الــذهــاب مِــن الغــزو الثـقـافـي إلـى العــولمـــة

إبراهيم إسحق إبراهيم
خلال الثمانينات مِن القرن العشرين دق عدد من الكتاب المعنيين بالمحافظة على هوية المسلمين، دقوا نواقيس الخطر مما اسموه (الغزو الفكري) القادم من الغرب.. وتسعفني ذاكرتي بثلاث كتب حملت ذات العنوان، واحد لكل من: محمد جلال كشك، والمستشار علي جريشة، والدكتور محمد عمارة.. وأجد في تمهيد محمد عمارة لكتابه (دار الشروق القاهرية 1989) مثالين معبّرين ببراعة عن المشكلة.. يقول عمارة أنّ إنسياب أسلوب الحياة الغربية، وخاصة القيم، إلى دنيا المسلمين أمرٌ قَسري، وهو في حُسبان المُحذِّرين والمنذرين بمثابة الجيش الزاحف على البيت الحضاري المسلم، في الوقت الذي يعتبر فيهِ المُسفِّهون لهذه التخوّفات الأمر بمثابة الماء والهواء الذي لا يحدهما في الدنيا حدود..

الغزو الفكري المخادع
هنا رؤيتان تتضادان.. المتأثرون بأيدولوجيات الغرب وتصوراته للوجود، والمنبهرون بأسلوب الحياة الغربية يقولون إنّ هنالك حضارة إنسانية عالمية عصرية واحدة، وإنّ ما عداها هي الرجعية التي مصيرها هو الإفناء. والمتمسكون بخصوصياتهم الحضارية يرفضون ذلك الطرح ويقولون أن هنالك «منتدى عالمي لحضارات متميزة» وتملك كل الأمم أنصبة في هذا «المشترك الحضاري العام» لأنه إنجاز بشري تاريخي تراكمت فيهِ إسهامات الأمم.. فكلٌ يسعى للحفاظ على هويته.. وأنّ أية محاولة لإلغاء هذه التعددية هي استعلاء وعدوان وهيمنة تأتيها الحضارة المتغلبة على الضعفاء المستسلمين.. والحل يوجد في الرضى بالتمايز الحضاري وبالتعددية الحضارية التي لا تنفي المشترك الإنساني العام (محمد عمارة، السابق : التمهيد).
أصحاب التمسك بالتعدد الحضاري يرفضون شيئين هاهنا.. فهم لا ينادون بانغلاق حضاراتهم.. لكنهم أيضا لا يرتضون لثقافاتهم أن تُمسخ وتُشوه وتُستتبع للحضارة الغربية من خلال اختراقات الغزو الفكري.. والخيار، حسب محمد عمارة هو: «ان من الفكر ما هو بمثابة الجيش، لا بد وان تلتزم حركته الحدود، وإلا كانت هذه الحركة غزوا فكريا، تستوجب الرفض والصد والمقاومة والتحصين.. ومن هذا الفكر ما هو بمثابة الهواء، لن يؤدي منعه من عبور الحدود – على افتراض تصور إمكانية هذا المنع – إلا إلى الاختناق (السابق)..
الملاحظات التي يركز عليها محمد جلال كشك وعلى جريشة ومحمد عمارة، في ثمانينات القرن العشرين كانت لا تزال تحت المتابعة والضبط النسبي، من خلال مراقبة الدولة القطرية للمطبوعات التي تدخل عبر حدودها، والسيطرة على البرامج الإذاعية والتلفزيونية والأشرطة السينمائية بالتقنيات التي كانت لحدٍ ما ذوات فاعلية في الثمانينات من القرن الماضي.. ولم تكن مهددات العولمة الشاملة قد ظهرت يومئذ، والتي ما بانت بجلاء إلا في التسعينات مِن القرن المنصرم.. ومع ذلك فالقرن الحادي والعشرون يشهد ضغطا مزدوجا للاختراق الثقافي، إذ أن عوامله الفاعلة في الثمانينيات لا تزال سارية المفعول، كما أدوات اختراقات العولمة البادئة في التسعينات تشتد وتقوي وتنتشر..
