غازي صلاح الدين.. صديق (الأمس) عدو (اليوم)

أكرم الفرجابي
البعض كان يظنه (كمبارساً) لشيخه الذي علمه السحر، حينما تولى منصب الأمين العام للحزب في العام 1996م، ولم يمض فيه سوى أشهراً معدودات حتى تم تنصيب الشيخ حسن الترابي بديلاً عنه، واليوم بعد أن خرج د. غازي صلاح الدين من الحزب وحدث التقارب بين (القصر) و(المنشية)، أصبح الرجل من أشرس المعارضين لحزبه السابق، للدرجة التي جعلت الأمين العام للحركة الشعبية – قطاع الشمال – ياسر سعيد عرمان يصف المشهد بأن: (غازي إستلم وردية المعارضة من الترابي)، خصوصاً أن الحركة الإسلامية ظلت هي القاسم المشترك بين السلطة والمعارضة منذ مفاصلة الإسلاميين الشهيرة أواخر القرن الماضي، إذ حملت صحف الخرطوم الصادرة بالأمس خبراً مفاده أن حركة الإصلاح الآن التي يقودها د. غازي صلاح الدين قررت إختبار التوجيهات الرئاسية التي أطلقها الرئيس البشير من خلال كلمته في مؤتمر الحوار السبت الماضي، بتنظيم ندوة جماهيرية في الخرطوم، تماشياً مع المثل الشعبي القائل: (أبو القدح بيعرف محل يعضي أخو)، في إشارة إلى أن د. غازي صلاح الدين كان جزاءاً من هذا النظام ويعرف جيداً الأدوات التي يمكن أن يختبر بها صدق نواياه.

تحدي السلطات:
قالت حركة الإصلاح الآن إن السلطات الأمنية رفضت منحها تصديقاً لإقامة ندوة جماهيرية بأحد الميادين في الخرطوم بحري اليوم السبت، فيما تمسكت الحركة بتنظيم الندوة مساء الثلاثاء المقبل رغم رفض الشرطة، وأكدت حركة الإصلاح الآن في بيان نقلته (سودان تربيون) أنها تقدمت بطلب لدى السلطات للتصديق لقيام ندوة بميدان الرابطة في ضاحية شمبات بالخرطوم بحري، لكن السلطات رفضت منح الحركة التصديق بإقامة الندوة، وتابع البيان الممهور بتوقيع المتحدث باسم الحركة أيمن حازم: لتثبت هذه السلطات بممارستها تلك أن قرار رئيس الجمهورية ببسط الحريات ليس إلا من قبيل الإستهلاك السياسي وأن الحكومة ما تزال تعمل على تكميم الأفواه وسلب الحريات، وأوضحت الحركة أنها سلمت رئاسة شرطة محلية بحري خطاباً ثانياً الخميس، قبل أن تؤكد أنها بصدد إقامة الندوة يوم الثلاثاء بميدان الرابطة شمبات ببحري، بعد أن سلمت رئاسة الشرطة إخطاراً بالندوة التي كان من المزمع قيامها اليوم، إلا أن رئاسة الشرطة قامت بالرفض شفاهة، وقالت حركة الإصلاح الآن إنها ستواصل طريق المدافعة السلمية وفضح ادعاءات الحكومة، وتؤكد أنها لن تتخلى عن حقها في الإلتقاء بأبناء شعبها، الأمر الذي فسره بعض المراقبين بأن د. غازي صلاح الدين يرغب في إختبار التوجيهات الرئاسية إطلاقها الرئيس البشير في مؤتمر الحوار السبت الماضي بمنح الأحزاب حقها في ممارسة العمل السياسي.
