شخصيتان روائيتان … من لحم ودم

بقلم : مبارك الصادق
(( حين أرخي ليل الدهر سدوله
والتلال طواها السكون
ذاك المد الاعلي فى بحر الليل
تجلي فوق الجبال
هم عمالقة .. سادوا الحياة
فجرت الانهار تحت اقدامهم
وفاض الضباب فى صدورهم
وتطاولت رؤسهم فى جلال
وعندما تكلموا دوت اصواتهم ))
*****
اذا كان المخيال الروائي قد درج علي ان يقدم لنا شخوصه الروائية ويحشد لها المواقف والتفاصيل الدقيقة , امعانا فى ايهامنا بواقعية تلك الشخوص والتي ظلت تسعي وتتحرك علي مدي الروايات المختلفة , والأماكن المتعددة , منطلقة نحو فضاءاتها , مؤكدة دورها الفاعل من خلال الصور الماتعة , والأحداث الدائرة , محققة ذاتيتها .. مؤكدة شخصيتها , ومعلنة عن وجودها الفيزيقي .
فاننا هنا بازاء شخصيتان حقيقيتان من لحم ودم , نعرفهما ونتعرف عليهما , وذلك بسبب من وجودهما الفزيائي , ومن خلال نشاطهما الخلاق وهما يوزعان كمية مهولة من الدهشة لا يتأتي لنا قياسها حتي بالمقاييس الرخترية لمعرفة حجم الزلزال التي يحدثانها اينما حلا , وحيثما وجدا !!ّ؟ .
الشخصية الاولي هاهنا .. هي شخصية الراحل :
أحمد حسن مطر
ذلك السندباد , جواب الآفاق , الدبلوماسي , المناضل , الصحفي , المترجم , النازي , والذي صار ئيس لبعض الوقت .
اما الشخصية الثانية … فهي شخصية الراحل :
أحمد منسي يوسف بسطاوروس
فهو ايضا ذلك السندباد . جواب الآفاق , الممثل , السياسي . رجل الأعمال , الإذاعي, المترجم , والكاتب .
*******
بداية لابد أن نلاحظ ان الشخصيتين تتميزان بكاريزما جاذبة هيأت لهما درجة عالية من القبول لدي الآخر , وهذا بنظري مما مكنهما من ان يلعبا ادواراً خطيرة , بالغة الأهيمة , شديدة الغرابة , مثيرة للدهشة .
كذلك فان من ابرز ملامح شخصياتاهما انهما لا يتهيبان المواقف , ولا يأنفان من اقتحام المجهول كيف ما كان , واين ما كان .
كما انهما يعمدان الي خوض غمار التجارب المختلفة دون ان يترددا او يطرف لهما جفن ولسان حالهما يقول :
وما نيل المطالب بالتمني **
ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
من هنا فاننا سوف نتعرف علي شخصيتين يمكن القول انهما لا يخضعان لمقاييس واعتبارات يمكن ان نعول عليها لاستخلاص او استنتاج افعالهما المزمعة , او حتي ردود افعالهما المتوقعة .
فهما معاً – مطر ومنسي – لا يخضعان للأطر والتأطير . وانما هما نسيج وحدهما من حيث الإنطلاق غير المؤسس والذي لا يخطر علي البال- ذلك يعني ان زاوية الرؤيا لديهما مغايرة تماما عما يراه سائر الناس .
وسيكتشف القارئ ان هناك العديد من القواسم المشتركة , والملامح المشتبكة فى شخصيتهما , كما انهما يلتقيان فى العديد من الجوانب- بداية بتطابق الاسماء لديهما بالاضافة لتغيير تلك الاسماء لضرورة او بدون ضرورة .
وبطبيعة الحال ان هناك العديد من الاختلافات ايضا .
عموما نحن هنا لا نريد ان نذهب فى التعليل والتحليل , بقدر ما نريد ان نقدمهما من خلال كسبهما الحياتي , ودورهما فى صنع الاحداث , وفي المواقف , وما احدثاه وما خلفاه وهما يتحركان تلك الحركة الواسعة , ويحدثان تلك الزلازل الكاسحة دون ايما تعليق الا ما اقتضته الضرورة .
تلقي احمد حسن مطر تعليمة الاولي بمدرسة النهر بودمدني , والتي دخلها فى العام 1912م وهو عائد في معية والده من المدينة المنورة حيث عمل والده هناك بعض الوقت ثم عاد الي السودان , وقد زامل فى تلك الفترة الرئيس المصري محمد نجيب , ثم انتقلا معا وآخرين الي مدرسة ودمدني الاميرية المتوسطة .
