القصة القصيرة.. عند زهاء الطاهر بين الواقعية والرومانسية والنص المفتوح..

عز الدين ميرغني
( إني أعرف كيف أقص الموضوعات الكبيرة بإيجاز )
تشيكوف
نظرية الأجناس الأدبية دائماً نظرية وصفية , وليست نظرية معيارية قياسية . وهي بحكم وصفيتها , فإنها يمكن أن تتطور وتتقلب في أشكال لا متناهية , ولا محدودة . وينطبق هذا على القصة القصيرة . فهي لها القابلية على هضم واحتواء وتقبل الأجناس الأدبية الأخرى بشروطها . وهذه الشروط , يجعلها تحتفظ بخصوصيتها واستقلاليتها عن الأجناس الأدبية الأخرى . وهذا الانفتاح والتقبل للأجناس الأدبية الأخرى , يظهر بقوة في نصوص القاص الراحل , ( زهاء الطاهر ) . والذي يمتلك أدواته السردية القوية . واللغة الشعرية , فيمزج بينها وبين مختلف الأجناس الأدبية الأخرى في نصوصه القصصية . وأحياناً تتخطى نصوصه حدود البطاقة الأدبية الضيقة للنص . وذلك بكتابته للنصوص التي قد لا يكون مرجعها في خارجها , وإنما تحمل مرجعيتها في داخلها .
وفي مجموعته ( وين يا حبايب ) , قد اقترب من النصوصية المفتوحة في الكتابة , أو النص الحر الذي يترك للقارئ أن يعطيه البطاقة التي تجنسه وتناسبه . فهو يترك للقارئ نصه مفتوحاً في دلالته , وفي نهايته حتى يشركه معه في كتابة النهاية , وفي استنباط الدلالة التي يراها . ولا يعني غياب الحدث في بعض نصوص هذه المجموعة غياباً لمعيارية القصة التقليدية , وإنما يجعل حياة الشخصية , هي الحدث الحياتي الذي تكون رمزاً لحياة واقعية دلالية قوية وعميقة تعيشها تلك الشخصية في حياتها اليومية . فهو في نصصه تلك يفجر العلاقة بين الدال والمدلول , فيتيح لنصه القصصي أكثر من قراءة , عند أكثر من قارئ ومتلقي . ليدخل في عالم زهاء الطاهر من كل أبوابه . وليس من باب القصة القصيرة فقط . فهو يدخل من باب الشعرية عنده ومن باب الرؤى التشكيلية وجمال تصوير الشخصية وتجسيدها , ومن باب تعاطف اللغة معها , حيث أن للغة وظيفتين : أولها : – الوظيفة المرجعية , والتي نلجأ إليها في وظيفة الاتصال اليومي العادي , بحيث تكون كلماتها محددة وموظفة في شفرتها العادية . وثانياً : الوظيفة العاطفية , بحيث تصبح اللغة نظاماً ثانوياً للتعبير وهو النظام الذي يستخدم غالباً في الأدب .
إن القاص زهاء الطاهر , رغم استخدامه لضمير المتكلم في السرد , وفي أغلب نصوص تلك المجموعة , وخلطه ومزجه بين { الأنا الأدبية } , وبين { الأنا الشخصية } , فقد حاول أن لا يبنِ نصوصه بناء تقليدياً , بل خاض غمار التجديد , والتجريب بجرأة وشجاعة , عرضته , لهجمات البعض من أنصار القص والسرد التقليدي . رغم أن تجديده قد كان مستمداً من البيئة والواقع الذي تعيش فيه شخصياته . وتأتي قدرة النص القصصي عنده من إيداع النظام الدلالي الخاص , داخل النظام الدلالي العام في الثقافة التي ينتمي إليها القارئ المتلقي لهذه النصوص .
