في تأويل : مَن خَدَعنا في اللهِ إنخدعنا له (1-2) : نابليـــون بونابـــرت

إبراهيم إسحق إبراهيم
لأجل إختراق الدفاعات الوطنية والدينية لدى المسملين ، كثيراً ما يلجأ المُستغلون الإمبرياليون المتلاعبون بهذه المشاعر إلى مداهنة الموجّهات الوطنية والدينية في أنفس المسملين، مداهنتها في عمقها ، من خلال الإيعاز بتبنيهم إياها .. فإذا ما أجاز المسلمون الوطنيون هذا الإنحياز المُفتعل ومنحوه ثقتهم، كلياً أو جزئياً، يراهن المُستغل الإمبريالي على ذلك الإنخداع ويسعى لاستكمال مخططاته ، صعوداً على عتبات تلك الثقة الممنوحة له بالمجّان، ولو على درجات متأرجحة من الإحتياط ..
أظنني أستطيع التفتيش حول بعض ما في هذه الظاهرة من العِبر ، عند موقفين : أحدهما هو الذي طبّقه نابليون بونابرت (1769-1821) في مصر، وثانيهما، ذلك الذي يفتعله رودولف سلاطين (1857-1932) في السودان، على آثار مَثَلَهُ الأعلى ذاك ببضع وثمانين سنة .. يؤثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وضعْ المبدأ الذي يقول : بعد إنقطاع الوحي –بوفاته صلى الله عليه وسلم – نحن (أي المسلمين) علينا بالظاهر ، واللهُ يتولى السرائر .. ولكن ، مما يؤثر عن أبي حفص نفسه ، قوله: لستُ بالخِبِّ (المخادع) ولا الخِبُّ يخدعُني .. وأظُن أن العِبرة التي نسعى وراءها تمشي بنا الهوينا بين هاتين القاعدتين ..

وُلد نابليون بعد عام واحد فقط من إنتزاع الفرنسيين لجزيرة كورسيكا من جمهورية جَنَوه .. كان أبوه نبيلاً من كورسيكا ، وقد بقي على لسان نابليون طوال حياته مسٌ من اللهج الإيطالي .. في سن العاشرة إلتحق بمدرسة عسكرية فرنسية ، وفي سن الخامسة عشر أُدرج في الجيش الفرنسي .. برزت مواهبه كقائد مدفعية ، وفي أواسط التسعينات من القرن الثامن عشر أصبح القائد الأبرز بالجيش الفرنسي .. ولما كان التنافس الاستعماري بين القوى الأوروبية قد إستعر ، فقد تدبّر نابليون مخططاً لضم مصر والشام ، في البداية ، للأملاك الإستعمارية الفرنسية ثم تطبيق مبادئ الثورة الفرنسية هنالك .. والغرض الرديف هو قطع طريق الإنتعاش الإقتصادي البريطاني القادم من الهند .. فحسب ما يورده جي كريستوفر هيرولد في كتابه (بونابرت في مصر) ترجمة فؤاد أندراوس ، القاهرة ، دار الكاتب العربي، 1967 ، كان نابليون ممتئلاً بأطماع جديرة بالإسكندر الأكبر، وهو يبحر بحملته نحو ومصر في مايو 1798م (ص9) ..
مهمتي في هذا المقال عسيرة ، لأنني لا أرغبُ ولا أستطيع التأريخ لنابليون .. وقصدي كله ينحصر في تتبُّع نوازع الطموح اللّامحدود لبشر لا يعبأ بمدى القسوة التي يُنزلها بالبشر ، لكي يحقق وضعيةً لذاته هي دمج غريب للإسكندر المقدوني في سليمان بن داوود عليهما السلام .. وهذا الشخص المخيف الذي مات سجيناً في جزيرة القديسة هيلين بجنوب الأطلنطي ، عن عمر لا يتجاوز 52 عاماً ، كان ضئيل الحجم ، لا يتعدى طوله الأقدام الخمسة مع بوصتين .. وبيديه وقدميه النواعم ، حينما تجاوز الثلاثين ، كان قد دهمته مآخذ السِمنة ..
