المنابر الدينية.. إعادة إنتاج الأزمة

عبد العزيز النقر
شيخ الإسلام تقي الدين أحمد ابن تيمية كان يرى أن التعاطي السياسي فى أمور الدين بالقدر المخل يعتبر منقصة فى خطبة الجمعة، إلا أن التعاطي السياسي فى خطب الجمعة وفق هوى السلطان كما يراه علماء دين يحتفظون بأراء سياسية حادة تنتقد سياسية السطان هنا، أصبحت أشبه بالتحريض للجهاز التنفيذي على الإقدام في إنفاذ اللقط السياسي الذي يدور، وأصبحت صحف الخرطوم ترصد كل صبح سبت أخضر تصريحات أئمة الجوامع على النسق الذى يرى دائما السلطان واحيانا يقدم الائمة نقدا خجولا لسياساته، تحريض أمام الجامع الكبير كمال رزق على اطلاق سراح يد النظام العام واعادة ملفات فساد الأراضي وقال رزق أمس الأول مطالباً وزارة الداخلية بإطلاق يد شرطة أمن المجتمع حتى تستطيع إجتثاث كافة الظواهر السالبة.

(1)
زرق الذى حاول فى خطبته أمس الأول أن يقدم نموذج إتزاني في الخطبة معتمداً على سياسية الترهيب والترقيب فى الدعوة، هو وغيره من الائمة فى مساجد العاصمة الأخرى تأتي فى صياغات سفاسف الأمور التي هي من صميم عمل الدولة سيما وأن التوجيه والانتقاد حسب مراقبون يأتى فى إطار النظم الثلاث التشرعية والتنفيذية والقضاء كآخر مراحل استدار كرامة الإنسان، والمنابر فى الجمعة أصبحت خطبا للتباهي أكثر من كونها إرشاداً ووعظاً خاصة وأن القيمة الفعلية للخطبة فى الجمعة تأتي من باب تذكير المسلمين بأمور دينهم مقرون بأمور دنياهم، إذ أن المسجد يعتبر الحاضنة الرئيس لمكارم الاخلاق وتذكير الناس بها وفضائها واجتناب الحرام واحلال الحلال كما كان يفعل السلف الصالح، ويرى الائمة ان الاسقاطات السياسية لبعض الائمة اثرت بشكل كبير على أمر الدعوة فى البلاد أصبحت تعاني من اشكالات كبيرة فى قضية الارشاد والتوجية سواء للحاكم السلطان او المحكومين المواطنين من ائمة الاسلام، وان التداعى لمكارم الاخلاق وتعليم النشئ مبادى الاسلام الحنيف هى الاجدى من توجية الانتقادات للمسلمين وتحريض الدولة عليهم خاصة وان بعد اكتمال اركان الدين الحنيف اصبح الارشاد والوعظ هو تقديم النمازج الجيده والمشرقة فى الاسلام وكذلك النمازج السئية مع وضع الحلول المثلى لها، تحريض أمام الجامع الكبير على إطلاق يد النظام العام وفق القانون الذي يعتبر من القوانين التي تحتاج إلى مراجعة عاجلة لأنها تتعارض مع المبادئ العامة لحقوق الانسان والتي ساهمت في إدخال البلاد فى معترك سياسي كاد أن يطيح به أمس الاول الجمعة التى خاطب فيها امام المسجد الكبير مصليه ان تجعل السودان تحت البند الرابع غير ان العناية الالهية هى التى افلحت فى ان يظل السودان فى البند العاشر بند المساعدات الفنية، ويرى مراقبون لوضع حقوق الانسان ان معظم الحالات التى تم تقيدها انتهاكا لحقوق الانسان بعيدا عن الاحتراب والاتقتال الدائر فى المناطق المتلهبة كان السبب الرئيس فيه حالات تم فيها تطيبق قانون النظام العام مما اعتبرت حالات ترقى لانتهاك حقوق الانسان.
(2)
وينظر مراقبون للشأن الديني إلى أن المساجد أصبحت محتكرة لفئة محددة من علماء السلطان خاصة وأن شروط الامامة الخمسة قد لا تنطبق على كثير من هؤلاء الائمة، وأن الامامة وفق شروطها كما فى حديث الكريم أن الصلاة المكتوبة الواجبة تجوز وارء المسلم سواء كان برا او فاجرا وان عمل الكبائر اخرجة ابو داوؤد رقم (594) والدار قطنيى فى السنن (2/66) والبيهقى فى السنن الكبرى، احتكار خطب الجمعة وفق هو حكام السلطان يأتى فى ظل تردئ عام للأوضاع فى السودان ويعتبر هؤلاء جزء أصيل من تلك الازمة سيما وأن الارشاد الدينى المبنى على مخاطبة العقول غاب عن اجندة خطبهم كما ان المثال الاعظم لهؤلاء الخطباء اصبح لا يؤثر فى الناس كثيراً نسبة للفوارق الطبقية والمالية التي تجعل الإمام من عليه القوم ويتمتع بامتيازات.
(3)
ربما تميزه عن إقرانه من الائمة وبين الفئة المسلمة العادية التى يقدم لها الارشاد بالاضافة الى احتكار مساجد بعينها أصبحت هى التى تصدر الفتوى وتثير الزوابع الا انها تبرق عند النقد الحكومى وترعد عند النقد لعامة المسلمين، وتعتبر وزارة الاوقاف والارشاد وهى الجهة الحكومية المنوط بها تنظيم عمل المساجد بالاضافة إلى وضع خطط دينية واضحة تعمل على ترقية وتنقية سلوك الفرد فى المجتمع المسلم وفق قواعد معلومة بالضرورة وفى ظل استهداف خارجى يتربص بالمسلمين وبلاد الاسلام على وجه العاوم والسودان على وجه الخصوص صاحب المشروع الاسلامي الذى لم يسقط كاخوته فى دول الربع العربى مما يتطلب مزيدا من الحذر فى اصدار الفتوى الدينيه التى تحتاج ان تخرج متسقة مع تلك التحديات التى تواجه العالم الاسلامى، كما ان المظاهر السالبة التى تجتاح المجتمع يراها العبض انها من صنع السلطان الذى يحتمى به علمائه فى كثير من الفتاوى التى يصدرونها وغالبا ما تكون فتاوى بائسية لا تتسق مع الرأى الجمعى من جهة وتوجهات الدولة من جهة اخرى وان اخراجها ياتى من باب تقديم فروض الولاء الطاعة للسلطان وينظر مراقبون الى ان الفتوى التى اصدرتها احدى تلك الجهات بمنع سفر الرئيس تخوفا من الجنائية انها كانت فتوى جانبت الصواب كما ان الفتوى نفسها لامحل لها من الإعراب، وينظر مراقبون الى اهمية ان تطلع وزارة الاقاف والارشاد بدورها الكامل فى معالجة مغالطات الفتاوى التى تصدر والتحريض المستمر من خلف المنابر وكذلك محاربة التطرف الدينى والغلو فيه وإشاعة الإسلام الوسطي وفق أسس ومناهج تحتاج إلى أئمة جدد يقودون تلك الثورة الدينية الصحيحة.