تظهر شخصيات زهاء الطاهر القصصية , وعلاقتها مع ( الراوي ) , العليم the narrator , بشكل لقطات معمقة , بحيث تقود المتلقي ليستقبلها بشوق ولهفة , حتى يعرف إلي أي مدى ستنتهي علاقته بها , كيف بدأ ماضيها ؟ وكيف سيكون حاضرها؟ وكيف سينتهي مستقبلها ؟ ولقد لجأ تقنياً إلي استخدام أسلوب القطع السينمائي cutting , وهي تقنية تأثر بها جيل القصة في السبعينيات في السودان والعالم العربي . فهو يقطع السرد , ثم يعود إليه . فهو نوع من تحفيز المتلقي للانتباه والمتابعة والتخمين . وهذا القطع , يكسر رتابة السرد التقليدي , حيث يغير في السير الأفقي له , فيعود إليه وقد استعد المتلقي بكل حواسه للمتابعة . وكسر بذلك قاعدة المسار التقليدي للقصة . والقاص يعود لنقطة البداية بكل سهولة , وبلغة شاعرية مميزة . التي يعود النص بها إلي توازنه , وخطه الأفقي العادي . والذي قد يخرج به من الزمان والمكان أحياناً , ( الزمكانية ) , ولكن المتلقي برغم هذا الخروج , فإنه يكون بداخل الراوي , وزمانه الداخلي , بحيث يعرف ما يقوله ويحس به , فيتحول المتلقي إلي كاتب للنص , وهو بهذا الانتماء , يتحول إلي القارئ المثالي الذي يريده كل كاتب كبير . بحيث تتعمق في شخصياته وتتعايش وتتآلف معهم . إن الفنان الكبير , كما يقول النقد الحديث , هو الذي يتأثر ببيئته , وإنسانها , وثقافتها , والقاص ( زهاء الطاهر ) , يمثل قلق العصر وهروب المبدع من كل شيء مرتب ورتيب . وهو رغم هذا القلق والتمرد الذي تحسه في نصوصه , وروحه الهائمة المعذبة , لم يلجأ رغم كل هذا التشظي , لكتابة النص الغامض . ولكنه مال لكتابة القصة السياقية , بمعنى أن السياق هو الذي يحرك شخوصه . إن القصة عند ه لم تعد عدة انطباعات , أو أحداثاً مشوقة , بل يترك شخوصه لقدرهم , وهو الذي يصنع لهم النهاية , والتي غالباً ما تكون قدرية حزينة . رغم أن هذه المجموعة لا تخلو من القصص الكلاسيكية . ورغم تقليديتها فهو لا يفتعل لها الصراع والإثارة الزائدة .
لقد طوّع القاص زهاء الطاهر , أدوات القص والسرد , ومخزونه الشعري , في التجريب والتجديد , وغلبة اللغة التيارية المتداعية , ولغة النجوى الداخلية , والتغزل في الزمان والمكان , والحنين إلي الماضي الجميل . ثم روح النفس العابدة والمتصوفة . فزهاء الطاهر ملاحظ نشيط وفنان في التقاط الموقف الإنساني لشخصيته , ويمتاز بالتحليل العميق لأبطاله . مع الشخصية أو ضدها . لقد كان وصفه الخارجي لشخصيته كالمرآة تعكس الداخل , من ما يجعل نصوصه كلوحات تشكيلية , فيها المجرد والمجسد . ورغم الصدق العاطفي الذي كتب به شخصياته , ورغم التعاطف القوي والإعجاب الخفي الذي كان يحمله لهذه الشخصيات , وبعضها قد تكون شخصيات واقعية حقيقية , إلا أن هذا الصدق وهذا التعاطف , لم يجعلها شخصيات وهمية , أو نموذجية مثالية , وإنما أخضعها للواقع الإنساني , الذي يحتوي الشر والخير حتى في الشخصية الواحدة . فلم تكن كتابته عنها , كتابة المبالغة والصورة الزائفة المكبرة , وحتى في إبرازه لعيوب أبطاله , فهو لم يجعلها عارية , ومعرضة للسخرية والاستهزاء . وإنما جعلها نموذجاً للشخصية التي نضحك منها ولا نضحك عليها .
رغم أن أغلب قصص المجموعة , ( وين يا حبايب) , يقوم الجزء الأكبر منها علي المزيج من الإيحاء والخاطرة والسيرة الغيرية , من ما يجعل القارئ العادي , يعتقد بأنها مفككة , أو سرد مبعثر , ولكن جمالياتها تظهر في المقدرة على التقاط هذه اللمحة الفنانة عن شخصية قد نراها عادية ولا تلفت النظر إلي الشخصية ذات النظرة العابرة غير المتعمقة . وقد أثبت الراحل ( زهاء الطاهر) , مقدرته الفائقة في فن التقاط الشخصية غير العادية , والتي تعيش في الواقع الحياتي العادي . فقد حول الزمان إلي شكل وصورة ( تجسيد الزمن ) , قصة (الزمن السمهري) , وجعل للمكان طعم ورائحة , وفي نصوصه بعض تقنية السريالية الخفيفة , والتي يثور فيها على (الرتابة في السرد التقليدي) , و( اتصال المقدمات بالنتائج) . وفي سرده كانت انفعالاته موظفة في اندفاع تلقائي طبيعي , مستخدماً في ذلك تقنية الاستباق والرجوع , flash back , وقد أتاحت له هذه التقنية , سهولة الأخذ والاستفادة من مخزون الذاكرة لديه . ومن معين ثقافته المكانية . وقد لجأ إلي ما يسمى بالبعثرة المنهجية في السرد . من يجعل القصة عنده تقوم على بنية الكلمة والجملة الخبرية التي يروي بها الراوي , والتي يكشف بها دواخل الشخصية وعلاقتها بحياته على السطح الخارجي .