مع إطراد التخلف القتالي والإقتصادي للعثمانيين بأواخر القرن الثامن عشر الميلادي ، كانت مصر تبدو ، عند القوى الإستعمارية الأوروبية ، بلداً أعزل .. فالوالي العثماني ، يختنق تحت المجموع الكلي لحراس البكوات المماليك المنتشرين في كل الأقسام الإدارية لمصر .. وقد تسلّح الإستراتيجي الفرنسي تاليران (1754-1838) بمقترحات الجواسيس الفرنسيين لوضع قناعة سرية لدى المتنفذين في الجمهورية الفرنسية حول إستحسان الإستيلاء على مصر .. وحتى يمنع البريطانيون ذلك ، وضعوا تحت تصرف الأميرال هوريشيو نلسون (1758-1805) أربع عشرة بارجة وكلّفوه بتحطيم الأسطول الفرنسي قبل وصوله إلى مصر .. لكن بونابرت ، يتسلل في مايو 1798 ، بسبع عشرة سفينة ، تحمل نحوًا من خمسين ألف جندي بكامل عتادهم ، وخبراء في العلوم التطبيقية والإنسانية والفنون .. فما يلبث حتى يستولي على مالطة ، ثم يتعاقب مع نلسون في الإسكندرية بنهاية مايو 1798.. وفي الشهر الذي يستغرقه الجيش الفرنسي للقضاء على المقاومة بين الإسكندريّة والقاهرة ، يُباغت هوريشيو نلسون الأسطول الفرنسي في يوليو 1798 ويحطم أصله بميناء أبي قير ثم يستولي على ما تبقّى من سُفنه ..
على أبواب القاهرة ، في التاسعة والعشرين من عمره ، يُخاطب نابليون جنوده فيذكِّرهم بجيوش الإسكندر الأكبر والرّومان في زحفهم من الإسكندرية إلى الشرق البعيد .. ففي 327 ق.م. ، وهو في التاسعة والعشرين ، يغزو الإسكندر المقدوني البُنجاب في الهند ويمتطي فيلًا في مسيرته شرقًا .. ونابليون يعترف لمدام دريموزا ، بأوّل القرن التاسع عشر ، عن اندغامه في صورة الإمبراطور ـ النّبي ، فيقول :» في مصر وجدتُّ نفسي وقد تحرّرتُ من قيود حضارة مزعجة .. كانت الأحلام تملأ رأسي .. ورأيتني أؤسس دينًا ، وأزحف على آسيا وأنا أمتطي فيلًا وعلى رأسي عُمامة وفي يدي القرآن الجديد الذي كُنت سأؤلفه ليناسب حاجاتي .. وكنت سأجمع في مشروعاتي بين خبرات العالمَين ، وأُسخّر لمنفعتي مسرح التاريخ كله ، وأُهاجم قوة انجلتره في الهند ، فأُجدّد بهذا الفتح الإتصال بأوروبا القديمة .. لقد كانت الفترة التي قضيتُها في مصر أجمل فترات حياتي لأنها كانت أحفلها بالأحلام « (بونابرت في مصر ، ص9 )..
بأوّل يوليو 1798 ، حينما استخلص نابليون الإسكندرية من أيدي المصريين والعثمانيين ، أصدر منشورًا موجهًا لأهل مصر ، مطبوعًا بالعربية والتركية والفرنسية ، مع زيادات أو نقصٍ بين النُّسخ الفرنسية والعربية .. وبعد 1814 م ، ونابليون مسجون في جزيرة هيلين ، يعلِّق بنفسه على ذلك المنشور بأنه : « قطعةٌ من الدّجل ، ولكنه دجلٌ من أعلى طراز .. على الإنسان أن يصطنع الدّجل في هذه الدنيا لأنه السبيل الوحيد إلى النّجاح « .. هكذا .. أمّا المنشور نفسه ، في صورته العربية ، فيبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم ويُوَحِّد الله وينفي عنه الولادة أو الشّراكة .. ثم يُشين بالمماليك والحُكم العثماني .. ويصف نفسه والفرنسيين في غزوهم ذاك بأنّهم مسلمون مُخلصون يعبدون الله أفضل من المماليك ويحترمون النّبي ( صلّى الله عليه وسلّم ) والقرآن العظيم .. وهو يمتَنُّ على المسلمين بتنكيل الفرنسيين بالبابا والإيطاليين لأنّهم يُعادون الإسلام ، كما يُذكِّرهم بقهرهم لفرسان مالطا أعداء المسلمين منذ الحروب الصليبيية في القرن الثالث عشر .. وأخيرًا فهو يَعطي الأمان للكلّ ، ويُقرُّ المشايخ والعُلماء والقضاة وسناجق السُّلطان العثماني على وظائفهم .. وعلى المصلِّين في المساجد والجوامع أن يحمدوا ويشكروا لله تخليصهم من المماليك ( بونابرت في مصر : 96ـ99 ) ..
