ورحـلـت الـوزيـرة الانسـانـة..

محمد إبراهيم الإمام

رحلت والعبرة تخنق الجميع، والدمعة تفيض من مآقى من كانت لهم درعا  وحصنا ومن كانت لهم عونا وعضدا لمواجهة تكليف الحياة، من بسطاء  عمال وعاملات التربية بالجزيرة  بعطاء لم ينقطع رغم بعدها عن الوزارة لاكثر من عشر  سنوات .ظلت تحمل همهم تتصدق لبعضهم بقيمة العقيقة ولآخرين بقيمة الدواء ومصاريف المدارس، بل وبتكاليف الحج للمسنين منهم أو من ترجو هدايتهم. لا أريد أن اذكر أسماء حتى لا اسبب حرجا لأحد ،بالرغم من انهم كانوا يأتونها علنا ،ولكنها كانت تعطيهم سرا،احتراما لهم وصونا لكرامتهم .اسأل الله ان يجعل دمعات هؤلاء المفجوعين بفقدها ثلجا وماء باردا يجعل صحائفها  بيضاء من غير سوء  فيكون مقامها فى عليين مع الشهداء والصدقين.

احبتى نعم يتساوى الناس فى الحقوق والواجبات ،ولكنهم قطعا يختلفون فى القدرات والتعاطى مع الواقع ،حيث تتباين معادن القيادات فى ادارة الشأن العام ،وتوفير مناخ المحبة والألفة بين الرئيس والمرؤوس،و توظيف الخاص لمصلحة العامة وليس العكس .كانت الاستاذة الفاضلة عليها رحمة الله ،حريصة على تفقد مرؤوسيها واعانتهم بل وحمايتهم من الدسائس وتسلط الغير بقدر حرصها على احترام رؤوسائها ،وتنفيذ ما يأتى منهم.لاتنتقص من قدر مرؤسيها ارضاء لرؤسائها ولا تهزم رؤسائها بمداراة وتغطية تقصير مرؤوسيها .كانت تؤمن بالقول (أنصر أخاك ظالما أو مظلوما).إذ كانت تعمل بمبدأ التحرى والتحقق من كل ما يأتيها .لا تترك مجالا للثرثرة والتلفيق الذى ظل احدى سمات بطانة السوء  وحارقى البخور من أصحاب الأغراض وفاقدى المواهب والقدراب ،الذين عجزوا عن اللحاق بقطار المعرفة والعلمية فعمدوا الى تعطيله،فظلوا يمثلون فرملة الشعوب وأعداء التقدم .لم يكن لهؤلاء مكان عندها .إذ كان سلاح المواجهة حاسما لأدعاءاتهم المبتذلة والرخيصة .

تميزت رحمها الله عن الآخرين بامتلاكها لمهارات القيادة ،وروح الابداع والتجديد ،والصبر والصمود، التحدى والتسامح. لعل كل هذه الخصال النبيلة وغيرها تتجلى فى  بعض المواقف اذكرها اجمالا.

تولت عليها رحمة الله  حقيبة التربية والتعليم بالجزيرة فى وقت  يرتجف فيه الرجال  من ضخامة المسئؤلية وتشعب المشاكل وتنوعها, فقد كان سقف طموح أهل القرى في فتح المدارس عاليا بعد إعلان قبول كل الناجحين في شهادة الأساس فتضاعف عدد المدارس عشرات المرات مقابل نقص في المعلمين بذات النسبة وأكثر وشح في الموارد المادية والخبرات الفنية, أما البيئة فحدث ولا حرج. كل هذه المشاكل كانت جديرة بأن تدفع الوزير إلى الإنزواء وعدم المواجهه ولكنها عليها رحمة الله لم تكن من هذا النوع بل كانت دائماً تعمل على إقناع الناس لمعايشة الواقع عشماً وتفاؤلاً بمستقبل قادم.

في مثل هذه الظروف تتجلى حكمة القائد وقدرته على تجاوز الواقع بإبتداع شعارات ملهمة تلهب الحماس بشحنة معنوية تعين على تجاوز الصعاب, فكان شعار (تركيز بلا تمييز) الذي ارادت أن تقول من خلاله أن هذا هو المتاح من إمكانات فدعونا نوزعه بالتساوي على الجميع دون تمييز لأحد أو منطقة ثم نركز جميعاً في العلاج, وكأني بها تردد المقولة الشعبية (الفقراء اتقسموا النبقة) هذا الشعار طمأن الجميع على أن روح العدالة قائمة فتدافع الناس إلى إكمال نقص المعلمين برصد الحوافز والمرتبات للمتعاونين وتوفير الإستقرار لهم فلذلك ظلت الجزيرة  محافظة على ريادتها فى النجاح والتفوق فىي تلك الفترة بالرغم من عدم تطبيق سياسة القبول المفتوح لكل الناجحين إلا في هذه الولاية وتحت قيادة هذه الأستاذه الفاضلة عليها الرحمة التى استطاعت أن توقد جذوة التنافس بين اهل القرى ،فتنادوا لمهمات ما كان للدولة القدرة علي انجازها .