مدرسة ودمدني الاميرية المتوسطة , كانت مؤسسة ذات الق وبهاء .. اذ هيأت لها الأقدار .. ان تكون محطاً للوجهاء , يدخلونها بسلام آمنين ثم ينطلقون منها الي فضاءات النجاح الواسعة وهي مدرسة الرؤساء والعظماء ان شئت .. فقد قرأ فيها :
الرئيس المصري محمد نجيب .
الرئيس اسماعيل الازهري .
الرئيس الاثيوبي ميخائيل عندوم .
الرئيس جعفر محمد نميري .
ومن غير الرؤساء .. قرأ فيها ايضا :
الفريق علي عامر – قائد القيادة العربية الموحدة .
الروائي العربي رؤوف سعد – صاحب رواية بيضة النعام .
الاقتصادي الفذ – مامون بحيري
والي جانب تلك الكوكبة كان بطلنا – احمد حسن مطر – قد احتضنته تلك المؤسسة العجيبة , وغرست فيه تلك الطموحات البعيدة وجعلته يجوب العالم بأسره شرقه وغربه وشماله وجنوبه . وعندما تخرج فيها آثر ان يدخل الي ميدان العمل فالتحق بمدرسة البريد والبرق حيث تلقي تعليماً وتدريباً وراتباً ايضا حيث عمل موظفاً , لكنه لم يلبث بالبريد والبرق الا قليلاً حتي غادر ودمدني , الي مدينة سنار حيث التحق بالعمل فى شركة السندريني الايطالية والتي يشرف عليها السنيور بزغالي . والسنيور بشانتي , وهي الشركة التي تقوم بتشييد خزان سنار , حيث عمل موظفا بمكاتبها , وهنالك اظهر براعة فى العمل ومعرفة الامر الذي مكنه في فترة وجيزة ان يتقن اللغة الايطالية بعد ان حصل علي بعض الكتب الدراسية التي طلبها . وكان يتحدث الانجليزية بطلاقة .
ومن خلال عمله بهذه الشركة كانت ثمة اسئلة مشروعة تخطر بذهنه , مثلا ان عملية تشييد هذا الخزان تتم تحت امرة الحكومة الانجليزية لكونها هي الدولة المسيطرة والحاكمة فلماذا اذن لم تقم بعملية التشييد الشركات الانجليزية ؟؟
وقد ظل يبحث وينقب عن الاجابة لهذا السؤال حتي افضي به البحث الي اكتشافات خطيرة .
اولا : ان هذا العمل الضخم لم يطرح اصلا فى مناقصة كما جرت العادة .
ثانياً : ان تمويل عمليات التشييد تقوم به البيوتات الانجليزية بضمان الخزينة الانجليزية .
ثالثا:
ان السكرتير المالي لحكومة السودان هو المشرف الفعلي علي هذا العمل.
وقد رأي السير ادجار برنارد – وكان انجليزيا مالطياً وزوجته من ايطاليا ان ليس ثمة فائدة من اجراء عملية مناقصة لتتنافس عليها شركات البناء العالمية – بل يكفي ان تتولي حكومة السودان العمل بنفسها عن طريق مقاول يستورد العمال ويوفر المواد,
ويدير حركة الأعمال مقابل ان تدفع له حكومة السودان 10% عن كل مبلغ بصرف سواء كان قيمة للمواد او مرتبات للعمال , او أي اعمال اخري متعلقة بالبناء .
وكانت تلك فرصة لهذا المقاول فى الاغتناء والكسب غير المشروع !! فقد لاحظ مطر وبحاسته المتيقظة ان هذا المقاول يسرق مال القرض بدون وجه حق وبالتالي يسرق حكومة السودان ويحصل علي أموال طائلة عن طريق التزوير .
فهو علي سبيل المثال يتعاقد مع متعهدين لتوريد مواد العمل سواء كانت من الطوب او الأحجار او الأخشاب , ويطلب من المتعهدين تحديد السعر الذي يرونه مناسباً لهم بواقع المتر او الالف حسب مقتضي الحال , وتبعاً لذلك العقد – فيما تقوم شركة المقاولات – أي شركة السندريني بعمل عقد آخر باضعاف مضاعفة لمبلغ العقد الاصلي حيث يحصل المتعهد علي المبلغ الفعلي المتعاقد عليه فيما تكون ايلولة الفرق الكبير لشركة السندريني ! وهكذا تحصل شركة المقاولات علي مبالغ طائلة عن طريق التزوير والغش ! .