في الأسبوع الأخير من يوليو 1798 يهزم نابليون البقايا المقاتلة من المماليك والأهالي في امبابة ، ويبدأُ في تكوين ديوانٍ من الشيوخ والعُلماء لإدارة المُدن وما حولها على أن يرأسهم مندوب عن بونابرت ، وذلك في تقليدٍ لِنظام الحُكم الفرنسي .. وما بين منتصف 1798 ومايو 1799 يظل بونابرت يحلم بتحقيق رُؤى إمبراطوريّته الشرقيّة .. ففي جزيرة القدِّيسة هيلين ، بعد 1814 يسرد نابليون أشطح تصوُّراته لتلك الغزوة ، إنطلاقًا من مصر .. وهي حسب هيرولد : « وأَكّد أنّه من الطبيعي أن يُحكم العالم من الإسكندريّة لا من روما أو الأستانة أو باريس أو لندن أو أمستردام .. وأمّا عن إمكان القيام بهذا المشروع عمليًّا فإن نابليون لم يكن أقلَّ تفائلًا في إزاحة جميع الإعتراضات التافهة .. فالمسافة بين القاهرة والسِّند ليست أكبر منها بين بايون وموسكو .. وفي استطاعة 60 ألف رجل يمتطون 50 ألف جمل و 10 آلاف جواد أن يصلوا إلى الفرات بعد أربعين يومًا ، وإلى السند بعد أربعة أشهر ، وهناك ينضمُّون إلى قوّات السِّيخ والمهراتا وغيرهما من الشعوب الهنديّة التّوَّاقة إلى خلع نير الحُكم البريطاني « ( بونابرت في مصر: 26 ) ..
ولأجل تفعيل هذه الرُّؤى يندفع نابليون في تسويق « إسلاميّته « الغامضة داخل مبادئ الثورة التنويرية الفرنسية المعادية للنصرانيّة ، لتُوصِلهُ هذه الخلطة ، على أخفى نوازعه ، إلى تمثُّل الإمبراطورـ النّبي الذي يحكم العالم المعروف ويُسخِّره لمتطلَّبات الإمبرياليّة الفرنسيّة .. ويظلُّ الإسكندر المقدوني هو مُلهمهُ .. ففي جزيرة هيلين يكتب نابليون : « إن الأفكار الدينية كانت على الدّوام مسيطرة على الشعب المصري في شتى العُصور .. فلمَّا ظهر الإسكندر الاكبر على حدود بلادهم جاءوا ليُحيُّوا هذا الرّجل العظيم بوصفه محرِّرهم .. ولمّا عبر الصحراء في زحفٍ لم يستغرق غير أسبوعين ، من الإسكندرية إلى معبد آمون ( بواحة سيوة ) ، ولمّا جعل الكاهنة تستقبله بوصفه ابن جوبيتر ( أكبر آلهة الرّومان وهو عند الإغريق زيوس ) ، كان يفعل هذا وهو على وعي تام بعقليّة هؤلاء الناس … وقد حقق حلمه هذا ، من حيث تثبيت دعائم فتحه للبلاد ، أكثر مما كان يُحققه لو بنى عشرين حصنًا وعزز جيشه بمائة ألف من المقاتلين المقدونيين « ( بونابرت في مصر : 251 ) ..
الجنرال كليبر ، الرّجل الثاني في سُلَّم القيادة الفرنسية بمصر ، يصف في يومياته إنتهاريّة بونابرت فيقول أنه لا يعمل بخطة ، وكل شيءٍ يجري بانتفاضات قصيرة ، وأعمال اليوم تتم وفق حاجة اليوم .. وبذلك يكتب نابليون من القاهرة توجيهاته لكليبر بالإسكندريّة ، موضحًا وصفته لإضفاء الشرعية على سياسته الفرنسية بمصر : « إننا إذا كسبنا تأييد كِبار شيوخ القاهرة كسبنا الرأي العام في مصر كلِّها .. فليس بين زُعماء الأمة كلهم من هو أقل خطرًا علينا من الشُّيوخ ، فهم جُبناء عاجزون عن القتال ، يوحون ـ كجميع رِجال الدّين ـ بالتّعصُّب دون أن يكونوا هم أنفسهم متعصِّبين « ( بونابرت في مصر : 256،197 ) ..
