تخلوا عن مبادئهم: (الــنضــــــال) يصطــــدم ببــريــق (الكــــراســي)

عايدة سعد
مقولة الفيلسوف مكيافيللي الشهيرة التي أصبحت مضرباً للمثل فيما بعد لكثير من الوقائع (الغاية تبرر الوسيلة) تتفق مع ما يتم التوصل إليه من تسويات سياسية بين الحكومة والأحزاب المعارضة أو غيرها لإشراكها في الحكم، فالسياسة عموماً لعبة مفتوحة على كل الاحتمالات سواء كانت سلباً أو إيجابا، وقد كثر في الآونة الأخيرة ظهور مصطلح التسوية أو المشاركة السياسية، خاصة في عهد الإنقاذ التي سعت بدورها لاستقطاب كل من يمكن استقطابه لمشاركتها في كيكة الحكم، فكانت نيفاشا ثم أبوجا والدوحة وغيرهن كثر، فالملاحظ أن العملية السياسية السودانية برمتها أصبح تبادل المصالح يتحكم فيها عملا بمبدأ (فيد وأستفيد) وقد خلق ذلك عدم ثقة للجماهير في أحزابها.

أجل المشاركة:
الراصد لمجريات الأمور يلحظ أن هذه الأحزاب تستقوي بقواعدها ضد النظام ولكن عندما يحين أجل المشاركة في الحكومة تستغني عن خدماتها، وعلى سبيل المثال لا الحصر، ما وقع بين قيادات الاتحادي الأصل ومشاركة المؤتمر الشعبي في الحوار وغيرها، الفعل الذي يطرح تساؤلاً لماذا تتخلي الأحزاب عن مبادئها ومواقفها، بعيدا عن الظروف الإقليمية والدولية المحيطة.
تسوية بارزة:
علي مدي أكثر من خمسين عاماً هي عمر الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، تخللتها العديد من تسويات لوقف شلالات الدم، لكنها باءت بالفشل إلى أن جاءت اتفاقية السلام الشامل التي قطعت قول كل خطيب، وذلك لأن التسوية في هذه القضية قد أتت نهائية بفصلها للجنوب، وفي سبيل السلام المنشود لجنوب السودان أبرمت كل الحكومات المتعاقبة علي حكم السودان منذ استقلاله اتفاقيات مع الحركة الشعبية كان أبرزها أتفاق أديس أبابا واتفاقية الخرطوم للسلام، التي تلتها اتفاقية نيفاشا للسلام الشامل، ولم يمضي علي تسوية نيفاشا الكثير حتي دخلت الحكومة في دوامة أخري من التسويات عندما طفت مشكلة دارفور على السطح، والتي احتلت الرقم القياسي من حيث عقد التسويات، رغم قصر زمنها مقارنة مع الجنوب إلا أنها نالت حظا كبيراً في التدويل والتسوية، فكلما جلست الحكومة مع حركة للسلام انشقت منها أخري، وهكذا أصبح ديدن التعامل بين الحكومة والمعارضة (حمل الصلاح أقصر الطرق للمناصب).