نتيجة لإنتشار هذه المدارس وتسابق الأهالي للتشييد كيفما اتفق لاحظت بعينها البصيرة أن هناك تردي في البيئة المدرسية فأرادت أن تستنفر جهود المحليات والجهود الشعبية والقليل الذي تقدمه الوزارة لتحسين هذه البيئة فأطلقت شعاراً  ملهماً آخر هو:( المدرسة معلم ودليل) الذى قصدت منه ان تقول للناس يجب أن تكون مدارسكم معلماً بارزا بجماله ودليلاً على إرادتكم وحبكم للتعليم, فإندفع الناس إلى تأهيل المباني وتشييد الاسوار والملحقات فاعطت بذلك نموذجاً لعبقرية الإداري والقائد الملهم … رحمها الله رحمةً واسع  واكنها فسيح جناته .

لم تصرفها المشاكل الآنية في التطلع الى المستقبل ومطلوباته ،فأسست اول مركز للتعليم الالكترونى على مستوى وزارات التربية بالسودان .ضم عددا من الاقسام:قسم انتاج الوسائل التعليمية: قسم العلوم الاسرية :قسم الالكترونيات ويشتمل على اربع معامل حاسوب تستوعب تدريس اربع برامج في وقت واحد: قسم صيانة الاجهزة: معمل علوم مركزي: قاعات اجتماعات: ميدان سلة يستوعب عدة انشطة.

وأختم سلسلة إبداعاتها عليها الرحمة بالإشارة إلى منهج إداري لو عمل به الآخرون لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم من حيرة في من يخلف المدير المنتهية مدته. حتى الفاشلين من المدراء نعجز اليوم عن الإتيان ببدائلهم لأن من جلسوا على تلك الكراسي كان همهم كيف يعطلون الآخرين ويدمرون قدراتهم حتى لا يزاحموهم في مواقعهم أو يكشفوا جهلهم وضعف حيلتهم. درجت عليها رحمة الله إلى عقد إجتماع شهري تجمع فيه كل إدارات الرئاسة وإدارات المحليات السبع (مدير خدمات – مدير أساس – مدير ثانوي). يجتمع كل هؤلاء النفر في إجتماع طويل يبدأ من الساعه الثامنه صباحا حتى الرابعة عصراً. فكان الواحد منا يستمع إلى تقرير أكثر من ثلاثين إدارياً بالرئاسة والمحليات بالإضافة إلى الشئون الإدارية والمالية وشئون العاملين, فيخرج   وهو ملم بكل تفاصيل الوزارة لدرجة الإيمان بأن كل منا يستطيع أن يجلس على كرسي الوزارة ويديرها. هذا منهج تفردت به الأستاذه ليلى رحمها الله. ولعلها أرادت أن تعكس منهجاً كان بنبغي أن يتحلى به أبناء التنظيم وابكار الإنقاذ في تفريخ الكوادر الإدارية سواء كانوا من السابقين أو اللاحقين, فالسبق وحده لا يحقق المهنية إن لم يكن مرتكزاً على الخبرة والمهارة الإدارية. ألا رحم الله الأستاذه الفاضلة ليلى بقدر ما قدمت من عمل متميز في ميادين الحياة المختلفة الإجتماعية والتعليمية والدستورية والتشريعية فأجزلت العطاء في كلِ وقدمت بسخاء لا شك انها ستنال به بشرى الحديث («إذا مات إبن آدم إنقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أوعلم ينتفع به أوولد صالح يدعو له») وأحسبها أنها قد تحققت لها الثلاث فهنيئاً لها الفردوس الأعلى والصبر والسلوان لاهلها وذويها ومحبيها.

(إنا لله وإنا أليه راجعون)

  صدق الله العظيم.

المدير السابق لوزارة التربية –الجزيرة :2/9/2015

  المدير السابق لوزارة التربية والتعليم ….الجزيرةالثانى من سبتمبر 2015