تساءل مطر وهو يكتشف هذه العملية الخطيرة .. ماذا انا فاعل ؟؟
أأبلغ ام اسكت ؟؟ أأكشف ام استر ؟؟ هل اقوم بدور العميل السري ؟؟ هل اكون خائناًُ لامانة الوظيفة ؟؟ هل اكون خائناً فى حالة الابلاغ ام فى حالة الصمت ؟؟ وهذا الاستنزاف لهذا القرض , وبهذه الكيفية علي مسئولية من يقع سداده ؟؟ او ليس علي حكومة السودان ؟؟ ومن موارد السودان ؟ .
اذن ان شركة المقاولات الايطالية تسرقنا من قبل ان تسرق الحكومة الانجليزية لان ذلك المبلغ سوف يكون ديناً علي اعناقنا نحن ابناء السودان .
وبناءا علي ذلك استقر راي مطر علي ضرورة فضح شركة المقاولات الايطالية ولهذا سافر فى سرية تامة الي الخرطوم حيث قابل مدير المخابرات المستر ولس وافضي اليه بكل ما عنده . وقد رحب مستر ولس بذلك ايما ترحيب – وطلب اليه ان يوافيه باي عقود من هذا النوع فى نهاية كل اسبوع – ثم نفحه بعض المال لتغطية نفقات الرحلة من سنار الي الخرطوم وبالعكس . وتوالت الرحلات
الماكوكية بين سنار والخرطوم فى سرية تامة حيث حصل مطر علي عقودات كثيرة وبمبالغ كبيرة , وكان كل ذلك يجري فى الخفاء لايعلم به احد .
كانت الرحلة تبدأ من سنار ليلا مساء السبت حيث يركب مطر الدواب الي سنار التقاطع , ويمكث الي منتصف الليل فى انتظار قطار الابيض الذي يصل فى تلك الساعة – حيث يركب ذلك القطار ليصل به الي الخرطوم فى السادسة صباحاً من يوم الاحد – ثم بعد انجاز مهمته يعود بذات القطار الذي يغادر الخرطوم عند الخامسة مساء ليصل الي سنار التقاطع عند الثانية صباحاً ليباشر مطر عمله كالمعتاد . وكانه لم يغادر .
كان مطر يسال نفسه : هل اصبحت مخبراً سرياً ؟؟ هل اصبحت جاسوساً مدسوسا؟؟ ولكنه يجاوب نفسه بنفسه : لا .. انا لست بالجاسوس .. ولست بالمدسوس, انا لم يجندني احد , بل من تلقاء نفس صرت عينا لوطني اري بها ما يحيق بالوطن من اذي فادفعه .
وحين اجتمعت لدي قلم المخابرات التقارير الكافية لدمغ تلك الشركة المختلسة تكونت لجنة برئاسة المستر (مدونتر باشا) مدير السكة حديد , وعضوية مستر (ركس) المراجع العام لحكومة السودان وموظفين اخرين فى حكومة السودان وبسرية تامة تحركت هذه اللجنة الي (مكوار) وامرت بايقاف العمل فى الخزان وبدأت تحقيقاً مع الشركة – حيث تكشفت لها الحقائق المذهلة , ووقفت علي حجم التلاعب الذي تم, وبناءاً علي ذلك طردت تلك الشركة واجريت مناقصة دولية بمواصفات محددة وكان العطاء من نصيب شركة بيرسون وولده الانكليزية المحدودة والتي استلمت العمل وقد استوعبت معها مطر الذي عمل معها بعض الوقت . ثم انطلق لا يلوي ليلبي هاجس السفر فى داخله ذلك الذي اججته حصص الجغرافيا فاظهر ولعه بالاسفار من خلال الزيارات الوهمية التي طغت علي فكرة وجعلته هكذا يقرر فجأة الانطلاق والسفر الي حيث تقوده الخطي التي كتبت عليه ! ومن الطبيعي ان من يريد السفر لابد من ان يعد له استحقاقاته الاولية من اعداد , وتجهيز وتحويل ووضع خطته وتحديد وجهته,
وقبل ذلك غرضه المستهدف , ولكن أي شئ من ذلك لم يتم .. دعونا نستمع لمطر وهو يحدثنا عن بداية رحلته قال : (عندما تركت بورتسودان وانا علي ظهر باخرة هولندية – اختبئت جيداً حتي اذا ادركت ان الباخرة قد قطعت شوطا بعيداً وانفقت زمنا معقولا فى عرض البحر عندئذ خرجت من مخبئي – خرجت من بين السناج واكوام الفحم والرطوبة لا تمشي علي السطح – كنت كذلك الطائر الاسطوري الذي يخرج من بين النار والرماد وما كاد البحارة يرونني وانا علي ذلك الحال المزري حتي الجمت الدهشة السنتهم وراحوا يتفرسون في هيأتي وفي الزي الغريب الذي يكسوني , واخذوا يتكلمون الي بلغة لا افهمها . ومن ثم قادوني الي القبطان .