الناقد د.عز الدين ميرغني : النقد موهبة كتابية وابداعية وليس حكرا على حملة الدكتوراة

حوار : محمد نجيب محمد علي

يعد الدكتور الناقد عز الدين ميرغني أحد أميز المشتغلين في الحقل النقدي السوداني في السنوات الأخيرة كما أن له حضورا متميزا في قراءة النصوص الإبداعية في مختلف أشكالها ، فهو كاتب راتب في العديد من الدوريات الأدبية العربية والسودانية صدر له كتاب البنية الشخصية في أدب الطيب صالح دراسة في روايتي موسم الهجرة وعرس الزين كما أنه أصدر كتابا نقديا بعنوان ( موسوعية المعرفة وجماليات اللغة في ديوان حاج الماحي )وبجانب ذلك فهو قاص ومترجم .

(*) – لماذا لا يواكب النقد في السودان الحركة الإبداعية فيه؟

النقد في السودان يعاني ومنذ الاستقلال وحتى الآن من قلة المواكبة لحركة الأدب والكتابة في السودان , ويعزى ذلك , لالتفات الكاتب السوداني لإظهار أدبه وإبداعه الخاص , لأن الكتابة النقدية تعتبر كتابة في موضوع عام وليس كتابة ذات خاصة . والكل كان يريد أن يثبت ذاته في الكتابة خاصة بعد الاستقلال . ولم يخلق ذلك الجيل نقاده لأن المعاصرة تعتبر حجاباً للجيل الواحد في الكتابة . فلم تنشأ مدارس نقدية تكون مفتتحاً للنقد السوداني . وحتى معاوية محمد نور لم يهتم بنقد الأدب السوداني . وإنما اهتم بالأدب المصري والإنجليزي . وتكرر هذا في كل الأجيال , وحتى الآن , خاصة وأن النقد وبمدارسه الحديثة , قد أهمل تدريسه في جامعاتنا كلها . فإما أن ندرس الأدب العربي القديم , أو الآداب الأوربية الكلاسيكية وحتى هذه نميل لتدريس الجانب اللغوي فيها . والآن مع توسع النشر والطباعة , صار المنتج الإبداعي اللاهث والمسارع , لا يجد حركة نقدية نشطة تواكبه ,و لندرة النقاد , وضعف البنيان النقدي المتين الذي يحلل ويتابع الحداثة في الكتابة في كل دروبها .

(*) – كتابات الشباب وخاصة في الرواية , تتجاوز كل الخطوط الحمراء , ومثال لذلك الروايات التي صودرت أخيراً في معرض الخرطوم الدولي للكتاب ؟

معروف بجنوح الشباب للكتابة المتمردة ومخالفة المألوف والمعروف فيها شكلاً ومضموناً . وهذا التمرد له ايجابياته وله سلبياته , ومن إيجابياته هو ظهور الأشكال الجديدة وثورات التجريب والتجديد لكسر الرتابة والجمود في الكتابة بكل أجناسها . والتي خلقت الكثير من المدارس الأدبية وخاصة في الرواية والقصة والمسرح وحتى في الشعر . ومن سلبياتها , هو أن يكون التمرد والثورة دعوة لتجاوز  أخلاق الكتابة ومعاييرها , وتحدي حريات الآخرين في أن لا يتأذوا من ما تكتب . لأنك تكتب للآخرين وليس لنفسك . صحيح بأن الكاتب لا يجب أن يرضي الجميع , ولكنك أيضاً لا يجب عليك أن تتجاوزهم كلهم . والبعض يتصنع جملاً وأحداثاً معينة وبعضها محشوة , لكي يُمنع نصه , ومن بعدها يجلب له المنع الشهرة والانتشار , وبهذا فهو لا يتحدى السلطة المانعة وإنما يتحدى ذوق القارئ الذي لا يمكن أن تثيره المشاهد الجنسية المبتذلة وخاصة في القصة والرواية . والرواية ليست فيلماً بنوغرافياً , مثيراً , وحتى هذه الأفلام لا يشاهدها إلا العجزة والجهلة في أوربا . وهذه الروايات قد تفتح الباب واسعاً لعلم النفس الأدبي , والذي قد يحلل شخصية الكاتب وإسقاطاته وحياته الخاصة ودرجة وعيه وتفكيره وحتى عقده النفسية .