لم تفلح رسائل تاليران ، وزير خارجية فرنسا منذ 1797 ، في إقناع الباب العالي العثماني بأن فتح الفرنسيين لمصر ليس إلحاقها إستعماريًّا بدولتهم .. وفي سبتمبر 1798 تُعلن تركيا الحرب على فرنسا .. فكان على نابليون أن يكثّف من الشائعات بمصر حول تحوله للإسلام ليؤسس لشرعيةٍ تتخطى الشعور العام بأن الفرنسيين ، إن كانوا نصارى أو لادينيين ، يظلون كفاراً .. وأن قتلهم في يوليو 1798 للشريف محمد كريم متولي الإسكندرية يزيدهم بُغضاً .. هذا إلى جانب ما يجلبه الفرنسيون من تهتّك أخلاقي واستهتار يبديه النصارى واليهود في رِعايتهم بإسلامية المجتمع .. في أعياد المولد النبوي المُوافقة لأغسطس 1798 يتوسط نابليون في خيمة شيخ الطُّرقييّن البكري ويحضر الأذكار والكرامات .. وفي مقابلة مع وجهاء القاهرة والمشايخ في ديسمبر 1798 يبرز نابليون في ملابس الأتراك بعُمامة وقفطان ..
وضمن حملته لِغاية «أسلمة» صورته ينشر نابليون الأقاويل بأنه رجل القَدر الحتمي الذي لايُقاوم ، وأن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قد خصّه برعايته .. وفي مجلس يضمهُ مع عشرة من علماء الأزهر ، على رأسهم الإمام الأكبر عبد الله الشرقاوي شيخ المشايخ ورئيس ديوان القاهرة حسب النظام الإداري الفرنسي ، يطالبهم بونابرت بأن يحلفوا يمين الطاعة له .. ولا يُسعف المُؤرِّخان العربيان الجبرتي ونقولا الترك ، المعاصران لهذه الأحداث ، لا يُسعفانِنَا بإشارة ، لكن بونابرت يورد في مذكراته المحتوى لِرد الشيخ الشرقاوي .. إذ يقول الشيخ : « إنك تطلب رعاية الرسول الذي يحبك ، وتريد العرب المسلمين أن ينضوُوا تحت رايتك ، وترغب في استرداد أمجاد العرب ، وأنت لست مشركاً ولا وثنياً .. فاعتنق الإسلام إذن ، لأنك لو فعلت لبادر إلى الإنضواء تحت لوائك مائة ألف عربي من بلاد العرب ومن مكة والمدينة ، ولاستطعت – وأنت قائدهم ومُنظمهم – أن تفتح بهم الشرق وتسترد وطن الرَّسول بكل أمجاده « .. فهل كان في ذهن الإمام الشرقاوي ، وهو صاحب اليقين الذي لا يُمارى فيه ، صورة التتر والمغول والبربر والقُوط والتُّرك الذين دخلوا الإسلام وحملوه وأشاعوه ؟ .. وتقول مذكرات بونابرت أن الشائعات كانت تُردد بأن النبي (صلى الله عليه وسلم) ظهر لنابليون وحثَّه على إعلان إسلامه حتى تخضع كل آسيا لسلطانه .. وأنه إلتمس من النبي (صلى الله عليه وسلم) مُهلةً يُعِدُّ فيها جيشه فمُنِحها .. وأنه تعهّد بأن يبني مسجداً عظيماً ، ويُدخل جيشه حظيرة الإسلام ، كما أشار إلى أن كبار المشايخ مثل السادات والبكري يعتبرونه مسلماً (بونابرت في مصر : 207 – 254 ) ..
يُمهّد بونابرت لحملته الشامية برسائل لطيفة إلى الولاة العثمانيين في الشام ، بعكا وطرابلس ودمشق ، ولشريف مكة .. لكن هذه الرسائل لم تُجدِ كبير فائدة .. وفي جزيرة هيلين ، سجيناً ، لايزال نابليون يُهرِّف بتلك الأحلام .. إذ يقول لرفيق له : « ولو أنني مكثتُ في الشرق لأقمتُ على الأرجح دولةً كدولة الإسكندر بذهابي إلى مكة للحج « (بونابرت في مصر : 256) .. لكنه في اكتوبر 1798 يُفاجأ بانتفاضة المسلمين عليه في القاهرة .. ويُوجد رصد بَهِيّ للأحداث في كتاب الصحفي المفكر المرحوم محمد جلال كشك (ودخلت الخيل الأزهر) .. ويستحرّ القمع الفرنسي .. فكانت خسائر الفرنسيين في حدود 500 رجل ، لكن موتى المسلمين يتراوح بين الألفين والثلاثة ألاف .. وقُطعت رؤوس كل المحبوسين في الليل وأُلقيت أجسادهم في النيل .. كما قُدِّم الأئمة والوجهاء : أحمد الشرقاوي ، عبد الوهاب الشبراوي ، يوسف المصيلحي ، إسماعيل البراوي ، سليمان الجوسي ، ومعهم كل المتهومين بقيادة الإنتفاضة ، فأُعدِموا .. ويظل نابليون حتى ديسمبر 1798 يُكابر بأنه مُوكّل من السماء إذ يُصرّح في منشور عفوه العام : « ولكن يأتي وقت يرى فيه جميع الناس أنني أهتدي بأوامر من السماء ، وأن كل جهود الإنسان لا تُعينه شيئاً ضدي « (بونابرت في مصر : 202 – 275) ..