المفاصلة الثانية:
سبتمبر من العام 2013م، كان شاهداً على انشقاق مجموعة الإصلاحيين بقيادة غازي صلاح الدين عن حزب المؤتمر الوطني، الفعل الذي طرح حزمة من التساؤلات حول مستقبل الحزب الحاكم في ظل المشكلات والتباغض بينه وبين كثير من مكونات البلاد السياسية والفكرية، رغم إعلان الحزب وقتها عدم تأثره بالمنشقين الذين يمثلون ركائز فكرية أساسية، لكن يبدو أنه سيتأثر الآن من المفاصلة الثانية التي تعود تفاصيلها إلى المذكرة التي قدمها «31» من قيادات وعضوية الحزب في السابع والعشرين من سبتمبر 2013م، على خلفية المظاهرات التي انطلقت بالعاصمة الخرطوم وعدد من الولايات، إثر السياسات الاقتصادية التي قضت برفع الدعم عن المحروقات، ومن ثم خرج قرار اللجنة التي كونها الحزب للتحقيق معهم إلى فصل كل من غازي ورزق وفضل الله، وتجميد عضوية «6» آخرين أبرزهم عضو المجلس الوطني سامية هباني ومسؤول أمانة دول البلقان أسامة علي توفيق، ليؤمن المكتب القيادي للحزب على توصية اللجنة، وكذلك شورى الحزب التي سارت على ذات المنوال غير أنها أمهلت المعنيين عشرة أيام للاعتذار والأوبة للحزب مجدداً، غير أن الإصلاحيين سرعان ما أعلنوا عن رفضهم للمهلة وأنهم قد أحرقوا مراكب العودة بقولهم إن الافتراق عن حق خير من الاجتماع على الباطل.
سيناريو الفصل:
رغم أن الحزب الحاكم له لوائحه ومؤسساته التي يتم اختيارها بالانتخاب في الظاهر، إلا أن الحزب كان من الأول صنيعة النظام: يحدد من ينتمي إليه كما يحدد من يتخذ القرار فيه، وعلى سبيل المثال فإن اختًيار د. غازي صلاح الدين أمينا عاماً للحزب عام 1996، ثم استبداله بالشيخ حسن الترابي عام 1998 تم من قبل أجهزة الدولة ولم يكن الانتخاب إلا مسألة شكلية، وفقاً لمقال كتبه د. عبد الوهاب الأفندي لموقع (سودانايل) الأمر نفسه أثبتته (مذكرة العشرة) التي وقعها عشرة من أعضاء مجلس شورى المؤتمر الوطني عام 1998 وطالبوا فيها بتقليص صلاحيات الأمين العام وقتها الشيخ الترابي، فهذه المذكرة وقعت حسب لوائح الحزب، وتم تقديمها لمجلس الشورى الذي أجازها، وبالتالي لم تعتبر خروجاً على الحزب وإنما ممارسة للديمقراطية في إطاره، ولكن قيادة الحزب ممثلة في الشيخ الترابي، كانت أعلم بالأمور، وفهمت الخطوة بأنها تمرد، خاصة وأن بعض قيادات الدولة دعمتها سراً وعلناً، بنفس القدر فإن ردة فعل النظام السوداني العنيفة على ما سمي بمذكرة الإصلاحيين في المؤتمر الوطني، ثم رسالتهم المفتوحة لرئيس الجمهورية بعد احتجاجات سبتمبر يجب ألا تكون مستغربة، فقد أعد الإصلاحيون اعدوا مذكرات بمطالب ومقترحات أرادوا تقديمها لرئيس الحزب والدولة الرئيس البشير، ولكن الأخير أعلن أنه أعد لجنة برئاسة رئيس البرلمان وقتذاك أحمد إبراهيم الطاهر طلب أن تقدم كل المقترحات لها، وهو ما رفضه أصحاب المذكرة، وأصروا على تقديمها للرئيس شخصياً وبحسب المعطيات فإن طلبهم لقاء الرئيس لم تتم الاستجابة له حتى تفجرت المظاهرات ضد سياسات الحكومة الاقتصادية، مما دفعهم لنشر رسالة مفتوحة للرئيس يطالبون فيها بتطبيق المطالب التي اشتملت عليها مذكرتهم، الأمر الذي أدى في آخر المطاف إلى فصلهم.
