السياسيون والمزاج الشعبي.. (سيد نفسك مين أسيادك)

عايدة سعد
الحاجة إلى مراكز دراسات متخصصة في قياس الرأي العام أصبحت ملحة للغاية، بعد أن توغلت مفردة (المزاج الشعبي) في قواميس السياسة السودانية، وأضحى بمقدور كل سياسي أن ينسب أهواءه الشخصية لمزاج الشعب السوداني، إذ صرح رئيس حركة الإصلاح الآن الدكتور غازي صلاح الدين من خلال مؤتمر صحفي عقد بمركز طيبة برس أمس الأول، أن المزاج الشعبي في السودان ليس مع الانتفاضة وإنما يفضل الحوار، الفعل الذي طرح تساؤلاً مهماً على المشهد برمته، حول من الذي يحدد المزاج العام للشعب السوداني، إذا كان مع هذا الخيار أو ذاك، فالحديث دون الإستناد إلى إحصائيات دقيقة من مراكز دراسات رأي متخصصة يصبح مجرد إستهلاك سياسي.

إرادة الشعب:
للشاعر التونسي أبو القاسم الشابي بيت شعر ذائع الصيت، يقول فيه: إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر، الفعل الذي يشير إلى أن لا أحد يستطيع أن يزيف إرادة الشعوب، فالراصد لثورات الربيع العربي، التي إجتاحت عدداً من البلدان العربية، يلحظ بصورة لا تخطئها الأعين أن تلك الشعوب تحركت بإحساسها نحو إسترداد الحقوق التي سلبتها منهم الديكتاتوريات، لا بفعل الأحزاب والقوى السياسية، التي ظلت تتاجر بمعنوياتهم ردحاً من الزمن، إلى أن إندلعت الثورات وقضت على تماثيل الرمال، في دول أمسك فيها الطواغيت بتلابيب الحكم لثلاثة عقودٍ أو يزيد، فخرجت الشعوب العربية واحدة تلو الأخرى، لتكتب بدماء شهدائها تاريخاً جديد.
المزاج الشعبي:
مفردة المزاج الشعبي ظلت كامنة أو خافتة، رغم تداولها بشكل غير مباشر في كثير من الممارسات السياسية، التي حملتها إصطلاحات راجت وتبلورت وتحددت معالمها، واستقرت في بطون القواميس والمعاجم والموسوعات، إلى جانب (العقل الجمعي)، و(الضمير الجمعي)، و(الرأي العام)، و(الجماهيرية)، والإصطلاح الأخير هو الأقرب إلى مصطلح (الشارع السياسي) الذي عرف مؤخراً بالمزاج الشعبي، وهو إن كان قد حرس الديموقراطية من خلال حرص أغلب الناس على الذهاب إلى صناديق الإقتراع في البلدان التي تعتنق الديمقراطية، فإنه تسبب من خلال بعض الحالات في إنتكاسها، وتجاوز تنظيماتها نظراً لفقدان الثقة في المؤسسات القائمة عليها.
المزاج السياسي:
المزاج السياسي السوداني بحسب الكاتب الصحفي يوسف عثمان إسحق هو أكثر المزاجات العربية ولعاً وعشقاً للسياسة وألعابها ومستوعب لمتطلباتها ومدرك لمعنى مخرجاتها التي قادت في السابق إلى الاستقلال السياسي والفكري، وأفضت إلى الديمقراطية بأي من أشكالها «موجهة أو غير ذلك» التي جربها المزاج السوداني، والمؤتمر الوطني يتولى إدارة دفة البلاد بفهمه المرجعي والسياسي، حيث مزج السياسة بالدين، وما أُتيح للإنقاذ بكل القياسات الزمنية والاجتماعية لم يتوفر أو يُتاح لغيرها من الأنظمة والحكومات مما يمكنها أو يجعلها تعيد تشكيل أو صياغة المزاج السياسي، وبنظرة سريعة للتحولات التي صاحبت مسيرة الإنقاذ فمن الشرعية الثورية والتمكين برزت إلى حيز الوجود الحكومات الشعبية المصغرة «اللجان الشعبية» بقوتها المجتمعية وسطوتها السياسية، ثم جاءت تجربة التوالي السياسي التي وجدت الأحزاب متفرقة ثم أخيراً الكيان الجامع الذي استقطب إلى جانب أهل الإنقاذ جموعاً من ألوان الطيف السياسي الأخرى خاصة تلك التي كانت في مرحلة انعدام الوزن واللا وعي ثم أصبحت لا منتمية بسبب المتغيرات المتتالية.