كتب القاص (زهاء الطاهر) , أغلب نصوصه تحت مظلة (لواقعية) , ولكنه تجنب , أن يكتب بشكل القصة التقليدية , من عرض , ونمو , ووحدة للأثر , وصراع , وحيل قصصية , وتطعيم النص بما يسمى بالحدوتة , ليرضي القارئ العادي the mock reader , ولكنه فضل أن يلجأ إلي اللا شكل , anti form , فقامت بذلك نصوصه على مكونات الذاكرة والحلم معاً . ومن روادها (كافكا , ومارسيل بروست) , ومن أدوات هذه الذاكرة , هو استخدام (ضمير المتكلم) , في أغلب نصوص هذه المجموعة . والتي تتناوب السرد مع الضمائر الأخرى ( السرد التناوبي ) , يقول في إحدي قصصه : وجلست إليه ليحكي لي مرة أخرى . واستخدم الراحل زهاء الطاهر , اللغة الفصحى , والتي لا تنبهم على فهم القارئ العادي . وقد استمد من بيئة النشأة والواقع الذي من حوله بعض المفردات والكلمات المنسية , وبعضها ذات الدلالة المكانية الخاصة ( البيئة الكرفانية ) : فيذكر : [ أم ديسة أب سكاسك , وبت الدخري , وأب تفة , وعيال البقس ] . ورغم تجريده للغة , وتشبيه اللا محسوس بالمحسوس , ولكنه لجأ للغة الواقعية التي تشبه لغة الإنسان العادي في المجتمع الحقيقي الذي تتحرك فيه الشخصية ( المكان الواقعي ) ( الحمريطي ) , ( آدم طلع البرنجي ) , الرجال المصنقرين في ضل الراكوبة , العوين كانت ورا الراكوبة من الجهة الصبحانية , أبوه العيفة , من ما يجعل بعضاً من قصصه , لوحات تشكيلية تستمد مادتها من المكان والزمان , في رسم الشخصية , والحدث , الذي تصنعه أو يصنعها . يقول : (كنت نحيلاً كفتيل قنبلة يدوية ) , كان يتقافز أمامها كدعول الخريف المربرب , فهذه اللغة تضيق المسافة اللغوية بينه وبين القارئ . لقد تعمقت هذه النصوص في دلالاتها , وفي توسيع مغزاها , ولم تركز على الحدث والصراع بين الشخصيات , وفي هذا يقول الكاتب الفرنسي ( أندريه جيد ) : يجب على القاص أن لا يحكي حكاية مباشرة بل يجب أن يعرضها من زوايا مختلفة , مع التحوير وإشراك القارئ في تكملة ما يقرأ .
لم يلجأ القاص , في هذه النصوص إلي الخيال المجرد , وإنما كان يثق في ذاكرته , وعواطفه المختزنة الصادقة ( الصدق العاطفي ) , لذلك كانت علاقة نصه الأدبي بالواقع الخام اقبل تشكيله سردياً , هي علاقة تطابق وموافقة , وعلاقة استكشاف , وشرح , وعلاقة قبول ورضي . لقد كان يزاوج في بعض نصوصه , بين الواقعية والرومانسية , يظهر ذلك في تضخيم الأنا, وأحياناً يتخطى بموافقة الإطار العاطفي , إلي مجافاة الواقع , والبكاء على أطلال الماضي الجميل الذي ولّى ومضى بغير رجعة , عزاءه الحلم بغد أفضل , ومن هنا تتجسد عنده الرومانسية الحالمة والذات الغنائية المتعلقة بالكون ( المطر – السحاب – اللون الزرعي – السهول والوديان ) . ففي تلك النصوص يجمع بين المشاعر الفردية والجماعية , وبين النظرة الذاتية , والنظرة الموضوعية , بين الواقع والخيال , والماضي والحاضر . كأنه أراد أن يعيد صنع العالم , برؤية جديدة , وبزمان مختلف , فهو أراد أن يعود إلي البدء والبراءة الأولى وهو حر في صياغته وإعادة خلقه .
لقد استفاد في هذه النصوص , بانفتاح عدة أجناس أدبية مع بعضها البعض , كالشعر والرسم والنحت , وفن الغناء , فقد ظهر في أسلوبه أناقة الأسلوب , وإيقاع الموسيقى .