من غير ميعاد:
من غير ميعاد ولا سابق إنذار أضحى الشعبي قريباً من الدخول في تسوية سياسية مع الوطني، حيث ظل الإسلاميون طوال سنوات المفاصلة، يظنون كل الظن بأن لا تلاقيا، لكن الأيام كانت كفيلة بإذابة جليد الخصومة بين الطرفين، فبعد أكثر من 16 عاما من الخصومة تعانقت القيادات الوسيطة بشقيها في المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي والتيارات الأخرى من منبر السلام العادل وحركة الإصلاح الآن، وقد جاء اللقاء استجابة لنداء توحيد التيارات الإسلامية في السودان والذي تداعت له قيادات الإسلاميين بكل فروعها، ورغم التكهنات التي تدور بعدم وحدتهم سارت سفينة الإسلاميين مبحرة تحمل ما تمخض من تياراتها التي أفرزتها خلال فترة الانفصال دون النظر الى تبعاته، مذهولين باستعادة ما سلبتهم له أطماع المصالح والسياسة، فقد جاء خطاب الوثبة في 27 يناير 2014 م الذي أعلن عنه رئيس الجمهورية المشير عمر البشير بداية لتقارب المؤتمر الشعبي مع الوطني، حيث جمع أكبر عدوين لدودين في الحياة السياسية في السودان، فقد ظل الترابي منذ مفاصلة الرابع من رمضان 1999م، والتي تطلق فيها الطرفان طلاق بائن بينونة كبرى، يرفض الجلوس لأي دعوة أو مؤتمر يقدمها له غريمه الوطني ويقف ضدها بكل ما أوتي من قوة لذا شكل حضور الدكتور الترابي لبرنامج خطاب الوثبة مفاجأة كبيرة حتي وسط قيادات حزبه، فبعد دعوة الوطني للحوار والذي أصبح الشعبي من أشد المناصرين له بين ليلة وضحاها وما بين طرح الشعبي لبرنامج النظام الخالف الذي يهدف من خلاله الى توحد الأحزاب الإسلامية، ويبقي السؤال هل الحوار الوطني سوف يقود الى تسوية سياسية بين شقي الإسلاميين بعد سريان مياه كثيرة تحت الجسر.
التسوية الأخيرة:
بعد دعوة المؤتمر الوطني للأحزاب للجلوس في حوار وطني شامل، تنبأت كل الأحزاب المعارضة وقتها بقرب غرق سفينة الوطني، لأنه من غير عادته حسب وجهة نظرها أن يدعو معارضيه للدخول في تسوية سياسية، ما لم تأكد له أن لا خروج من مأزق الوضع الراهن بدونهم، فكل المؤشرات تقول أن الأزمة التي تعاني منها البلاد تحتاج لحسم نهائي لمشاكل السودان وفرصه أخيرة لحكومة الوطني لمراجعة ما أرتكبه من أخطاء، ومع بداية جلسات الحوار تصاعدت لغة الكلام بين الحزب الحاكم والأحزاب التي دخلت فيه ووصل الخلاف بينها الى حد خروج الأمة القومي منه، فيما وضعت الأحزاب الأخرى رجل داخله وأخرى خارجه من أجل ممارسة ضغوط علي الحكومة، خاصة وأن أصوات المعارضة قد نددت مرارا بما سمته تعالي الوطني علي الأحزاب في دعوته لها، كما أنه لا يبالي في حديثه تجاههم بقوله أن الحوار بمن حضر، مما يدل علي أنه غير حريص عليه ولا يهتم بمن جلسوا له، وقد رفضت الأحزاب هذه اللغة، باعتبار أن هذا الحوار سوف يناقش قضايا الوطن الأساسية ويفترض أن تجلس كل الأحزاب فيه علي مائدة مستديرة، بعيداً عن نظرة من في الحكومة ومن في المعارضة وكل الرؤوس متساوية، من أجل الوصول إلى تفاهمات تجنب البلاد شرور الحرب ومآلاتها، وفي خطوة عدها المراقبين فرصه لإعادة الأمل في الحوار أوضح رئيس القطاع السياسي للوطني أن حزبه حريص علي مشاركة كل الأحزاب بمن أختار وليس بمن حضر، وهذا يمكن أن يدفع به للأمام ويطمئن الأحزاب بأن مشاركتها فعلية وأساسية وليس صورية أو تمومة جرتق كما قال بعضها.
تسوية علي المحك:
من الأحزاب التي تعول عليه الحكومة كثيرا في تقوية موقفها وتسعي الى كسب وده في أي اتفاق داخلي أو خارجي هو الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل، ومما يحكي في ذلك أن الحكومة بعد توقيعها على اتفاق إعلان المبادئ بينها والحركة الشعبية في نيفاشا قد حمل هذا الاتفاق أحد قيادات الوطني البارزين، وذهب به الى السيد محمد عثمان الميرغني في القاهرة وشرح له الاتفاق وطلب منه الموافقة عليه، ولكن بدوره قدم الأصل ملف آخر به طلبات من ضمنها استرجاع كل أملاك وأراضي آل الميرغني في الخرطوم مقابل الموافقة علي نيفاشا وقد حصل ذلك دون أن ينظر الحزب التي تبعات تلك التسوية التي ساهمت في انفصال الجنوب فيما بعد، ولم تنتهي مشاركة أو تسويات الأصل عند تلك النقطة، فقد دخل الحزب في انتخابات 2010م و2015 م ضاربا معارضة عضويته عرض الحائط، وتعزيزاً للمشاركة في الحكومة قام الحزب بفصل قيادات تاريخية منه، الأمر الذي خلق توترات بين القيادة والعضوية، لكن سرعان ما أمر رئيس الحزب مولانا محمد عثمان الميرغني بإعادة الأمور إلى نصابها.