بتر أعضاء الإصلاح:
لم تكن مذكرة الإصلاحيين التي ألقت بقادتها خارج عرين الحزب الحاكم، هي المرة الأولى التي يدفع فيها تيار الإصلاح داخل المؤتمر الوطني بمذكرة يمكن تصنيفها على أساس أنها احتجاجية لتغيير الأوضاع داخل الحزب، فقد دفع قادة التيار من قبل بمذكرات أحدثت ردود أفعال واسعة داخل الحزب وخارجه، لكنها المرة الأولى التي يقود فيها الإصلاح إلى الخروج من جلباب الحزب منذ مفاصلة الرابع من رمضان الشهيرة، حينما كشف قيادي بارز بالمؤتمر الوطني أن لجنة المحاسبة التي كونها الحزب توصلت إلى قرار بفصل الموقعين على المذكرة الإصلاحية نهائياً من الحزب، وقال القيادي الذي فضل حجبه اسمه آنذاك، أنه تقرر فصل الذين تقدموا بالمذكرة الإصلاحية من المؤتمر الوطني نهائياً باستثناء الذين أنكروا صلتهم بها أمام لجنة المحاسبة، مضيفاً أن اللجنة سعت بقرارها تأكيد الانضباط التنظيمي، فيما يرى آخرون أن لجنة المحاسبة اعتبرت مذكرة الإصلاحيين وتقديمها في ذلك الوقت خيانة عظمى وطعن للحزب من الخلف، لجهة أن الحزب يمر بمرحلة تحتاج إلى مساندة قوية من القيادة والقاعدة في ظل تنامي أعداد الموقعين على المذكرة التي تمخضت عنها الحركة.
شهرة المذكرة:
المتابع لمجريات الأمور يلحظ أن الظروف التي تخرج فيها المذكرات الإصلاحية هي التي تعطيها الشهرة والقوة الفارضة بخلق مساحة يمكن أن تتمدَّد عليها على خلفية الرأي والرأي الآخر المرفوض من قبل المؤتمر الوطني الحزب الحاكم، وبحسب بعض الراصدين لجناح الرفض أنه استطاع أن يقنع الحزب بصورة أو بأخرى إتاحة السانحة للآخر وضرورة توسيع قاعدة المشاركة حتى من الأحزاب الأخرى، وفي ذلك قد أسفرت المذكرات عن لقاءات كثيفة قادها حزب المؤتمر الوطني مع الأحزاب السياسية الأخرى واستطاع أن يصل معها لتفاهمات أدت لمشاركة بعضها في الحكومة وقتذاك بعد أن قطعت مشاورات الوطني والأحزاب شوطاً كبيراً، بيد أن مذكرة الإصلاحيين داخل الوطني جاءت في ظروف حسبها البعض بالمفصلية في تواجه فيها البلاد صراعات البقاء والحفاظ على عافيتها الاقتصادية، في وقت يشير فيه البعض إلى أن المؤتمر الوطني دأبت ساحته دوماً في مثل هذه الظروف أن تشهد مذكرة احتجاجية من الجناح الإصلاحي فيه لطالما كانت حبراً على ورق لا تأتي بجديد بعدها، لكن ثمة من كان يرى أن ظهور مذكرة الإصلاحيين بقيادة غازي صلاح الدين في ذلك التوقيت والإجراءات التي اتخذت ضدها ربما تكون سبباً في إكسابها الصبغة التأييدية الأوسع داخل المؤتمر الوطني وخارجه، وهذا ما حدث بالفعل حيث لم يمض على المذكرة وقتاً طويلاً حتى أسس غازي صلاح الدين وجماعته حركة الإصلاح الآن، لكن إذا ما نظرنا إلى المخرجات نجد أن المسافة بين آخر مذكرة دُفعت للساحة من تيار الإصلاح داخل الوطني ومذكرة غازي هو اقتسامهما للظروف المواتية التي يمر بها الحزب، الفعل الذي أعطاها الشهرة المطلوبة وأكسبها أشواق التيار الغالب من الأعضاء.