تطور الوسائل:
ساهم التطور الهائل في وسائل الإتصال، وظهور الإعلام الحديث، وتقدم الصناعة في زيادة الحضور الشعبي في المشهد العام، ولم تعد السياسة فكراً وممارسة مقتصرة على نخب ضيقة، وعلى من يلتف حولها من المنشغلين بالقضايا العامة، وصار الوعي بتأثير السياسة على الحياة الخاصة للفرد عميقاً ومتجذراً، فكثير من النظم التسلطية حاولت عبر قرون، أن ترسخ تصورات تفصل بين الشأن السياسي وشؤون الحياة التي تمس الفرد بشكل مباشر، أو تلك التي تتعلق بتلبية إحتياجاته المادية الأساسية، لكن هذه اللعبة لم تعد تنطلي على قطاعات عريضة من الناس، وأصبحت مؤقنة بأن ثقافة الحاكم ونوع الحكم وكفاءة وولاءات الشخصيات التي تدير الدولة لها علاقة مباشرة بحياة أفراد الشعب، الأمر الذي جعلها تتحدث بلسان الشعب في كثير من الأحيان.
لقمة العيش:
إن كان مزاج الشعب أمراً يأخذه المسئولين صدقاً ضمن حسبانهم ويضعونه نصب أعينهم عند ممارساتهم لسياسة، فإن هذه صورة لا يمكن إتساقها مع ما يحدث فى الشارع العام بحسب المراقبين، حيث ان مزاج الغالبية العظمى من الشعب لم تعد مع شيء سواء السعى وراء (لقمة العيش)، والتحدث باسم الشعب يتطلب من المسؤول أن ينزل من مكتبه الفخم إلى الشارع لمعرفة مزاج شعبه وإلا فإن الحديث عن المزاج يظل بمثابة ثغرات يحاول ان يوظفها المسئولين لاضفاء القرب اللصيق بالمواطن، في الوقت الذي تظل فيه العلاقة بينهما فاترة بعيدة حيث الالتقاء بينهم يتم من خلف زجاج السيارات الفارهة فقط، وهذا ما قاد المواطن إلى صرف نظره عن المسؤولين فحبائل الاحساس بين المواطن والمسؤول بلغت مرحلة دانية من العدم.
المزاج الخطأ:
حينما بدأت الإجراءات الرسمية إستعداداً لإستفتاء تقرير مصير لشعب جنوب السودان، صدح أحد المسؤولين السياسيين بالدولة أن مسألة الإنفصال بعيدة عن المزاج العام لأهل السودان، وإن الجنوبيين سوف يصوتون لخيار الوحدة حتى كانت الفاجعة بإنفصال الجنوب عن الشمال بأغلبية ساحقة في يوليو من العام 2011م، بلغت 99%، ومن التصريحات التي تتعلق بالمزاج، الذي إختاره شعب جنوب السودان، لا يتوافق مع مزاج الدارفوريين، الذين يعتبرون أنفسهم جزءاً لا يتجزأ من هذا الوطن، لكن بالرغم من ذلك تظل المخاوف بإنفصال دارفور مثلما حدث للجنوب حاضرة في أذهان الكثيرين، لذلك مثل هذه التصريحات لأبد أن تضبط بإحصاءات رسمية لمراكز دراسات الرأي.