في فبراير 1799 يبدأ بونابرت زحفه على سوريا الكبرى .. في العريش ويافا يرتكب مجازر بغيضة في حق المستسلمين يتعدّى الخمسة آلاف مسلم .. ثم يضرب الحصار في مارس على عكّا .. ويتضامن البريطاني سدني سميث والفرنسي إدموند دُفليبو مع الأتراك فيُسندوا والي عكّا أحمد الجزار براً وبحراً .. وخلال الأشهر الثلاثة إلى مايو 1799 تتكسر كل الهجمات الفرنسية عند تحصينات عكّا ، ليبتلع نابليون فشل خُطة زحفه الى الأستانه ويؤوب في مايو 1799 إلى مصر .. هذه الحسرة لم تغادر نابليون قط ، إذ يحكي عام 1805 ، وهو لا يزال يُكافح لبسط إمبراطوريته الأوروبية ، يحكي : « لو استطعت الإستيلاء على عكّا ، للبستُ عُمامة ، ولجعلتُ جنودي يرتدون السراويل التركية الفضفاضة ، ولما عرّضتهم لخوض المعارك إلا في الضرورة القصوى ، ولجعلتهم فيلقاً مقدساً – جندي الخالدين – ولأنهيتُ الحرب مع الترك بجند من العرب واليونان والأرمن ، ولكسبتُ معركةً في إسوس بدلاً من خوض معركة في مورافيا ، ولنصّبتُ نفسي إمبراطوراً على الشرق ، ولعدتُ إلى باريس بطريق القسطنطينية « (بونابرت في مصر : 262 – 413) ..
في القاهرة ، يونيو 1799 ، تتبيّن لبونابرت حاجته الشديدة إلى تدعيم مُحاربيه ، فيكتب إلى سلطان دارفور عبد الرحمن الرشيد (1787-1803) يقول : « بسم الله الرحمن الرحيم ، لا إله إلا الله ومحمد نَبِيُّه .. إلى سلطان دارفور عبد الرحمن ، خادم المدينتين المقدستين ، خليفة المُعظّم نبي الله وسيد العالمين … طلبي إليكم أن ترسلوا إليّ مع أول قافلة ألفي عبد من العبيد الأشداء المتجاوزين السنة السادسة عشرة من العمر إذ مُرادي أن أبتاعهم لنفسي … « نورمان دانيال ، في كتاب (الإسلام ونابليون) جامعة الخرطوم 1966 بالإنجليزية .. ولهذا الخطاب اختلافات وتكملات في كتابيّ هيرولد (ص291) ونعوم شقير (جغرافية وتاريخ السودان) بيروت ، 1967 ، (ص454) .. كما يشير هيرولد إلى نصح بونابرت لخلفائه بمصر أن يجلبوا 10 ألف عبد من سنار والحبشة ودارفور لرفد الجيش (ص292) .. وما كان أغسطس 1799 حتى تسرّب نابليون عائداً إلى فرنسا ، ليواجه جيشه في مصر امتحانات عسيرة ، بما فيها قتل الحاج سليمان الحلبي للقائد كليبر في يونيو 1801 .. ثم يتم اجلاء الفرنسيين عن مصر بأكملها في يوليو 1801 م ..
مخادعة المعتقدات ، والتعالي على قيم الخير والشر ، وطلب القوة «الخارقة» ، دفعت الفيلسوف الألماني ، الذي مات مجنوناً ، فردريش نيتشه (1844 – 1900) لجعل الباطشين الجزارين : الإسكندر المقدوني وبونابرت وأمثالهما ، النموذج الأعلى للإنسان الآتي بعد «مقتل الإله» .. وهي فلسفة شنيعة يبسطها نيتشه في (هكذا تكلم زادشت) ، (ماوراء الخير والشر) و (إرادة القوة) ، وفي كتبه الأخرى ..
الثورات :31/10/2013م