محمد عمارة مفكر ضخم وآراؤه حرِية بأن تعتبر شاهدة على النظرة الحضارية التي تحاجج من أجل الخصوصية في الثقافة الإسلامية.. ومن هنا فإن المؤيدين والمتوافقين مع رؤياته ليسوا بالأقلية المستضعفة في بلاد الأغلبيات المسلمة.. ونحن نراه يُلخِّص محاذيره على الغزو الفكري الغربي في عدة نقاط، ولعلي لم أقع على ما عداها.. فأولها : هو فصل العلم والعقلانية عن العقائد والأخلاق.. والخطر هنا هو أن العقلانية الغربية قد يؤدّي الأخذ بكل حجاجها إلى رفض الغيبية التي لا يقوم الدين الصحيح بدونها، وإلى النسبية الأخلاقية التي تجعل الصالح من الوسائل ليس ما يرتضيه المنهاج الرسالي ولكن ذلك الذي يوصل صاحبه إلى مبتغاه الدنيوي.. وثانية المحاذير، حسب محمد عمارة، هو ما يتعارض مِن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مع المنهاج الرسالي.. فكل افعل ولا تفعل في نصوص المنهاج الرسالي هو فوق مستوى الوضعية العقلية لأفكار امانويل جوزيف سييس الفرنسي وتوماس جفرسون الأمريكي وما تقنّن حول أفكارهما من استحقاقات يعتبرونها طبيعية للإنسان.
وثالثة المحاذير هو : التوازن بين حرية «لا إكراه في الدين» و ضرورة «حماية النظام العام في المجتمع».. وتجذير هذا التوازن في الإرث الفقهي يبدو سهلا.. فالمنافق والزنديق لا يُحاسَب على مستوى ضميره، لكنه يوضع عند رتبة «المحارب» للمجتمع إذا ما بدأ في نشر عقيدته المتعارضة مع الإجماع المرتضي للأمة.. وهذا يعني أن المسلم العصري المتشكك والملحد واللاإدري لا يُطارد باحاديث «المرتد» حتى يذهب إلى نشر «الفتنة» بين المسلمين بالأقوال وبالأفعال الترغيبية للآخرين.
ورابعة: المحاذير هو حقوق المرأة.. ويستشهد محمد عمارة بعصر النبوة ليؤكد بأن المرأة المسلمة تحقق لها ما يرد في الآية 228 من سورة البقرة : « ولهُنَّ مِثلُ الذي عَلَيهِنَّ بِالمَعرُوفِ وللرِّجالِ عَلَيهِنَّ درجة «.. وفُسّرتْ تلك الدرجة بالقوامة التي لا تعني غير القيادة في شؤون الأسرة.. وليست هنالك جماعة بلا قيادة.. لكنّ الكثير مِن المجتمعات المسلمة إبتدعتْ تاريخياً ثُلّة من التقاليد أضاعت بها حقوق المرأة في التعليم وفي التوظيف وفي المشاركة في الحياة العامة.. فلمّا تواصلت الثقافة الإسلامية مع الثقافات الغربية بأواخر القرن التاسع عشر وما بعدهُ، عنَّ لبعض «المتغربنين» أن علاج الخطأ الواقع على المرأة المسلمة يجب أن يساوق ما تناله المرأة الغربية من المكاسب.. ومفكروا الإسلام يقولون أن الرجل والمرأة في الإسلام يتكاملان ويتساويان في موجّهات الحقوق والواجبات، لكنهما لا يتماثلان كَنِدَّين أي ليس كما يحصل للمرأة في الغرب.. فحرّية المرأة والرجل في الإسلام تنضبط بالمنهاج الرسالي. والحريات التي نالتها المرأة في الغرب أضاعت حقوقها وحقوق المجتمع في التحصُّن الأخلاقي وكرامة الإنسان الممنوحة من الخالق.
ليس لي فيما عرضته ها هنا إلا شيء من إعادة التشكيل، فالآراء هي لمحمد عمارة.. وكما تقدم فإن الإختراق الثقافي يمكن إجماله في مرحلتين.. كان غزواً ثقافياً في الثمانينات من القرن الماضي، ثم تحوّل إلى عولمة بعد التسعينات..
