فصل النيابة العامة.. إمتحان الشفافية الأول

عبد العزيز النقر
دار جدل كثيف داخل ورشة عمل مشروع قانون النيابة العامة لسنة 2015م، والتي أقيمت بالتعاون بين وزارة العدل ومعهد العلوم القضائية والقانونية، وتحت رعاية النائب الأول لرئيس الجمهورية رئيس اللجنة العليا للإشراف على تنفيذ برنامج إصلاح الدولة، بهذه اللافتة الكبيرة كان الجدل محتدماً بين الشرطة التي تعتبر أن القانون تجاهلها تماماً بالإضافة إلى إعطاء النيابة العامة سلطات أوسع، بينما رأى عدد من وكلاء وزراة العدل والقانونيين السابقين والحاليين أن القانون أتى متأخراً بينما أمنوا على الجوانب الفنية والإجرائية داخل القانون، الذي يتكون من أربعة عشر فصلاً و(62) مادة، كانت السمات العامة لمشروع القانون إنشاء سلطة مستقلة تسمى النيابة العامة ومنحها الشخصية الإعتبارية يتولاها نائب عام يعنيه رئيس الجمهورية بناء على توصية المجلس الأعلى للنيابة العامة بموافقة الهئية التشريعية القومية وتكون فترة تولى منصب النائب العام خمس سنوات قابلة للتجديد مرة أخرى.

(2)
منح سلطة التحري والتحقيق والإتهام للنيابة العامة دون غيرها مع جواز تكليف شرطة الجنايات العامة بما تقدم وفقاً لما تقرره النيابة، وفي هذه الحالة تكون شرطة الجنايات تابعة للنيابة العامة وخاضعة لإشرافها، فيما يتعلق بممارسة تلك الصلاحيات، كما أطلق مشروع القانون يد النيابة في الرقابة على أماكن الحبس التابعة للشرطة، وشرطة السجون وجهاز الأمن والمخابرات الوطني، وغيرها من أماكن الحبس وعلى الدور المخصصة لأحداث ذلك القيام بإجراء زيارات لها والإطلاع على دفاترها وأومر القبض والحبس وتلقي شكاوي المحبوسين والتحقيق فيها وإتخاذ ما تراه مناسباً بشأنها، وحماية المصلحة العامة بالإضافة إلى القيام بالملاحقات القضائية المتصلة بالجرائم التي يرتكبها الموظفيين العموميين خاصة فيما يتعلق بالفساد وإساءة إستعمال السلطة والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، تطرق القانون كذلك إلى الإجراءات المختصة بإستقلال النيابة العامة وحصانة وكلاء النيابات.
(3)
إعتبر مولانا صلاح الدين عبد الله محمد المدعي العام الحالي فى ورقته تجربة النيابة العامة في ظل قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م أن مهام النيابة العامة فى القانون وفقاً لنص المادة (33) فى تحريك الدعوى الجنائية والإشراف عليها (تفتح الدعوى الجنائية بناءً على علم من الشرطة الجنائية العامة أو وكيل النيابة) وهو ما يعني أن الدعوى الجنائية أصبحت من مهام النيابة التي تمارسها فى ثلاث أشكال، وهي علم وكيل النيابة أو بناءً على بلاغ يقدم للنيابة من أي شخص منوط به حفظ الأمن أو من مواطن حال الجريمة تتعلق بالحق العام أو بناءً على شكوى من شخص متضرر أو في من وقعت الجريمة فى نطاق مسؤوليته كذلك، من مهام النيابة تولي الإدعاء العام ودورها في حفظ الأمن والسلامة العامة، وفقاً لفقه التشريع فإن النيابة في مجمل سلطاتها العامة بموجب إحكام هذا القانون يرمي إلى تحقيق هدف سامي ونبيل وهو حماية حقوق الأفراد وحرياتهم الشخصية ومعتقداتهم الدينية والثقافيه والسياسية، كما أن دورها فى حفظ السلام العام لا تعارض مع حماية حقوق الإنسان كما أن القانون رسم دور مزدوج للنيابة مكنها من مراعاة التوازن بين مصلحة المجتمع ومصلحة الفرد وفقاً لقانون الإجراءات الجنائية الذي يجب على النيابة مراعاتها، وأولها أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته، إخطار أي شخص بأسباب القبض عليه، لا يجوز توجيه إتهام ضد أي شخص بسبب فعل أو إمتناع عن فعل ما لم يشكل جريمة كما يحظر الإعتداء على نفس المتهم أو ما له ولا يجوز إجبار المتهم على تقديم دليل ضد نفسه، كما أن وكيل النيابة يراعي الرفق كلما تيسر ولا يلجأ لممارسة سلطات الضبط إلا إذا كانت ضرورية.
