من «بساتين» عالم عباس «1-2»

إبراهيم إسحق إبراهيم
عالم عباس محمد نور عالم .. ولد في الفاشر تندلتي السلاطين عام 1948 .. طلع ونزل مع سور القرآن مراراً في خلوة سلفه الشيخ التجاني ، وتربّى بين العلوم الأزهرية التي جلبها آباؤه من مصر ، وعلى أوراد التجانية التي يتشيخون فيها .. ثم ألزمه التعليم الرسمي بالعلوم العصرية وباللغة الإنجليزية ، فكان جاهزاً للتلقي عن حملة الدكتوراه السودانيين والمصريين في جامعة أم درمان الإسلامية ليتخرج فيها عام 1972 .. عمل في جمارك الجنينة وبورتسودان ، وزار عدة بلدان في أفريقيا وأوروبا وآسيا .. تزوج باكراً وأنجب صبياناً وبنات ، ومكث في جدة بالعربية السعودية نيفاً وعقدين من الزمان .. ثم عاد إلى الوطن عام 2008م ليترأس على إتحاد الكتاب السودانيين لثلاث دورات حتى 2011م ..

لقد عُهد عني كتابات نقدية في فنون السرد الشعبي والمدرسي ، ولم أتطاول على نقد الشعر لأنني لا أملك أدواته .. لكنني أكتب الإنطباعات حول إحساسي الخاص وأنا أجوس في خمسة دوانين – من سبعة – طُبعت حتى هذه اللحظة ، لعالم عباس .. المؤدى المعنوي في هذه الأشعار تظل عصية على إمكانياتي التشريحية ، ولكنني أهتدي بالموسيقى التي تزخر بها هذه الأزاهير ، كما سأُحاول أن أربط بين معرفتي الشخصية بالزمن الأدبي الذي عشناه معاً ، وبالقراءات التي ربما تشاركنا في الإطلاع عليها ، وبالأساتذة الأدباء والمفكرين الذين تتلمذنا عليهم ..
عُقب تخرجه عام 1972 ظهر عالم عباس في المنتديات الأدبية والجلسات العفوية في منازل أكابر الثقافة السودانية مثل محمد المهدي المجذوب ، عبدالله حامد الأمين ، النور عثمان أبكر ، ومحمد عبدالحي ، مجايلاً لشعراء – كانوا يومئذ شباباً ، مثل فضيلي جماع ، كمال الجزولي ، إلياس فتح الرحمن ، وسواهم .. وقتذاك كان الرعيل الأول من شعراء القوافي قد غادروا الساحة ، غابرين أو أحياء مقليّ الإنتاج .. فممن غادر إلى رحمة المولى كان : أحمد محمد صالح ، محمد سعيد العباسي ، التجاني يوسف بشير ، الناصر قريب الله ، وتوفيق صالح جبريل .. ويبقى : عبدالله البنا ، عبدالله الشيخ البشير ، مصطفى طيب الأسماء، ومهدي محمد سعيد .. كل هؤلاء أثّروا بطريقة ما في ناشئة السبعينات : مبدعين ومتلقين .. وكان يتسيد على الساحة ، بشعر التفعيلة ، إلى جانب من ذكرنا : صلاح أحمد إبراهيم ، محمد عثمان كجراي ، مصطفى سند ، محي الدين فارس ، والفيتوري .. هذا دون ذكرللمبتعثين من الشعراء في أوروبا .. وكان الفراغ جهيراً في صف الجيل الصاعد .. فكان لابد لوزارة الثقافة والإعلام ، في نظام مايو ، من أن تستدعي لجنة من أكابر المذكورين ، للإشراف على مسابقة تستزرع مواهب شابة في مضارب الشعر الجديد .. عام 1973م ، أُعلنت النتيجة .. وجاءوا بعالم عباس في المرتبة الأولى بقصيدته «أزوم» ، يتلوه فضيلي جماع في المرتبة الثانية ..