(*) – نتحدث عن النقد الأكاديمي وهنالك من يرى فقدانه لروح الإبداع ؟

النقد الأكاديمي فهمها البعض خطأ , والبعض يريد للنقد أن يكون محتكراً من فئة حملة الدكتوراه في الأدب فقط . وهي دعوة ساذجة لم نسمع بها من قبل . فيمكن أن أكون حاملاً لشهادة عليا في النحو في أي لغة , ولكنني لم أقرأ رواية في حياتي , وهذا ما يحدث في بلادنا , فهل إذا كتبت عنها مقالاً يكون نقدي نقداً أكاديمياً . بل هنالك من كانت شهادته في الرواية والشعر ولكنه لا يستطع أن يكتب دراسة تحليلية رصينة عن أي رواية أو ديوان شعر حديث . القصد من هذه الدعوة هو الإقصاء والاحتكار لبازارات المسابقات والتحكيم وقفل باب النقد لكل موهوب , لأن النقد موهبة كتابية وإبداعية مثل القصة والشعر والرواية , لا تشترط في مبدعهما أن يكون حاملاً لشهادة عليا . هذا ويمكن أن نحاسب الناقد المتطفل عليه مثلما نحاسب الكتابة الإبداعية الضعيفة في كل الأجناس الأدبية الأخرى .

(*) – كيف قرأت الطيب صالح في كتابك الأخير عنه ؟

حاولت أن أقرأ الطيب صالح من خلال شخصياته الحية داخل روايتي موسم الهجرة للشمال , ورواية عرس الزين . ولكي أؤكد بأن في مجتمعاتنا الواقعية , شخصيات إنسانية مختلفة عن الواقع الذي تعيش فيه ولكنها في النهاية هي ابنة الواقع , وابنة المكان الذي تعيش فيه , حاملة لمحمولاته الثقافية . ومثل هذه الشخصيات هي التي تفتح للرواية الخلود والبقاء والشهرة . لأن الرواية الجيدة ليست مسلسلاً مثيرة أحداثه , وإنما أن تكشف الجوانب الإنسانية في المجتمعات , واختلاف الشخصيات فيها عن غيرها في هذا الكون العريض , مثل شخصية الزين والتي ذكرت بأنها شخصية لا توجد في أوربا , وإنما هي شخصية يصنعها مثل مجتمعاتنا فقط .

(*) – ماذا عن أدب الأنثى ؟؟ وكيف ترى كتابة المبدعات السودانيات في حاضر مجتمعنا الحالي ؟

فهم البعض , بأن المقصود بأدب المرأة , هو الكتابة الأقل من كتابة الرجل رغم أنها عقدة قد تلازم بعض الكاتبات . فأدب المرأة يشارك الرجل في الالتزام الشكلي بالكتابة في كل ضروبها فلا يوجد شكل روائي نسائي , وآخر رجالي . وتفعيلة وأوزان شعرية نسائية وأخرى رجالية . ولكن المضمون والمحتوى هو الذي دعي أصحاب مدارس النقد النسائي , وهي مدارس قامت في أوربا ,أميركا , ولقيت صدى كبيراً gender criticism  , دعاهم للمناداة بخصوصية الموضوع , وهو أن تكتب المرأة ذاتها دون وصاية , ودون خوف , ودون تقليد للمواضيع التي يثيرها الرجل , فقضية المرأة عند الرجل هي قضية عامة , ولكن يمكن أن تكون عندها هي قضيتها الخاصة . تكتبها بالصدق العاطفي , والشكل الفني الذي لا يفرق بين قلم المرأة وقلم الرجل . أما كتابة المبدعة السودانية , فلم تزل خائفة من سلطة الرجل . ومن المجتمع , وبعضهن خائف من النقد . فهنالك الكثير من القضايا الخاصة بالمرأة لم تكتب بعد . والكثير من النماذج النسائية تنتظر . رغم أن الرواية التي كتبتها قد بدأت مبكراً قبل الكثير من الدول العربية والأفريقية , ولكن هذه التجربة توقفت سنيناً عددا.

(*)- ماذا عن علاقة المبدع بالسياسة , فوزير الثقافة يقول نحن نحتاج لتثقيف السياسة ؟

ما تزال السياسة , تحارب الثقافة , لأن الثقافي دائماً في العالم الثالث لا يقبل بالسياسي , وقد يرى بأنه أحق منه بحكم البلاد . رغم أن السياسي يجب أن يكون مثقفاً , والمثقف يجب أن يتابع ما يفعله السياسي , حتى لا يترك له الحبل على القارب . والسياسي محتاج للثقافة حتى يكون ملماً بهوية وطنه ومميزاتها الثقافية . لأن الكون كله قد  أصبح قرية واحدة فرواية جيدة , أو حتى قصيدة واحدة يمكن أن تترجم إلي أغلب لغات العالم وعندما نثقف السياسة , فهنا تحدث المصالحة بينهما , فتنتفي عقدة التعالي من أحدهما على الآخر , وتسير الدولة على رجلين وليست على رجل واحدة كما يحدث ذلك في الكثير من بلاد العالم الثالث .