(4)
تشير ورقة المدعي العام إلى أن المعوقات التي صاحبت تطيبق تجربة النيابة العامة فى السودان منها إلغاء النص الخاص بإنشاء شرطة النيابة الجنائية وتعديل سلطة النيابة فى التحري إلى سلطة الإشراف على التحري وتولي التحري في أحوال معينة بينما تتولى شرطة الجنايات العامة التحري فى الدعوى الجنائية، كذلك تبعية النيابة العامة لوزارة العدل التى يترأسها وزير العدل يجعلها غير مستقلة عن الجهاز التنفيذي وهذه التبعية تجعلها مخالفة لمعايير العدالة الجنائية الواردة فى المواثيق والمعاهدات الدولية، كذلك ضعف البنية التحتية للنيابات ظل يصاحبها منذ بداية تطبيق قانون الإجراءات الجنائية لعام 1991 حيث ظلت النيابة تباشر أعمالها بأقسام الشرطة ومقار غير تابعة لوزراة العدل كما أن الذي تم تشيده مؤخراً لا يتناسب مع ولايات السودان، كذلك تدريب وكلاء النيابات ووضع برامج تدريبية موحدة لوكلاء النيابات فى مداخل الخدمة وعقد دورات تدريبية مستمرة للكادر العامل فى النيابة.
(5)
فيما شددت ورقة العمل التي قدمها المحامي نبيل أديب المتعلقة بفصل منصبي وزير العدل والنائب العام في القانون المقارن، والتي طوفت بنماذج لهذا القانون أوصت بأن يتم فصل بين منصبي النائب العام ووزير العدل وعلل أديب بأنه بالرغم من أن التجارب الأخرى لا تتطلب ذلك الفصل لتحقيق إستقلال النائب العام عن السلطة التنفيذية غير أن هذا الفصل ضروري في السودان خاصة وأن مبادئ الديمقراطية ليست عميقة الجذور بين السلطات الرسيمه أو عموم السكان بإعتبار أن الموظفين القانونيين المعينين سياسياً يميلون إلى الخلط بين مصالح الدولة التي يفترض أن يخدموها مع الإعتبارات الحزبية الضيقة، كما أن الناس أنفسهم عرضة للإنحياز السياسي أو العرقي أو الديني، معرفة المسؤول أن السماح للولاء الحزبي بالتأثير على قرار رسمي يبعث على إستهجان الشعب وهو جزء منهم من الرقابة والمساءلة، ونبه أديب إلى فصل النيابة العامة عن وزراة العدل يجب أن يتبعه إعادة إصدار قانون وزارة العدل ليستوعب المتغيرات التي سيخلقها قانون النائب العام وتحديد العلاقة بين وزير العدل والنائب العام.
(6)
حالة الجدل الذى خلقه مشروع القانون فى الورشة التي إعتبرت الشرطة أن القانون إستلب سلطتها، من جهته تخوف مولانا عبد الدائم زمراوي من وضعية المجلس الجديد حال لم يتم تحديد وضعيته المالية المستقلة خاصةً وأن القانون ألزم وكلاء النيابات بالجلوس لمدة عامين ثم تخييرهم، أما الرجوع إلى وزارة العدل أو الإستمرار، وزير العدل مولانا عوض إعتبر أن القانون لا يتعارض مع مهام وإختصاصات الشرطة وأن القانون يعمل على تنظيم عمل النائب العام، خاصةً وأن جميع المناقشين في الورشة أمنوا على ضرورة إعادة النظر فى قانون الأحوال الجنائية لعام 1991م، وهو ما أكده وزير العدل بأن إعادة النظر في قانون الأحوال الجنائية يتم بالتشاور مع كافة الأطراف.