الروائي السوداني أمير تاج السر : هــذا زمــن الـروايــة

يعد الروائي السوداني أمير تاج السر أحد أميز كتاب الرواية الحديثة المعاصرة ، وجدت أعماله إهتماما وشهرة كبيرة في الأوساط الثقافية والنقدية العربية والعالمية ، وترجمت إلي العديد من اللغات الحية الإنجليزية والفرنسية والإيطالية ونال العديد من الجوائز حيث وصلت روايته ( صائد اليرقات ) للقائمة القصيرة لجائزة البوكر عام 2011 م ونال أخيرا جائزة كتارا للرواية العربية .. إلتقت به ( الوطن ) في محاور شتي ما بين تجربته ورؤيته وكتاباته وكانت هذه الحصيلة

حوار: محمد نجيب

> الكاتب في الهجرة يأخذه الشوق إلي الوطن .. هل يأخذ الوطن الكاتب إلي هجرته الداخلية ؟
نعم، الكاتب في الاغتراب، تتلبسه حالة كبرى من الحنين للوطن، وتتمثل له الوقائع اليومية الروتينية التي ربما يعيشها من يسكنون بالوطن، أدوات ترف ورفاهية بلا حدود يمنى لو كان يملكها، خاصة لأولئك الذين يقيمون في بلاد بعيدة في أوروبا وأمريكا واستراليا، حيث الحياة مختلفة تماما عن البلاد العربية والإسلامية. أنا لحسن حظي أقيم في بلد عربي مسلم لم أحس بغربة فيه، فقط الحنين لمنابع الكتابة التي لم تتغير عندي حتى الآن، بمعنى أنني أزور بلادي دائما، أتزود بالجديد من المتغيرات، وبذا أدعم كتابتي وأسد أي فجوة للشوق والحنين. بالنسبة للهجرة الداخلية، داخل الوطن، هذا ممكن، وغالبا ما يحدث حين يجند الإحباط أدواته كلها في وجه الكاتب وحياته. هنا لا بد من البحث عن مخرج سريع، والعزلة، مخرج سريع بلا شك، وأتذكر شعور الطبيب الذي وصفه ماركيز في روايته: الحب في زمن الكوليرا، الطبيبالذي عاد إلى بلاده بعد أن درس في فرنسا، وهو ممتلئ بالأشواق، وتلتف حيل الحنين حول رقبته، ليفاجأ في الميناء حين رست السفينة بكل مناظر التخلف والقذارة، ويتملص سريعا من حيل الحنين.
> مهر الصياح وتوترات القبطي مثلت إنقلابا في رؤية أمير تاج السر من كتابة رواية السيرة الذاتية إلي السيرة الغيرية .. هل هي بداية كتابة التاريخ سرديا ؟
شخصيا كتبت في شتى أنواع الكتابة، كتبت السيرة في عدة كتب، وكتبت الأسطورة والتاريخ والفنتازيا، واستخدمت اللغة التي تخصني في كل ذلك. بالنسبة لمهر الصياح، فهي ملحمة جمعت التاريخ والأسطورة والفنتازيا، وهي فضاء وصفت فيه أدوات القهر في مختلف الأزمنة، وهي العمل الذي ظهر معه أسلوبي المطورمن الشعر إلى أسلوب آخر ثابت، أكتب به دائما، لقد كانت الخلفية، سلطنة دارفور قديما، لكن الحكاية معظمها متخيل، ولا علاقة لها بالواقع. في توترات القبطي، تأثرت بالثورة المهدية بلا شك، لكن لم أكتب وقائع حدثت في زمن المهدية، إنما هي وقائع متخيلة، لثورة هبت في وجه الظلم لتخترع الخراب بعد ذلك، ولو ألقيت نظرة على عالمنا اليورم، ستجد النص- السيناريو يتكرر، وقريبا ستصدر طبعة جديدة للرواية تحمل عنوان: نص أباخيت، باعتبار أن النص تدحرج حتى عالمنا المعاصر، ويمكن أن يحدث في أي وقت.