قطع طريق:
يرى المراقبون أن الشيء الذي يقطع الطريق أمام التسويات السياسية المعطوبة بشكل حاسم هو توحد القوي المعارضة داخلياً وخارجياً، وقد جاء توحد هذه القوي من سلمية ومسلحه في إعلان باريس الذي نص علي تكوين حكومة انتقالية وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وغيرها من الشروط كتسوية سياسية ولكن هذه المرة من جانب المعارضة وهو ما رفضته الحكومة واعتبرته خيانة عظمي ولن تقبل بمخرجاته، وكانت القوي المعارضة وعلي رأسها حزب الأمة القومي بقيادة الإمام الصادق المهدي قد راهنت على نجاح إعلان باريس لأنه سوف يقطع الطريق أمام التسويات السياسية مستقبلا.
انتهازية سياسية:
وفي منحي ذي صلة ذهب القيادي بالمؤتمر الشعبي أبو بكر عبد الرازق بالقول أن التسوية السياسية هي انتهازية سياسية وليست تسوية لأنها تعبر عن نزوع شهوي نحو السلطة والمال لا تتعلق بمبادئ حزب وذلك لأن المبادئ لا تجزأ، وأضاف عبد الرازق في حديثه لـ(ألوان) أمس، إذا كان النظام غير ديمقراطي يلجأ الى أسلوب التسويات والترضيات لضمان بقائه واستمراره في السلطة أطول فترة ممكنة، وذلك لأن النظام الديمقراطي يجعل هناك فرصة للمواطنين أو الأحزاب لكي تختار برامج يتوافقون عليها ويعملون علي إنجازها سويا، بالإضافة إلى أنه جاء الى السلطة وفق الإرادة السياسية الحقيقية المنتخبة من الجماهير، أما في حالة النظام الديكتاتوري فإن الرئيس هو الرجل الأول في الدولة وحزبه، وإذا جاءت أي مشاركة سياسية من أي حزب أخر فلن تغير في التركيبة السياسية شيئا، وسوف يظل الحال علي ما هو عليه، مع تحقيق المكاسب الشخصية لحزب ما أو شخص ما علي حساب المقدرات العامة للشعب والتحول الديمقراطي، فواقع الأمر والحال يؤكد أن التسويات السياسية تعد سقوط لكل القيم والمبادئ النبيلة التي يقوم عليها الشعب، لذا أعتبر أن أي تسوية سياسية تتم بين حزب ونظام ديكتاتوري ليس هي تسوية بقدر ما هي إنجاز خاص للحزب أو أفراده أو كليهما، وعندها سوف يكون الحزب مجرد تابع ينفذ ما تريده الحكومة، خاصة وأن التسويات تقوم في جو حر ومتوازن في القوي، كما أن النظام المستبد لا يميل إلى إشراك الآخرين بقدر ما يحاول أن يجمل أخطائه من خلال حمل الآخرين على المشاركة فيها وليس نقدها أو مقاومتها.