حرب التصريحات:
ثمة تصريح شهير للقيادي بالمؤتمر الوطني حالياً د. نافع علي نافع، ونائب رئيس الحزب لحظة المذكرة الإصلاحية التي تقدم به د. غازي صلاح الدين، يقول فيه: محذراً إن كل من يخرج عن الحزب سيندم ويأكله الذئب مؤكداً أنه ليس للأفراد حق فرض آرائهم على الحزب أو على الدولة مهما كانت الظروف، وأشار نافع بذلك إلى أن من خرج من عضوية الوطني لم يجنوا غير البوار، لكن الناظر لتصريحات غازي صلاح الدين في الندوة التي أقامها تنظيم «سائحون» بولاية القضارف وقتذاك، كأول حراك إصلاحي للمجموعة خارج العاصمة الخرطوم والتي تحدث فيها غازي صلاح الدين القيادي الإصلاحي بالمؤتمر الوطني حينها قبل أن يفصل منه، طلب من قيادة حزبه تقديم التنازلات اللازمة لمواجهة الأوضاع الراهنة ومن أجل تماسك الجبهة الداخلية، ولم يكشف غازي عن طبيعة هذه التنازلات وقتها، لكن بطبيعة الحال فإن التنازلات التي قصدها هي بالضرورة كسر احتكار السلطة التي ظل يضعها حزب المؤتمر الوطني «تحت إبطيه» منذ «30» يونيو «1989» بعد نجاح الانقلاب العسكري الذي دبَّره الدكتور حسن الترابي زعيم الجبهة الإسلامية ونفذه العميد ــ آنذاك ــ عمر البشير، وكان غازي صلاح الدين قد ألمح في حوار تلفزيوني سابق بقناة النيل الأزرق إلى عدم جدوى أي تحول ديمقراطي وإصلاح سياسي وإجراء انتخابات حرة ونزيهة ومعترف بها في ظل هيمنة الحزب الحاكم على مقاليد الأمور وسيطرته على وسائل الإعلام وموارد الدولة، فهو بدا وكأنه يريد القول: لا إصلاح في كنف هذا الحزب، لذلك سرعان ما نفض غازي يديه من الحوار الوطني الذي دعا إليه الرئيس البشير في يناير من العام الماضي، ويقاطع حالياً جلساته التي تدور بقاعة الصداقة، محاولاً إختبار نوايا حزبه السابق بالندوات الجماهيرية، متحدياً السلطات في تنظيمها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سيرة ذاتية:
عُين غازي صلاح الدين فور تخرجه من كلية الطب بجامعة الخرطوم مساعداً للتدريس، قبل أن يُبتعث إلى بريطانيا للدراسة العليا حيث نال درجة الماجستير في الكيمياء الحيوية، ثمّ دكتوراه في الطب من جامعة (جليفورد)، وهناك انتخب ضمن الهيئة التنفيذية لاتحاد الطلاب المسلمين بالمملكة المتحدة, وإبان وجوده بعاصمة الضباب تقلد رئاسة المؤسسة الإسلامية بلندن، بعدها عاد إلى بلاده ليعمل أستاذا في كلية الطب بجامعة الخرطوم عام 1985، وانغمس السياسي الطبيب في هموم وطن يعاني مختلف أنواع العلل والأوجاع السياسية التي تستلزم البتر في بعض الحالات، وبعد قيام ثورة الإنقاذ، قادت العتبات الجديدة العتباني إلى شغل منصب وزير دولة ومستشار سياسي لرئيس الجمهورية عمر البشير في الفترة من عام 1991 وحتى عام 1995، حيث عين وزير الدولة بوزارة الخارجية 1995، ثم عين أميناً عاما للمؤتمر الوطني (الحزب الحاكم) في الفترة من يناير 1996 حتى فبراير 1998 وشغل وقتئذ منصب وزير الإعلام والثقافة من عام 1998 حتى فبراير عام 2001 وفي الفترة من يونيو 2001 حتى ديسمبر 2003 عين مستشار رئيس الجمهورية لشؤون السلام، وبعد أن ترك منصب مستشار للبشير اتجه إلى العمل البحثي فترأس مجلس إدارة مؤسسة اتجاهات المستقبل، التي أسسها بعد استقالته من القصر الجمهوري نهاية عام 2003، كما ترأس كتلة المؤتمر الوطني في المجلس التشريعي (البرلمان) وكان مسؤول أهم ملفين سياسيين هما ملف إدارة الحوار مع أميركا وملف حل مشكلة دارفور، بعد استبعاده من رئاسة الكتلة البرلمانية للمؤتمر الوطني قاد مجموعة إصلاحية داخل الحزب الحاكم، أدت إلى خروجه من الحزب، بعدها أسس مع آخرون حركة الإصلاح الآن.