ليتك قلت: اختلفوا!!

عبد القادر العطا

احتدم الصراع بين الفريقين وتشعبت الخلافات، حتى طالت كل مجالات وأوجه الحياة. عداء نشأ منذ امدٍ طويل، عندما تنازعا على ملكية رقعة الارض التي تفصل بين مضارب القبيلتين، والتي اعتادا على استغلالها، على الشيوع، حيث تمتاز بعشبها واخضرارها ومورد للماء دائم، خاصة في مواسم الجفاف.

بدأ النزاع بخلاف بين شابين، ادعى كل منهما أحقيته في الاستئثار بمساحة مميزة في ذلك الوادي، واحتكارها، وما لبث الأمر ان تطور الى اشتباك دامٍ بين الطرفين، اودى بحياة شاب.

كان مصرع ذلك الشاب بمثابة الشرارة التي أشعلت نيران العداوة والبغضاء، وتوالت الأحداث عاصفة لتذكي أوار حرب ضاربة، دونها «البسوس»، راح ضحيتها العشرات من خيرة شباب وفرسان القبيلتين، وتطور الاحتراب ليشمل عدة مجالات حتى طال التعليم والصحة والخدمات الاخرى.

كان الزعيم (……) من القبيلة التي فقدت أحد شبانها في بداية الصراع، قد أجج نيران الاحتراب وأرق القبيلة الأخرى بغارات متتالية بحجة الثأر والانتقام، مما أزهق أرواح الكثيرين من خيرة فرسان وشباب تلك القبيلة، وقد كان فارساً مغواراً وزعيماً مطاعاً وقائداً محنكاً، أرهق غرماءه وأذاقهم الأمرَّين.

ذات يوم، ووجهاء القبيلة المرهقة جلوس يتداولون امورهم، ويتشاورون في امثل الطرق لكبح جماح أعدائهم، والتقليل من الاضرار والخسائر التي ظلوا يتحملونها، وقد فاض بهم الكيل، بينما هم كذلك اقتحم مجلسهم رجل ، متهلل الوجه، منفرج الاسارير. اتجه نحو كبيرهم وهو يصيح:«البشارة» يا شيخ العرب!.

اتجهت الأنظار صوب القادم الجديد، عمَّ الصمت وأرهفت الآذان للسمع. عندها قال شيخ العرب:«بشر» بشرك الله بالخير. فقال، بعد أن اتخذ موقعه في مواجهة الشيخ: أبشركم أن شيخ «….» قد مات ، وأن عربة الاسعاف في طريقها للفريق حاملة الجثمان!.

عمَّ صمت مطبق، وعلق الجميع ابصارهم في وجه الشيخ الذي اطرق طويلاً، والجمع يترقب ردة فعله ووقع الخبر عليه.. رفع الشيخ رأسه وهو يسترجع «إنا لله وإنا إليه راجعون» ثم وجَّه حديثه لصاحب «البشارة» قائلاً: هل تعتقد أنك قد أتيت بخبر مفرح وسار؟ ودون أن يمهله ليجيب أردف سائلاً: هل تستطيع ان تحصي اسماء من ماتوا وفارقوا الحياة من الذين تعرفهم أنت شخصياً؟

فوجئ الرجل بالسؤال وتمتم.. كثيرون.. كثيرون جداً ولا استطيع احصاءهم .. وعاد الشيخ يسأله: هل توقفت الحياة بعدهم؟ فأجاب: لا.. طبعاً.. عندها قال له الشيخ:«كنت أتوقع ان تنقل الينا نبأ اختلاف الشيخ «…» مع أبناء عمومته..» لأن الخلاف هو المدخل للفرقة والشتات وهي العوامل الحقيقية التي تقود للضعف وتؤدي للانهيار، أما الموت .. فلا.. وغالباً ما يكون عاملاً مساعداً للمزيد من التماسك والترابط والقوة وفاءً لمن ارتحل.

عموماً، أرى أن الوقت قد حان، والفرصة باتت مواتية لصب الماء على هذه النار المشتعلة واطفاء هذا الحريق الغاشم الذي طال الأخضر واليابس.

جهزوا انفسكم.. ولنتحرك جميعاً صوب ديار المرحوم للوقوف مع أهله في محنتهم وتقديم واجب العزاء.

مرة اخرى ران صمت مهيب، قطعه صوت أحدهم.

أتريد منَّا ان نعزي في عدوِّنا؟ فأجابه الشيخ : نعم، وأنتم ايضاً أعداؤه، فلم يكن يفعل سوى ما يمليه عليه واجبه. ألم تسمع برائعة العبادي، حين كان «ود دكين» يطارد طه البطحاني، وعندما أدركه والتقيا بسيفيهما، تمكن طه من قتل ود دكين، أسد القبيلة الراعي وكان ما ضايقني هو، ما كت قطعتوا ضراعي.

نعم فالموت لا يقلل من قدر الرجال ولا ينسي فضلهم وهو فرض على الرقاب، وحوض كلنا وارده، ويجب ألا نجعل منه مناسبة للتشفي والانتقام.

قوموا لأداء واجب العزاء، ولا تخلطوا الأوراق. ولنجعل من موعظة الموت نبراساً يبدد عتمات دروب الحياة.