لمن يقرأ المستجدات في التاريخ الثقافي تنكشف سابقة باهرة .. فهذان «الولدان» هما أول من يقتحم ساحات الشعر الرصين في العاصمة الخرطوم ، قادمين من المدن والأرياف الواقعة غربي النيل الأبيض .. وهاهما من «الخبطة» الأولى ، يتصدرون جيلهما في تلك المنافسة .. والأهم من ذلك كله هو السؤال : يا ترى ماهي مواضيعها ؟ كونهما يرسمان «لناس» الخرطوم معالم جغرافيا الوطن السوداني الفسيح والمتواصل غرباً ، بدقة وبعمق لا يعرفها حتى الإداريون الذين ترمى بهم حظوظهم في مناطق «الشِدّة» بتلك الأنحاء .. قصيدة «أزوم» كتبها عالم في شهر إكتوبر 1971 بمدينة الفاشر ثم ربما نقّحها بأم درمان .. كان في عامه الأخير بالجامعة .. والناظر في ديوانه الأول (إيقاعات الزمن الجامح 1974) يجد عدداً من القصائد التي يسبق نظمهن إنشاء «أزوم» .. يجدهن وجدانيات تستكشف الوعي بصخب الحياة ، وبخمول تطورات الشاب الطموح داخلياً وخارجياً ، بالمشاعر المُرسلة والمُستقبلة تجاه الشطر البشري الآخر، وبكل ماهو واقعي أو مُتوهم من الجمال الظاهر والخفي في النوع البشري المُكمل للذات ..
وفي هذه المعمعة من التوجّد يبحث الشاعر الشاب عن ذلك الذي يميّزه .. ذلك الذي يصدُر عنه الشاعر ، في عالمه الكبير .. وتتشكل الرؤى .. وأصقاع دارفور تصبح الرحم الذي تتخلق فيه تلك الرؤى العجائبية .. ثم إن جبل مَرّة هو محور البهاء في الشطر الغربي من دارفور .. فعشرات الأودية تتدفق غرباً وشرقاً وجنوباً من هذه السلسلة الصخرية العالية والواسعة .. وإذا كانت أشهر هذه الأدوية وأضخمها هي التي تنساب إلى روافد نهر شاري في تشاد ، فإن باري وكَجا يحتلّان الرُتب الرفيعة .. لكن «أزوم» هو جدُ الأودية في هذا المعمورة ، حسب المنظور الشعبي لأهالي الديار غرب جبل مرّة .. والشاعر يوجَد بكل تهويماته في الصميم من هذا المنظور ..
في أربعة مقاطع لم يحدّدها عالم عباس ، يأتي التخليق الخيالي لمركزية «أزوم» في هذه الكينونة .. المقطع الأول يصف المحيط الكلي للوادي : مجراه وشجره وغيومه وفراشاته :
على امتداد ما رأت عيناي من رؤى
والغابة العذراء مثل موكب نأى
كأن زرقة السماء ثوب عرس
طرزت أطرافه رقائق النسيم
ويسرح خيال الشاعر في المقطع الثاني من أسرار الإرادة الإلهية التي أنزلت «أزوم» بكلمة «كن» .. ثم في المقطع الثالث تتحرك الدينامية في كينونة الوادي بعد ما «كان» بتمام الخلق:
ويستفيض في مخاضه القديم
فيجزلُ العطاء والعطاءُ مثل رحم الزمان
لا يني يدوم
مذ كان في بلادنا أزوم .
وتصرخ الرياح مثلما الدوي
وتعبر الوادي فيُصعق الضعيف والقوي
في هذه المهاد الطبيعية الباهرة يتحرك الأسلاف الدارفوريين في كل الحقب .. والشاعر يكاد يراقب كل حركات الأسلاف في كل الأعصر:
جموعهم أتت.
وأجزلت عطاءها الدفّاق قبل يقظة القرون
واشعلوا الشموس مثلما الشموع
إثر ليلة الرحيل .
وخضبوا الرؤى ملامحاً
وروّضوا الأمجاد طيبة وسطوة
وبهرجاً أضاء للعيون ..