العولمة وتطبيعها القسري
إنسلخ جلد الغزو الفكري المرعب في ثمانينات القرن العشرين فطلع منه في التسعينات غول العولمة.. وكما أوضحنا سابقاً فإنّ المتمسكين بخصوصيتهم الحضارية يرفضون للعولمة تعميماتها.. الفرنسيون يرفضون العولمة الأمريكية، رغماً عمّا بين الثقافتين الأوروبية والامريكية من المشترك الديني أو اللا ديني.. لماذا يُخصِّص المسلمون أمر الدين؟ الجواب نجدهُ عند البروفيسور جعفر شيخ إدريس، بخبرته الفكرية العالمية، إذ يُنَبِّهنا إلى أنّ «الدين هو أهم العناصر المكونة للحضارة».. ولسبب مِن ذلك فستبقى هنالك خصوصية في الثقافات المسلمة والهندوسية والبوذية والكنفوشية، طالما يَثبَتْ العدد الكافي منهم على ذلك الدين.. وبتلك المحورية للدين في الخصوصية الحضارية، يتفق جعفر شيخ ادريس مع صمويل هنتخجتون على أن «الحضارة هي أعلى تجمع ثقافي للناس، وأوسع مستوى للهوية الثقافية لهم، وليس فوق الانتماء الحضاري للناس إلا انتماؤهم إلى الجنس البشري (الإسلام لعصرنا 2002 دار البيان بالرياض: ص 135).
العقلاء من المسلمين ظلوا يطلبون العولمة المعرفية مع الغرب منذ زمن رفاعة الطهطاوي (1873-1801) لكنهم كانوا يُغربِلون العولمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية والدينية والأخلاقية.. فالتقدم الغربي في هذه المجالات يخادعنا نحن المسلمين بإبهارنا من خلال «العلمية» التي يدعونها لأبحاثهم في هذه الحقول.. المفكر المصري محمد قطب يوضح لنا هذا التخطيط الغربي في قوله: «إنّ النموذج الحضاري القائم اليوم يشكل فتنة كبيرة للناس. ففيه من ألوان التقدم ما هو نافع حقيقة للناس، ولازم لهم لكي يرتفع مستواهم الحياتي، وفيه في الوقت ذاته انتكاسات روحية وخُلقية تهبط بالناس إلى درك أحط من الحيوان.. والناس لهبوطهم إلا من رحم ربك – يأخذون الأمرين معاً، على أنهما – معاً – هما التقدم والرفعة والرقي!! ومن أجل ذلك لا يحسون في لحظة الإنتكاس أنهم منتكسون، بل يظنون أنهم ماضون في طريق الرفعة ما داموا يمارسون ألوان التقدم التي تتيحها لهم هذه الحضارة (المسلمون والعولمة 2000م الشروق القاهرية ص 48).
إذن فما هي العولمة؟ وما هي آلياتها الخارقة للحضارات الهشة؟ البروفيسور السعودي عبد الرحمن الزنيدي يُعرِّف العولمة بأنها : «ذلك التوجه وتلك الدعوة التي تسعى إلى صياغة حياة البشر في مختلف الأمم وفق القيم والمسالك والأنماط الغربية – وبالدرجة الأولى الأمريكية- وتحطيم خصوصيات الأمم المختلفة لها أما بالترغيب أو بالترهيب، وهو التوجه الذي أصبح الصيحة الفكرية في تسعينات هذا القرن الآفل»..
