الحوار الوطني.. بدء العد التنازلي

أكرم الفرجابي

حينما طرح الرئيس البشير مبادرة الحوار ظن البعض أنها مرحلة جديدة من عمر السودان في طريقها إلى الظهور، فالدعوة كانت موجهة لكل القوى السياسية بلا استثناء، وفي مقدمتها القوى المعارضة بالطبع، والحركات المسلحة في إقليم دارفور والحركة الشعبية قطاع الشمال التي تقاتل في جنوب كردفان والنيل الأزرق، وأجندة الحوار، كما أوحى الخطاب الذي ألقاه رئيس الجمهورية مساء السابع والعشرين من يناير العام الماضي، كانت تشمل كل القضايا المطروحة في الساحة، الأمر الذي أدى إلى حدوث حراك سياسي كبير، تفاوتت فيه استجابة الأحزاب والقوى السياسية المعارضة لهذه الدعوة، فمنها من استجاب بلا شروط أو اشتراطات، وبعضها توافق على أهمية الحوار الوطني مع وضع بعض الشروط اللازمة لإنجاحه من وجهة نظرهم، والبعض الآخر رفضها جملةً وتفصيلاً، لكن في منتهى الأمر أجمع الكثيرون على ضرورة التوافق الوطني.
بعد مضي ما يقارب العامين على مبادرة رأب الصدع التي دعا إليها الرئيس البشير للبحث عن حلول تساهم في حلحلة الوضع الراهن بالبلاد، بات أمر الجلوس في طاولة للتفاوض بين القوى السياسية الرافضة والممانعة قاب قوسين أو أدني، بعد أن أعلنت آلية الحوار العاشر من أكتوبر الجاري موعداً لإنطلاقه، لكن المهم في الأمر الآن، ليس حول الجلوس في مائدة الحوار، أو من الذي سيشارك أو يمانع، لكن المهم حول ماذا سيكون الحوار، فالحوار الوطني المطلوب ليس حول (الاستوزار) أو البحث عن مشاركة في السلطة الشمولية، إنما هو حول إعادة تأسيس دولة المواطنة على أسس جديدة تحترم تعددية وتنوع السودان، هكذا يقول الأستاذ الصحافي محجوب محمد صالح، في ظل قضايا خلافية كبرى قد تعيق مشروع الحوار الوطني الشامل أبرزها الجدل حول شرعية النظام، إذ تمثل قضية طعن المعارضة في شرعية نظام البشير بشكل مستمر أحد أبرز القضايا المعقدة التي تواجه الحوار بين الطرفين، حيث لم تتوقف عند مستوى التصريحات، بل امتدت إلي اتخاذ إجراءات عملية كان أبرزها صياغة ما يسمي بـ(الميثاق الدستوري للمرحلة الانتقالية)، ، فضلا عن إلغاء كافة القوانين المقيدة للحريات، وبالتالي، فإن خيار تفكيك النظام أصبح يمثل هدفاً رئيسياً للمعارضة السودانية المؤتمر الوطني فاجأ السياسية مؤخراً بقبوله بالحكومة القومية الإنتقالية في حال أفضى الحوار إلى ذلك.
ثمة من يروا أن الغرض الحقيقي من دعوة الحزب الحاكم للحوار الوطني كانت تتمثل في ثلاثة أهداف، ألا وهي جمع الفرقاء الإسلاميين «الوطني والشعبي»، وقد حدث هذا الحمع بالتقارب بين القصر والمنشية، والهدف الآخر كان الإعداد المبكر لانتخابات 2015م، وتقسيم الدوائر الانتخابية بعيداً عن الأحزاب الأخرى، وقد خاض الحزب الانتخابات وإكتسح نتيجتها، إضافة إلى تفريغ حالة الاحتقان وتفكيك التحالفات السياسية التي تنادي بإزالة النظام بالقوة، الأمر الذي يؤكد في آخر المطاف أن الهدف من الحوار كان مجرد مشاركة صورية ومرحلية لإقناع الرأي العام المحلي والدولي بخطأ توحيد الجبهة الداخلية وتنقية الأجواء، إلا أن قراءة موقف الأحزاب من الحوار تقودنا إلى حاجة هذه الأحزاب لمزيد من التطمينات والثقة في المناخ المتعلق بالحوار، حتى يكتمل تصور مشروع الحوار الذي تقوم بوضعه آلية الحوار والاستفادة من مخرجاته، فإن كان الحوار ثنائياً بين (الشعبي والوطني) فإنه لن ينجح في حل أزمات السودان بل سيقود إلى المزيد منها، خاصة في ظل شكوك أحزاب المعارضة في جدية الحزب الحاكم.