تسوية مصالح:
وفي ذات السياق يوضح البروفيسور ناصر السيد في حديثه لـ(ألوان)، أن التسوية السياسية دائماً ما يفرضها الخوف علي المصالح، فبعض الأحزاب لها مصالح مع الحكومة لذلك تلجأ لمساومتها عليها للقبول بأمر ما، ونتيجة لتمزق الأحزاب وانشقاقاتها أصبحت سهلة الدخول في تسويات سياسية مع الحكومة حيث مهد الانقسام الذي تشهده الأحزاب السودانية رضوخها للمشاركة السياسية، ومن منطلق الخوف علي المصالح والحرص على المحافظة عليها أصبح الحزب مثل تجار السوق مستعد للتنازل عن مبادئه وقواعده ولا يخسر علاقته بالنظام، فهناك ما يعرف بالانتهازيين في كل نظام سياسي يتسلقون على حساب الآخرين، والشاهد على ذلك أن كل الأحزاب السودانية قد وافقت على نيفاشا لتحقيق شيء في نفسها مع النظام، رغم علمها أنها سوف تؤدي الى فصله في نهاية الأمر وهو ما حصل، لذا أقول أن العملية السياسية في السودان رغم تعقيداتها التي تمر بها منذ الاستقلال، من حروب أثنية ثم قبلية، استعصت في أيجاد حلول جذرية لها، إلا عبر التسوية السياسية التي تتم بين المعارضة السلمية أو المسلحة مع الحكومة، وعموماً التسوية السياسية ليس من السهولة التوصل لها، إلا بعد استنفاذ الحكومة لكل أوجه العمل السلمي، وكذلك رهق وإنهاك المعارضة قوتها، فتأتي التسوية لانسداد أفق الحل الحكومي واستنفاد المعارضة لحيلها، غير أن البعض يري أن قبول الأحزاب المعارضة لأي تسوية أو شراكة للنظام بين ليلة وضحاها وتحولها من أقصي اليسار الى أقصي اليمين، غالباً ما يكون وراءه مصالح جعلت الطرفين يرضخان لسياسية الأمر الواقع.
فك حيرة:
وليس ببعيد عما ذهب إليه عبد الرازق والسيد سابقاً يوضح الناطق باسم الحزب الشيوعي يوسف حسين في حديثة لـ(ألوان) أمس، بأن ما يتم التوصل إليه بين بعض الأحزاب والحكومة من اتفاقيات لا تحل مشاكل ما يتم الاتفاق عليه وغالبا ما يكون طابعها مصلحة فالتسوية السياسية المطروحة من قبل النظام للتوصل إلى حلول جذرية للأزمة الوطنية التي تمر بها البلاد، لم تؤتي أكلها لأن النظام لم يوفي بمتطلباتها، فالحوار الوطني الذي دعا إليه المؤتمر الوطني كل الأحزاب قد وافقت عليه من حيث المبدأ، ولكن ليقننا بأن الحزب الحاكم لن يوفي بتهيئة مناخه أثرنا البقاء خارجه، فليس من المنطق أن تكون هناك حروب مشتعلة في أطراف البلاد وصحف مصادرة وقوانين مقيدة للحريات وتدعوا للحوار وتنتظر من الآخرين الموافقة عليه.
غيب وتعال:
بدأ المحلل السياسي بروفيسور حاج حمد حديثه لـ(ألوان) أمس، قائلا أن التسوية السياسية دائماً ما تنجح بين الأحزاب المتشابه أو ذات الوجه الفكرية الواحدة، وذلك لأن طبيعة الخلافات تكون ثانوية، وأن المسافة بحكم المرجعيات ليس ببعيدة، أما التسوية بين حزب سياسي يميني وأخر يساري فهي تخضع للمصلحة بينهم إضافة إلى الضغوط الدولية والإقليمية التي تفرض على الطرفين لقبول التسوية في قضية ما لتجنيبهم شرور المستقبل، والشاهد على ذلك أن الحزب الاتحادي الأصل قد دخل في شراكة مع الحكومة بناء على شروط محددة، وفي سبيلها فصل عدد من قياداته، عموما ما تقوم به الأحزاب من تسويات أو مشاركة في الحكومة دافعه دائما المصلحة الخاصة وليست الوطنية أو العامة، لذلك الشارع قد يتأثر بهذه الأفعال ولكنه لا يصدم بها ، لأن الشارع هو الذي يحرك هذه الأحزاب ومضطرة تركب علي موجته، فالحكومة تعرف أن الأحزاب مهما تدور وتلف سوف تقبل بالتسوية السياسية، لذلك فهي لا تجادلهم كثيرا في الممانعة بالجلوس معها، فهي تعرف من أين تؤكل الكتوف.