ثمّ لنلخّص من عند بروفيسور الزنيدي كيفيات عمل آليات العولمة، إذ يُحذِّرنا : «الأمّة التي لا تبدع لنفسها أفكارها – وفق ثقاتها – وتثق بها وتُعلي من شأنها لن تكتشف ذاتها وطريقها للمستقبل.. فإذا توقفت الأمة عن العطاء بدأت بالأخذ والتلقي من غيرها ثم التسوّل على موائد الآخرين، أي أنها أعملتْ في نفسها سبب فنائها وذوبانها الذي يسير شيئاً فشيئاً حتى تحين وفاتها.. والأمر على مراحل.. تبدأ الأمة في المرحلة الأولى بأخذ الأشياء المادية صناعية وحربية أخذاً استهلاكياً.. ثم في المرحلة الثانية تأخذ العادات المادية كأشكال اللباس والأثاث وأشكال الطعام.. ثم في المرحلة الثالثة تأخذ القيم والمقاييس الاجتماعية والخُلقية.. واخيراً تأخذ هذه الأمة العقائد والتصورات، فتكون قد ذابت ذوبانا كاملا وانمحت شخصيتها السابقة» (العولمة الغربية والصحوة الإسلامية 2000م دار أشبيليا بالرياض، ص66)..
والآن إلى درجات المسؤولية التي في أعناقنا، على مراتبها.. في دولنا النامية من الواجب على الحكومات الواعية أن تقاوم أفاعيل سحب سيادتها على أوطانها، كما يفعل مجلس الأمن، لصالح القوى العظمى.. فهذه واحدة من أدوات العولمات السياسية.. وعلى الصعيد الاقتصادي يلزم للحكومات الضعيفة ألا تستسلم للنهب الذي تقوم به الشركات العملاقة المتعدّية للجنسيات.. ويبقى من واجبات الحكومات ألا ترضخ لكل الضغوط بإسم حقوق الإنسان حتى تنكص عن ثوابتها الحضارية في شؤون الحريات والأخلاق والترتيب الأسري.. أمّا في درجة المسؤولية الأسرية والفردية فيُواجَه أهل هذه الأجيال بالرغبة العنيفة لدى عدد مِن المسلمين، والناشئة بينهم، نحو مُسايَرة الإنفتاح على العصر والمراهنة على الحداثة.. ويجد هؤلاء ضالتهم في الآفاق المفتوحة لوسائط الإعلام الجماهيري وعبر وسائل الاتصال الرقمي.. وهنا تفقد الدولة والأسرة وما بينهن القدرة على مراقبة الناشئة وتوجيههم نحو ما يصلح لهم، حسب المنظور التراكمي للثقافة الجمعية في الوطن.. ويمكن للتلقي الحر الذي تمارسه الناشئة أن يطيش بالمعهود من القيم والأخلاق والقناعات لديهم، ليكتسبوا – على نمط سد الفراغات في وجدانهم – قيما وأخلاقاً وقناعات تتدفق عليهم مِن طوفان الإعلام العولمي الكاسح.. وهكذا قد لا تعود الإرادة الجمعية للأمة هي الكفيلة والمُوجِّهة للتربية والتوجيه.. وقد تعاني الأسرة نفسها أشد العناء إذا ما أصرّتْ على المحافظة على الميراث الاعتقادي والأخلاقي والقيمي لدى شبابها.. فأساليب المنع قد لا تُجدِي، لأنّ الناشئ يستغل حقه في الخصوصية، فيبتعد عن المراقبة وينفتح على الأثير الذي يَحمِل له أينما يوجد ذلك الذي يرغب في سماعه ومشاهدته..
لكنّ الأمل يبقى أيضاً.. فوسائل الاتصال الحديثة تفتح مدىً غير متوقعاً للمواعظ الدينية الإسفيرية.. والأمر هنا يخضع لمجهودات الأسرة. فالناشئ ربما يصيبه الملل والضياع، ويدعوه داع نحو ذلك الاستقرار النفسي والطمأنينة التي يراها لدى أبناء جيله ممن لم يسلكوا مسلكه.. وعندئذ سينحاز إلى الاستقامة، وسيغادر إضاعة الوقت على منافذ العولمة الطليقة، ليتعرّف على شيوخ وشيخات القنوات الوعظية مثل (إقرأ) (والرسالة) وما عداهما.. وهكذا يتكفل الله تعالى بحفظ الدين في جميع الأحوال والأزمان.. فالرقميّة مُسخّرة للباطل عند بعضهم، ومُسخّرة للوعظ الديني عند البعض الآخر.. ولله في خلقه شئون..
الثورات 30/10/2015م