(*) – وهذا يقودنا إلي السؤال الكبير هل يوجد ربيع ثقافي عربي ؟

نعم يوجد ربيع ثقافي عربي , ولكنه يبدأ ويسير دون ضجة أو دون أن يقصى أحداً ويبعده كما تفعل السياسة . وهو قد بدأ قبل ما يسمى بالربيع السياسي , وهو الذي مهد له ودعي له , وساعد في قيامه , والشعر العربي الحديث أول من بشر به منذ عشرات السنوات , دعي للثورة على الظلم والتسلط والديكتاتورية , ولا يزال يفعل ذلك , وهو مؤهل بخطابه المباشر ووقوعه السهل وتأثيره القوى على المتلقي العربي , وسهولة حفظه وتداوله وانفلاته من الرقابة . فإن كان هذا هو زمن الرواية , ولكنه عند العربي هو زمن الشعر , الذي لم يستنفد أغراضه بعد . فقصيدة جيدة واحدة يمكن أن تصل إلي كل أصقاع العرب كما فعلت قصائد أحمد مطر ونزار قباني ومحمود درويش . وقد بدأت الرواية والمسرح في فضح كل تخلف واستبداد ولكن بحذر شديد وخوف من الرقيب . فالثقافة هي التي تقود التغيير دون أن تخلف ضحايا كما تفعل السياسة , لأن الثقافة لا تقصي , ولا تتعالى على أحد بل تحاور , فالحوار الثقافي أقوى وأدوم من كل حوار .

(*)- في مسألة الشعر والحداثة , لا تزال القصيدة العمودية هي الأكثر قبولاً عند العامة , فهل ستشهد الحداثة عودة للماضي ؟

الشعر الموزون والمقفى , هو الذي اتفقت على تسميته شعراً كل البشرية بمختلف لغاتها الحية . ولا يمكن إلغاءه بجرة قلم لأن طبيعة النفس البشرية تطرب للجمل المسجوعة والمقفاة والموزونة . فيمكن لأي سامع إذا قرأت له شعر المتنبئ لقال لك هذا الذي قلته هو الشعر . دون أن يكون حتى قد سمع به . وها فعلاً قد عاد الشعر العمودي يتخذ موقعه من جديد في خريطة الشعر العربي , وخاصة وسط الشباب , وصاروا يكتبونه محملاً بمضامين عصرهم وقضاياهم المعاصرة , فالشكل لم يكن ولن يكون يوماً من الأيام عاجزاً عن تقبل أي مضمون أو قضية بشرية جديدة . وما المسابقات والمهرجانات العربية الكبرى , إلا دليلاً على عودة الشعر العمودي . ولقد لقيت قبولاً جماهيرياً مقدراً في كل العالم العربي . ولا يمكن أن تحاسب شاعراً لأنه قد التزم بعمودية الشعر , وإنما يمكن أن نحاسبه باللغة التي استخدمها ومواكبتها للعصر وللغة الخطاب والتواصل اليومي , دون أن تكون سوقية ومبتذلة .

(*)- يشكو الكثير من الشباب من مسألة الرقابة على الإبداع فهل من ضرورة لذلك ؟

في الكتابة كما في كل جوانب الحياة لا توجد حرية مطلقة . ولا حتى في أعتا الدول ديمقراطية . فلا يمكن الإساءة للملكة أو الملك , ولا للكنيسة والبابا . ولا يمكن أن تكتب رواية وتذكر فيها بأن رئيس الوزراء كذا فاسد ومرتشي , وحتى دور السينما في كل أوربا لا يدخلها الأقل من ثمانية عشر عاماً حتى الآن . إذا الرقابة لا تعني التسلط وإنما الحماية حتى للمؤلف من أن يدخل في قضايا ومحاكم هو في غنى عنها . وبالطبع أحياناً تحميك الرقابة من اعتداء المخالف لك في الرأي والعقيدة , ولا يزال سلمان رشدي مختفياً منذ عشرات السنين ولا يعيش حياة البشر العاديين ولم تفده حرية الكتابة بشيء . صحيح أن الرقابة تختلف من بلد لآخر ولكنها موجودة . وضرورة أحياناً للحفاظ على الذوق العام . أما الرقابة فستكون ضارة وتأتي بالعكس إذا كان الرقيب خائفاً على سلطته , فقط , وهذا الرقيب قد يؤول أي نص في غير مصلحته , حتى ولو لم يقصد الكاتب ذلك . فإن الرقابة ستكون المعوق الكبير للإبداع ولحرية الكتابة .