الخرطوم في يوبيلها الذهبي

مجذوب عيدروس
صدرت مجلة الخرطوم في اكتوبر 1965م ، وهي الآن تكمل عامها الخمسين ، وتحتفل بهذه المناسبة في قاعة الشارقة يوم الخميس 29 اكتوبر برعاية الشركة السودانية للهاتف السيار ( زين ) .
وتقدم في هذه الاحتفالية كلمات من وزارة الثقافة الاتحادية ، ومن شركة زين وأسرة تحرير المجلة ، وبعض الشهادات حول المجلة ، كما سيتم تدشين العدد الخاص بهذه الذكرى ، والذي يضم مختارات من الشعر والقصة والدراسات الفكرية والأدبية والفنية التي قدمتها المجلة في مسيرتها الحافلة .
حملت المجلة عند صدورها شعار ( مجلة الثقافة العربية والأفريقية ) وظلت وفية لهذا الشعار رغم التقلبات من حولها ، وتعاقب الأنظمة بمختلف توجهاتها وشعاراتها . وقد جاءت المجلة بعد عام من ثورة 21 اكتوبر 1964م ، في مناخ اتسم بالحوار والصراع الفكري والسياسي ، وسرعان ما استطاعت أن تجد لها مكاناً وسط رصيفاتها من المجلات العربية داخل السودان وخارجه .
كان الأستاذ قيلي أحمد عمر مؤسس المجلة وأول رئيس تحرير لها ، قد جاءها بخبرته التي اكتسبها في القاهرة في صحيفة الأهرام ، وأنشأ المجلة بعون من القاضي / عبدالرحمن النور وزير الاعلام والشئون الاجتماعية – كما كانت تسمى الوزارة – وقد حدثني الناقد ماجد السامرائي – رئيس تحرير مجلة الموقف الثقافي العراقية – أن أول مقال له ينشر قد تم نشره في مجلة الخرطوم عام 1969م عن السياب . واستقطبت المجلة عدداً من الكتاب العرب على مدى عقود – كما أنها اهتمت منذ فترة مبكرة بالنصوص الابداعية الأفريقية ، وبالدراسات التي تتناول القضايا الأفريقية – ومن مبادراتها في هذا المجال نشرها لمسرحية سكان المستنقع للكاتب النيجري وولي شوينكا ، من ترجمة الفنان التشكيلي والخطاط العالمي عثمان وقيع الله ، الذي خص المجلة بعدد من الترجمات لبيرك باك وغيره من الكتاب العالميين – كما قدمت المجلة ترجمات لنعمات أبوالريش ، ولمحمد عبدالحي ( ترجمته لقصيدة ت . س اليوت أغنية حب لا لفرد بروفروك ) .
وفي مجال الشعر نشرت المجلة قصائد لشعراء السودان على مختلف أجيالهم وتياراتهم الفنية – مما جعل المجلة مرجعا هاما لتتبع مسيرة الحركة الثقافية في السودان ، ومن بين شعراء المجلة : عمران العاقب – عبدالله شابو – محمد عبدالحي – مصطفى سند – محي الدين فارس- مصطفى طيب الأسماء – عالم عباس محمد نور – محمد محي الدين – محمد نجيب محمد علي – عبدالقادر الكتيابي وصديق المجتبى وغيرهم .
ورثت المجلة رصيدا من تجارب المجلات السودانية التي بدأت بالنهضة السودانية التي أسسها محمد عباس أبوالريش 1931 – 1932م والفجر التي أصدرها عرفات محمد عبدالله « 1934م « وأمدرمان (المؤرخ محمد عبدالرحيم 1936) والتي اهتمت بالتاريخ وساهم في تحريرها الشاعر التجاني يوسف بشير ومرآة السودان ( سليمان كشة ) وآخر هذه التجارب مجلة القصة السودانية ( عثمان علي نور ) في عامي 1960 – 1961م .
وتجئ هذه الاحتفالية للتذكير بمن وضعوا أسماءهم في سجل الثقافة السودانية ، وبعض هذه الكتابات التي جاءت في مناخ الستينات وجدت تطبيقها في سبعينات القرن الماضي ( تابع كتابات د. جعفر محمد علي بخيت ، وقلوباوي محمد صالح حول الخدمة ونظم الادارة ونظرياتها على سبيل المثال ) .
وتعتبر مجلة الخرطوم أول منبر علمي سوداني يفتح أبوابه للباحثين في مجال الفلكلور – وكانت المساهمات المبكرة للطيب محمد الطيب والبروفسير سيد حامد حريز وابراهيم اسحق وشرف الدين الأمين عبدالسلام وعبدالقادر عوض الكريم الخ .
وقد اهتمت المجلة بتتبع العادات والتراث الشعري الشعبي والحكايات الشعبية .
وفي مرحلتها الأولى ( 1965 – 1970 ) اهتمت بالجوانب العلمية ( طب وعلوم ) . كما أفسحت المجال للدراسات في الموسيقا والتشكيل والعمارة والمسرح .
وعرفت المجلة في الدوائر الأكاديمية داخل السودان وخارجه ، فكانت محط التقدير ، واعتمدت لدى الجامعات العربية والسودانية كدورية محكمة .
عبرت المجلة منذ عددها الأول عن التيارات الفكرية والفنية التي تسود الساحة السودانية ، فكانت البذور الأولى للسوداناوية التي قدمها في العدد الأول الراحل دأحمد الزين صغيرون ، والذي نناشد أصدقاءه وطلابه ومسئولي الثقافة الاهتمام بتراثه وجمعه وتقديمه للقراء فقد كان رائدا في قراءاته لتاريخ الفن التشكيلي في السودان والعالم . ونأمل أن تكون هذه الاحتفالية بداية لانطلاقة جديدة للمجلة تقدم وجه السودان الثقافي للآخرين ، وتسهم في النهوض الثقافي العربي بعد هذه الفترة المضطربة .