وبهِ يناضلون ضد تكرار ذات المصير للنوبيين القاطنين بين حلفا ودنقلا، إذا ما يتِمُّ تنفيذٌ فجٌّ لمشروعَي سدَّي دال وكجبار.. والعلّة المرعبة في هذا الشأن وما يكشفهُ حول التسريبات عام 2004 بخصوص جلب الأجانب وإحلالهم فوق الحوض النوبي الواقع في المثلث بين حلفا والعوينات ودنقلا.. وقد قاد ذلك اللغط إلى تقديم الجمعيّات النوبية تحذيراً قويّاً لدى كوفي عنان الأمين العام يومئذٍ للأمم المتحدة..

وهنا تشتبك تماماً المصائر التنمويّة المِلحاحة بين سكان الولايتين الشماليتين مع سكان الولايات الثمان في كردفان ودارفور.. وأيّ منظور للمستقبل السوداني العام لا يضع نقطةً تنمويّة شاملة للسكان وللثقافة واللغات والموارد المتماثلة في هذين القطاعين سيكون معطوباً.. تصميد الوطنيّة السودانية يأتي عن طريق الوعي الثقافي.. وستلعب المُشتركات اللغوية دوراً مركزيّاً في هذه التقريبات.. ولمّا كانت المعايش هي حجر الأساس في اعتبارات الناس، يكون لِزاماً على ذلك المنظور أن يُخطط لتنبيع المخزون الهائل للمياه الجوفية في الحوض النوبي، وكذلك في البحيرة الجوفية الضخمة بشمال دارفور.. تلك البحيرة التي تحدّثَ عنها بإفاضة خبير التحسُّس عن بُعد فاروق الباز بالخرطوم في اكتوبر 2008م.. وصناعة منظومة وطنية، تنمويّة، ذكيّة، طموحة وبعيدة المدى تنتظر بين يدي الشعب السوداني كلّه نُخَبهُ وأغمارهِ..

هذا الكتاب هو أضخم ما رأيتُ مِن المؤلفات السودانية في التأريخ الثقافي والاجتماعي المناطقي، وهو أظهَرُها في الجهد المبذول بحثيّاً.. وأُحِبُّ أن أختم بتعداد لشيءٍ مِن ذلك الجهد.. تضُمُّ قوائم المصابغ والمراجع 45 صفحة بها 118 كتاب باللغة العربية، و156 مرجع بالإنجليزية، ثمّ 11 موقع إلكتروني، و9 مصادر أوليّة ومخطوطات، و9 أعمال مِن باب المُذكِّرات والخطابات، إضافة إلى 69 مقابلة شفهيّة.. لِيُوفقِ الله تعالى كُتّابنا للمسابقة على هذا المضمار.. وشكراً للمؤلفين وللناشرين، لأجل أن يستنفع المُهتمّون باكتراثهم لما يُقدَّم لهم..          

ورقة قُدِّمتْ لندوة كتاب الشهر بقاعة الشارقة : 19/11/2015م