طوكر..(مدينة طالها الاهمال واستعصت على النسيان)

عبد القادر العطا
تجبرك على استدعاء مخزون الذاكرة وازالة الغبار عن صحائف التاريخ، لتتجلى على سجلاته بصمات لم يزعزع رسوخها التقادم ولن تجرؤ صروف الدهر على محوها.
(توكر… الدهب المسوكر)
هكذا وصفها أهلها والقادمون إليها والآخرون من عارفي فضلها – وهو بعض من فضل الله على خلقه – بفيض عليها (خور بركة) فترتوي الدلتا، وتغدق على أهلها من الخيرات، فيروون عنها، ثم يروي عنها وعنهم التاريخ، ليشدَّ شادٍ في أقصى الشمال اسلاك ربابته ويصدح:
إن شا الله توكر تشرب لنا
نزرع فيها شدر الغنى
المعرس يلدي الجنا
والعزب نملاهو حنة

السيد والي ولاية البحر الأحمر، الموقر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بدءاً أسعد كثيراً بمخاطبتكم عبر صحيفة (ألوان) مهنئاً بتوليكم أمر ولاية البحر الأحمر، وأعلم أنه عبء وتكليف أنتم له أهل داعياً الله لك بالتوفيق والسداد. ولا يفوتني أن ابدي سعادتي الغامرة بنبأ زيارتكم الكريمة لمدينة طوكر وتفقدكم للدلتا ومرافق المدينة ما كان له أبلغ الأثر في نفوسنا وجعلنا نستبشر خيراً إن شاء الله فلطالما افتقدنا طلة أولي الأمر.
طوكر، يا سعادة الوالي.. بقعة حباها الله بالخيرات وجعل افئدة من الناس تهوي إليها، فجاءوا من شتي بقاع السودان، شماله ووسطه وغربه وجنوبه الجغرافي، ففتحت ذراعيها مرحبة بهم وضمتهم في حنو بالغ ولسان حال أهلها يقول حبابكم عشرة، نزلتم أهلاً وحللتم سهلاً، ثم توافد الناس إليها من كل حدب وصوب، جاءوا من ارتريا واثيوبيا ونيجيريا ومن اليمن جاءوا والحجاز والعراق ومصر وايران واليونان وتركيا والهند.
استقبلتهم جميعاً وطاب لهم الكسب والمقام، واسفر ذلك عن ارقي نموذج للتعايش السلمي والعلاقات الحميمة في مجتمع متصالح ومتسامح ليس قبلياً ومحلياً فقط، بل اممياً، فكل كبار السن اعمام لنا وكل الشباب لنا اخوة وكل النساء امهات لنا واخوات، فما كنا نميز بين قبيلة وأخرى ولا جنسية وأخرى والكل يحمل هوية (طوكراوي).
طوكر، سيدي الوالي، عاشت ازهي عصورها وسبقت في تمدينها الكثير من مدن السودان العريقة، ففي اربعينات القرن الماضي نعمت بخدمات الكهرباء من شركة (باعبود) ذلك المحسن اثابه الله وجعله من الذين يسعى نورهم بين ايديهم. والمياه من مصلحة الاشغال ومياء «كرميت» العذبة، وعرفت محطات الوقود والتلفونات والسينما، وكانت على اتصال مباشر بعاصمة الضباب لندن عبر خط ساخن لا ينقطع له رنين في موسم حصاد الذهب الابيض «القطن طويل التيلة» حيث تتسابق على شرائه والفوز به مصانع «لانكشير» والمسافة بين مناطق الانتاج ومنفذ التصدير لا تتعدى الـ (180) كيلو متراً وتلك ميزة كبرى.
المزارع سيدي الوالي المالك للأرض كان يحظى بسلفية في بداية الموسم الزراعي تسمى (منحة) بعدد الافدنة المروية وفقاً لتقديرات مكتب الزراعة – المؤسسة لاحقاً وذلك ليتمكن من مواجهة تكاليف الزراعة، وحتى الذين لم يشمل الري أراضيهم كانوا يمنحون تعويضاً يسمى (النشاف) ويقدر أيضاً بعدد الافدنة غير المروية.
كان المزارع ينتج القطن طويل التيلة وهو المحصول النقدي الرئيس وينتج بجانبه المحاصيل الغذائية كالذرة الرفيعة والدخن التي تشكل مخزوناً استراتيجاً للغذاء في كل المنطقة إلى جانب الخضروات ثم العلف الذي يغطي حاجة الرعاة لحين حلول الموسم الجديد، والرعاة هم الضلع الثاني للنشاط الاقتصادي.
كان ذلك سيدي الوالي حين كان المزارعون يقومون بنظافة الارض وازالة كل المعوقات بنهاية الموسم تحت اشراف دقيق من سلطات المؤسسة الزراعية. ثم يقوم مهندسو الري لمراجعة الجسور والسدود بالدلتا حتى لا تهدر مياه الري وتتجه للبحر.
هكذا كانت تسير الحياة والناس في رغدٍ من العيش وسعة والمنطقة جنوب طوكر وشمالاً عبر تلال البحر الاحمر آمنة غذائياً وفرص العمالة من زراعة وحصاد ونقل ونظافة ارض متوفرة ومتاحة للجميع والاسواق منتعشة والحراك الاقتصادي دائمٌ ودائب والمجتمع معافى. نادي طوكر الاهلي يجمع كل الوان الطيف ونادي الصبيان يعج بالنشاط الاجتماعي والتربوي والمهني والساحات عامرة في العصاري بالمنافسات بين فرق الشباب والدلتا والوطن والمريخ.
سيدي الوالي قصدت مما تقدم عكس صورة حقيقية عن طوكر المدينة ومجتمعها قبل ان يزري بها الدهر وتتناوشها ايدي الاهمال لتبدو في صورتها الحالية التي رأيتها عليها وهي قطعاً صورة لا تسر.
المدينة والناس في تلك الحالة التي وقفتم عليهما، هل يعقل أن يطلق من المواطن أن يدفع قيمة الارض في (طوكر الجديدة) ويطلب منه أن يبني بالمواد الثابتة لينتقل إلى موضع يبعد عن الدلتا اكثر من 20 كيلو متراً ؟! بينما مواطن طوكر اليوم لو انهار حائط منزله لما استطاع اعادة تشييده بالجالوص بل يكتفي بعمل ساتر من الخيش والبروش.
يظل الأمل معقوداً على كريم اهتمامكم وتضافر الجهود حتى تعود المدينة سيرتها الأولى ونردد معاً ان شاء الله… أنها حضارة سادت… ثم عادت.
نسأل الله عزّ وجلّ أن يوفقكم ويسدد خطاكم ويوفق الجميع لما فيه خير البلاد والعباد و(وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون). وعظم الله اجركم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

رأي واحد حول “طوكر..(مدينة طالها الاهمال واستعصت على النسيان)

التعليقات مغلقة.