ويبقى في المقطع الرابع والأخير أن يطلق الشاعر رسائله وأمانيه إلى «قلب» أزوم الرءوم:
كأنما الصباح
شرقه أزوم
نهاره أزوم
غروبه أزوم
أواهُ ها أنا أعود مثلما بدأت
مُكبلاً بالصمت والإنجاز والوجوم
ماذا تُرى أقول أزوم
الشاعر يتعرف على مكونات ذاته وإمكانياته فيحزم أمره لينطلق في استيعاب قضاياه الكبيرة . ومن الجنينة «دار أندوكا» تصدح في الديوان الثاني لعالم عباس فخامة الشعور بالأمجاد الدارفورية ..
السنوات القليلة اللائي قضاها عالم عباس في مدينة الجنينة أسهمن بقوة في توجيه شطر غير هين من مساقات حياته .. وواحدة من تلكم المساقات هي التفهم العميق لمعاني «القحط» .. فالإنسان قد «يَركز» ويقاوم الجموع التي تتواطأ على سلبة دياره ، وربما يُفضل أن يموت فيها بدلاً من التنازل عنها .. لكنه لا يستطيع أن «يَركز» أمام «القحط» .. فمن الماء خَلق ربنا عز وجل كل شيء حي .. وكانت بعض السنوات الوسيطة من سبعينيات القرن العشرين ممكونة بالجفاف .. وبوادر ما يحصل في دارفور من الإحتراب ، حتى 2013م ، تبدأ وقتئذ .. وحركات «إخلاء» الحواكير المُمحلة ، واللجوء ، سلمياً في البداية ، إلى حواكير المحظوظين ، تجاه الجنوب ، تأخذ بوتائر عجولة .. وذلك الموظف المُستجد ، بإنتمائه العميق إلى مُجمل المعمور الدارفوري ، يعاني مع كل أهله بالأقاليم العناءات المتزايدة ، كل يوم جديد ، كل شهر جديد ، من إنحباس المطر .. والمؤكد هو أن المستقيمين من الناس قد صلّوا ودعوا بشعائر الإستسقاء .. وذبحوا .. وعاينوا بلهفة في السماء ، علّ غيمة تظهر .. وفي الخلاء المقفر ، لعل «فكي» ، يُزاوج بين القرآن والكجوريات القديمة ، يختلي بنفسه فيجترح من الأفاعيل الشيطانية أبشعها ، ويعاين في السماء بلهفة ، علّ غيمة تظهر ..
هذا الموظف المُستجد كان مرحوماً بقيلولة مسائية في بيت الجمارك ، عصراً ، عقب يوم منهك .. وهاهو يَهُبّ مرتعباً «بالكراكيب» .. وزعزعاته لا يحتويها الإستيعاب لما يحصل:
عويلا، ذاك ما أسمع
أم رعداً ثقيلا
أم طبولا
لا تسلني ، دوزن الإيقاع
أو جاوزه ميلا
إن لي فيما تبقّى من نهار الأمس
لي سبحاً طويلا
يا نثيثَ المطر الناعس دعني
إن تناومتُ قليلا
فقليلا
أينع البرقُ حبيبات ضياء
رصّع الأفق بألوان النبيذ
وسرى ، بين رواق الحلم السادر في الغيب
شذى خدر لذيذ
لو ترى في مُخمَل الأفق شعاليل البريق
تنثر الأضواء كالرمل وتذروها على هام الشجيرات الندية
هي تبدو كرذاذ من حريق
لو لُحيظات تريثت قليلا
وتأملت مليا
كان ومضٌ أخضر النور تبدّى في يدّيا
وتوارى ثم أعشى ناظريا
برهة ينشرخ الحلم أفيق