> روايتك مرايا ساحلية لم تخرج من حيز مكان المولد هل هي تعبير عن البحر في عنفوانه وإنطلاقة سفنه نحو المجهول ؟
مرايا ساحلية، من كتاباتي الأولى، ودائما ما ينطلق الكاتب من مكان الخبرة الأولى في أعماله الأولى، هو يستوحي من مكان يعرفه وعن أشخاص يعرفهم، وهكذا ظهرت مدينة بورتسودان في فترة من فتراتها في هذا الكتاب، شخصيا أعتبرها رحلة توثيقية لأوائل سبعينيات القرن الماضي، وما زلت كلما عدت لمرايا ساحلية تملكني هاجس أن أعيد كتابتها بحيث أذكر حوادث نسيتها من قبل أو أشخاص غفلت ذكرهم. الآن حين أعود لمدينة بورتسودان وأرى ما استجد على شاطئ البحر من استعمار بواسطة المباني المتعددة، وما جرى للمدينة من تغيرات في كل الشوار ع والأحياء، أحس بالزهو أنني قدمت عملا توثيقيا للمدينة.لكني لا يفوتني أن أذكر أنني كتبت أعمالا أخرى مثل العطر الفرنسي، و٣٦٦، وفي ذهني مدينة بورتسودان.
> كتاب صلاح سر الختم يعد من أندر الكتب التي أحاطت بعوالم كاتب سوداني في العقد الأخير .. كيف ينظر أمير تاج السر لهذا الكتاب وخصوصا أن هناك نقادا يرون أنه قد فتح كثيرا من مغاليق وحياة أمير تاج السر ؟
صلاح سر الختم، كاتب مجتهد وطموح بالفعل في كل أعماله الإبداعية والنقدية، وله رؤية خاصة، ولغة خاصة في التعامل مع الإبداع، وأعتبره من الذين يسعون بحيادية تامة، لمساندة المبدعين في السودان وقد كتب كثيرا عن كتاب كثيرين، وأشكره أنه خصني بكتاب كامل تناول فيه معظم كتابتي، وأعتقد أن الكتاب نجح بالفعل في تحقيق ما أنادي به دائما، وهو أن يكون النتقد مفاتيح للعوالم المغلقة، وكشافات إضاءة، تنير للقراء طريقهم إلى كاتب ما. الكتاب فعل ذلك، وفوجئت شخصيا أنه أحال كل عمل كتبته إلى مصادر ربما تكون مصادره بالفعل، أنا أحيي صلاح، وأتمنى أن يستمر قلمه في إضاءة عوالم لكتاب آخرين مبدعين في السودان.

> هل ما يكتبه أمير تاج السر يمثل الرواية الجديدة بمفهومها الغربي … حيث لا وجود للكتابة الكلاسيكية وانفتاح الزمان والمكان ؟
لم أفكر في ذلك، وحقيقة لا أقلد الغرب، ولا أمريكا اللاتينية كما قد يتصور البعض، أنا أكتب فقط، وأحاول أن أكتب ما أعتقده كتابتي الشخصية بلا مؤثرات، وقد عملت أكثر من عشرين عاما على مشروعي، وأصبح الآن مشروعا كبيرا في العربية، وترجمت لست لغات حتى الآن، وكما يقول صديقنا الكاتب الجميل عبد الغني كرم الله، أنني أستطيع أن لا أكتب مرة أخرى بعد ما قدمته. النقاد الذين قرأوا تجربتي، بعضهم احتفى بها وبعضهم لا، وهذا لا يهم، فكل أنواع الإبداع، تحتمل التذوق من البعض، ولا تحتمله من البعض الآخر، لكن عموما تجد روايتي تحاول أن تكتب الواقع ببهارات ما، الواقع السحري لكن بسحرية سودانية بحتة.
> أنت كاتب مهم في الخارج وفزت بجوائز عربية عديدة وترجمت أعمالك ، لكن وجودك في الساحة الثقافية السودانية نادر وكتبك غير متوفرة بالمعني الصحيح .. ماذا يمنع أن تنشر أعمالك في داخل السودان ؟
وجودي في الساحة السودانية نادر ، أتفق معك، ذلك ببساطة أنني لا أقيم في السودان وبالتالي لا نشاط لدي هناك، وحين أعود في إجازاتي السنوية، أفضل أن أكون مع أهلي وأصدقائي وبعيدا عن الإعلام ودروب الثقافة، وربما أحضر ندوة ما أو أشارك في ملتقى، لكن ليس دائما، ونحن في السودان لا نملك ثقافة إكرام ابن البلد بدعوته للمهرجانات التي تقام باستمرار، ويدعى إليها الناس من كل حدب وصوب، وحتى حين كانت رلخرطوم عاصمة للثقافة العربية، لم يدعني أحد. هذا ليس مهم عندي بقدر أهمية الوصول للقارئ السوداني، ونقد جربت نشر بعض الكتب أيام بداياتي في السودان، إلا أن التجربة كانت مريرة، فقد طبعت الكتب كأسوأ ما تكون الطباعة. أنا أتعامل مع دور نشر عربية كبيرة، وهي توفر الكتب في السودان وتشارك في معرض الخرطوم، لكن ربما غلاء الكتب ما يجعلها بعيدة عن القارئ، وكلنا يعرف أن القراءة في هذا الزمن الصعب، ترف كبير.
