الباخرة دهب .. والكنز الذى ذهب

عبدالروؤف بابكر المهدي

  الجودى آخر القطع البحرية التى قامت الخطوط البحرية السودانية  بشرائها فى العام 1998  .. وهذه الجودى كانت بمثابة المورد الرئيسى لتسيير وتمويل بقية الانشطة التجارية  بالشركة بعد أن سجلت البواخر وغيرها من الانشطة التجارية خسارات متكررة .. الى أن تم  التخلص منها بالبيع فى العام 2004 ..  وبعد ستة عشر عاما من الجمود عادت الخطوط البحرية من جديد لذاكرة امتلاك البواخر اذ نجحت فى العام الماضى فى شراء الباخرة  المصرية دهب  بعقد بيع ايجارى تمكنت الشركة من سداد آخر أقساطه عبر قرض من وكيل الشركة بالمملكة العربية السعودية وبذلك تمكنت من رفع علم السودان فى  واحتفالية شرفها السيد رئيس الجمهورية.

• بالافتراضات الواقعية كنا نحسب ان ادارة الشركة وقتذاك قد حققت انجازا كبيرا وضخما وسبقا لم تسبقها عليه الادارات التى تعاقبت على الشركة ولنحو عقدين من الزمان ذلك لأن نشاط بواخر الركاب من الانشطة الحيوية والتى تدر عائدات مالية كبيرة ومستمرة .. وهى من جانب آخر تؤمن للدولة ظهيرا هاما لخدمات الحج والعمرة والمغتربين من مختلف دول الخليج .. ولعلنا جميعا وقفنا على الأزمات المتكررة المتلاحقة التى عانى منها المسافرون من والى المملكة بسبب عدم وجود البواخر.

• المتتبع للنشاط التجارى للباخرة  دهب يجد أن هنالك أكثر من علامة استفهام حول الأداء التجارى والفنى للباخرة  .. فدهب عند دخولها الخدمة عانتفى تثبيت أقدامها فى الخط .. وتحملت كثير من الخسائر بسبب دخولها دون الاعلان عن خدماتها وبسبب حرب المنافسة وسياسات الاقصاء المتبعة فى هذا النشاط .. وعندما انفردت الشركة وحدها بالعمل لجنوح باخرة الخط المنافس فى الشعب المرجانية  عند مدخل مدينة سواكن عانت الشركة كذلك فى ادارة هذه الازمة  وصارت التذاكر وبطاقات الاصعاد للباخرة عند السماسرة والوسطاء وارتفعت اسعارها عشرات الاضعاف وعمت سواكن حالة من الفوضى والمعاناة حتى تدخلت سلطات الولاية وكونت لجان لتصعيد المسافرين فأحدث ذلك خللا كبيرا وسمعة غير طيبة عن الباخرة فى أوساط المسافرين.

• الباخرة دهب ومنذ انضمامها للخدمة وحتى اليوم سجلت توقفا متكررا  .. ولربما زادات فترات التوقف عن الفترات التى عملتها فعليا ويرجع ذلك بسبب الحالة الفنية.

• الباخرة توقفت  فى اكتوبر الماضى لاكمال بعض الصيانات تمهيدا لدخول الحوض  بمدينة سواكن لفترة طويلة قبل أن تتوجه للصيانة السنوية بجده  وزادت فترات التوقف فى سواكن والحوض بجده عن الخمس أشهر .. وعادت للعمل من جديد بأمل أن تؤدى موسما استثنائيا متميزا .. لكنها بكل أسف وبعض أشهر قليلة عادت للتوقف مرة أخرى بسبب عطل ميكانيكى كبير أتلف الكرنك وبالكامل.

• ان الحيرة والأسف وحدها هى الكلمات التى يمكن أن تكون مناسبة للتعبير عن الحال فى هذه المؤسسة العملاقة .. ويبقى السؤال الهام هل هذا العطل الذى أصاب ماكينة الباخرة ناتج عن عيب قديم لم يفطن اليه عند الشراء .. أم أنه حدث نتيجة لاهمال فى اداء الطاقم الفنى .. وهل اتبع فى اجراءات الشراء المتطلبات الواجبة لفحص الباخرة عبر تيم فنى مؤهل وببروتكول مكتوب .. فى كل الحالات أرى أن الأمر يحتاج للتحقيق لأن الخطوط البحرية العاجزة الآن عن الوفاء بالتزامات العاملين من المرتبات كانت فى حاجة ماسة الى خدمات الباخرة وفى هذا الوقت بالذات .. و الدولة  كذلك كانت تؤمل فى أن  تسهم الشركة فى ترحيل بعض من حجيج  هذا العام .. و أبناء هذا الوطن من المغتربين وخلافهم من المسافرين عبر سواكن  كانوا أيضا بحاجة لخدمات دهب .. فخروجها فى هذا التوقيت الذى يصل فيه الالآف من ابناء السودان المغتربين فى دول الخليج لقضاء عطلة العيد من شأنه أن يقذف بهم لمحرقة المعاناة ويتركهم لقمة سائقة للسماسرة والوسطاء.

• الباخرة فى موسم الحج الماضى  وحده حققت مايقارب الثمان مليارات من الجنيهات والثمان مليون من الريالات عبر نشاط الوكيل بجدة بالمملكة .

• فضلت أن أضع الحقائق مجردة فى أمر الباخرة دهب .. وأكتفى أن أقول ( ياحسرتاه على الباخرة دهب .. وياحسرة على الكنز الذى ذهب ) .. – وأنا بحزن لى سفن جايات وما بتلقى البلاقيها – هذا ماسأعود اليه باذن الله.