قصيدة «تانجو تحت المطر» من ديوان (مِنكَ المعاني ومِنّا النشيد،1984) لم تجد ، حسب علمي ، من «يَقعد» لها فيستنطقها نقدياً وفكرياً .. لو أعدوا أنطولوجيا anthology للشعر السوداني الحديث ولم يضمنوه «التانجو» لإتهمناهم بالغباء .. وقد كُتبت القصيدة بالجنينة في جفاف يوليو 1975 .. التاريخ ملئ بالإنتصارات ، تمور في ضمائر هؤلاء الناس العطشى ، الجياع ، المنهَكين .. فكأنهم ليسوا بذات القوم الذين في معركة «دروتي» ، 9 نوفمبر 1910م ، هزمو الجيش الفرنسي للمرة الثانية في أقل من عام ، وفقدوا سلطانهم تاج الدين إسماعيل عبد النبي بعد الإنتصار .. عالم عباس كان يومئذ يتغنى متدرّجاً على طرائق الوجد الشفيف الذي كتب به الشاعر السوداني الفحل محمد الفيتوري قصيدته :»مقتل السلطان تاج الدين «، في مارس 1964م، أي قبل عقد واحد من إلهامات عالم عباس (كتاب المساليت لإبراهيم يحيى عبد الرحمن،2009م) .. الحسرة على «غُلب» الجفاف تملأ قصيدة «التانجو»:
قبل عام ، ربما زاد قليلا
خَيّم الجوع على أرضي وأهلي والعشيرة
وخبا
مهرجان الألق الرائع عن جفن حبيبي
وكبا
أجود الخيل الذي كان على صهوته يوم «دروتي»
سيد الفرسان وضاحاً كما وهج الظهيرة
ونبا
سيف تاج الدين ذو الحد الصقيل
بين جوع أدهم الجبهة كالهم الثقيل
كان فرسان «دروتي» يتبارون
إلى الصوم أسابيع، شهورا
غير أن الموت جوعا
ظل لا يقتله السيف ولا الصبر ولا صدق العزيمة
كان طعم الجوع مُرّا كالهزيمة
من الجنينة «دار أندوكا» يكتب عالم عباس بعد حين قصيدته الثانية الرفيعة ، عن تلك الديار : «سوميت بنات درجيل».. ودرجيل هي عاصمة المساليت ، منذ القرن التاسع عشر ، وإلى قرار إنضمامهم للسودان في عام 1921 ، حيث رحلوا إلى الجنينة .. صورة جمال الوطن السوداني الكبير ، شرقه وشماله ووسطه وغربه وجنوبه ، مرصود بترنيمات تُزاوج بين مسميات الأرض والشجر والنبات وملبوسات وقوام البنات الراقصات بالسُكسُك والسوميت والرحط ، مضمّخات بعطور ثقافاتهن :
إيه يا قادم من «درجيل» هيّجت أسايا
كيف سوميت حبيبي
أما زال كما كان على الجيد الغزال
ذي القوام الفارع المياس
كالبان إنثناءاً كلما مرّ عليه الريحُ مال
أفما زالت على أقدامها تلك الحجول
تحجلُ الأقدام منها تُقصِر الخطوَ الخجول
القحط أحوج الدارفوريين لإخلاء ديار آبائهم ، وأحوج السودان لقبول «عيش الرئيس ريغان» .. والفيلق الأفريقي الحامل لألوية القذافي يزرع السلاح في أيدي البسطاء في دارفور وتشاد .. ونُذر العصف والزلزلة تتجمع .. وكان لابد أن يحتقب الشاعر الشاب أهله ويغادر إلى الإغتراب بعد 1981م .. فتُطوى هنا صفحات ، وتبدأ صفحات أُخر ..
ذلك النسيب الذي تجنبتُ الحديث عنه في هذه الحلقات يتفرق في ستة دواويين من السبعة التي أشرتُ عليها منذ البداية ، وتواريخها : في الهوامش .. ومع قلة متابعتي لنقد الشعر ، إلا أنني ظننتُ مقالة فضيلي جماع (الأحداث :9/8/2008م) عن ديوان عالم عباس (من شمس المعشوق إلى قمر العاشق ، 2007م) مقالة مسكونة بقصيدة العشق ، يوظف فيها فضيلي جماع أدوات نقدية يندر مصادفتها في ملاحقنا الثقافية .. وأظل أنا أكتب الإنطباعات عن هذا الشعر ولا أتجرأ على ملامسته نقدياً ..