> هل هذا زمن الرواية .. وما رأيك في تعدد المسابقات في هذا المجال ؟
طبعا زمن الرواية، لأن الكل يكتبون رواية، فلم يعد يظهر شاعر، أو كاتب قصة قصيرة، لكن يظهر روائي، ولدرجة أن أصبحت الرواية لعنة، ولا يستطيع القارئ أن يلاحقها أو يفرق بين ما هو رواية فعلا أم لا؟ بالنسبة للجوائز التي انتشرت وتعددت مؤخرا في الوطن العربي، فأنا أشجعها بشدة وأتمنى أن يزيد عددها، فهي الحافز الوحيد للكاتب المحبط من كل شيء،علينا أن نؤمن بدور الجائزة كمحفز للكتابة والتنافس ولا نقفز إلى عيوبها التي يراها البعض، وقد قلت رأيي مرارا أن الأمر خاضع للتذوق الشخصي من المحكمين ولا يعني أن الكتاب الذي لم يفز، هو كتاب سيء، والذي فاز أفضل، أتمنى أن نحافظ على هذه الجوائز، ومنها جوائز بديعة وترتقي بالكتابة مثل جائزة البوكر العربية، وجائزة كتارا التي أنشأتها مؤسسة الحي الثقافي في قطر، وهي جائزة ولدت بشخصية قوية، ونهج مغاير.
> لماذا لا تولي الشعر والقصة القصيرة ذات إهتمامك بالرواية .. ؟
الشعر أكتبه داخل الروايات، إما قصائد وإما بتطعيم لغة السرد به، فلم يعد هاجسي بعد أن أنجزت كثيرا في الرواية، أما القصة القصيرة فلا أكتبها، حقيقة لا أعرف كيف تكتب. عندي فقط حكايات ألملمها من مواقف تحدث معي، وأنشرها داخل بعض الكتب لكنها ليست قصصا قصيرة كما أعتقد.
> مارأيك في مستوي السرد في العالم العربي في الرواية … وهل هي حداثوية متجددة .. أم لا تزال تقف في حدود نجيب محفوظ والطيب صالح ؟
يوجد هذا وذاك، هناك كتاب مضوا بالكتابة إلى درجات عليا من التجريب، هناك من اكتفوا بالمنجز الكتابي، ويسيرون على نهجه، وهناك من يكتب نصوصا لا يمكن أن تكون روايات. أنا مع التجريب الذي يخلق نصوصا مغايرة، بشرط أن تظل الحكاية موجودة واضحة، والشخوص يسطرون بملامحهم على النصوص، ولا يكون تجريبا مفرغا من ذلك
> كيف تنظر إلي مشهد الربيع العربي سرديا ؟؟ هل من صورة أبلغ من غرق الطفل إيلان كردي ؟
الربيع العربي كما كتبت من قبل، لا بد أن يحدث تغييرا ما في الكتابة السردية كما أحدث انعكاسا في الحياة عموما، رأيي أن هناك أعمال جيدة كتبت، خاصة في الدراما التلفزيونية، وبعض الروايات ويمكن بمرور الوقت أن تنتج أعمال أفضل. هذا التغيير الكبير في بعض البلاد يحتاج لترو عظيم قبل تدوينه سرديا.
> كيف تقرأ هذا الإنفجار الروائي الذي تكتبه الأنثي _ خاصة _ ؟
عادي، أنا لا أتفق مع الذين يفرقون بين كتابة الرجل والمرأة، فكلها ممارسات إنسانية، لكني أرى رغم ذلك، أن المرأة أقدر على الرجل في كتابة الرواية الاجتماعية، الرواية التي تلامس حياة الناس بصورة كبيرة، وفي وسط هذا الانفجار الذي ذكرته، توجد إشراقات كثيرة، توجد كاتبات قدمن روايات عظيمة.
> متي تعود ؟
لا أعرف، فأنا سعيد بحياتي في دولة قطر التي قدمت لي أكثر مما أتخيل، من ناحية المهنة، والوقت الذي عملت فيه على مشروعي حتى أوشك على الانتهاء، كما أتاحت لي التعرف إلى بلاد كثيرة، وثقافات شتى. وبالنسبة للسودان فلم أنقطع عنه قط، فأنا دائم الزيارة كما ذكرت.