العلاقات السودانية الأمريكية.. البحث عن طريق ثالث

عبد العزيز النقر
ليس بجديد ان يكون هناك حواراً سرياً بين الولايات المتحدة الأمريكية وبين حكومة السودان، إذا ان تلك اللقاءات السرية تأتي فى إطار تهيئة المناخ للحوار المفتوح بين البلدين خاصة وان تلك اللقاءات السرية نجحت فى وقت سابق حد قول رئيس المخابرات الوطني الأسبق صلاح قوش الذي قاد حوارا سريا مع الأجهزة الامنيه بأمريكا اعتبرها الرجل أنها كانت خط الدفاع الأول فى علاقة السودان وأمريكا المتوترة، على نحو عام انطلقت بالعاصمة الأمريكية واشنطن أعمال القمة الأمريكية الافريقيه الشهر الماضي باستثناء عدد من الدول الافريقيه وعلى رأسها السودان بالتزامن من منع ندوة للعلامة الطيب صالح فى مكتبه الكونغرس تم إلغائها فى آخر لحظة ، حالة الاحتقان التي ظهرت دعت الخارجية السودانية بالحديث عن إعادة النظر في اتفاق التعاون لمكافحة الإرهاب وأفاد مصدر رفيع بالخارجية أن القرار لم يعلن بعد ولم يبلغ به حتى الآن الجانب الأميركي، قبل أن يتهم واشنطن بإفشال محاولات الخرطوم للحصول على التمويل والمنح من مؤسسات التمويل الدولية، وقبل نحو ست أشهر نظمت لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان جلسه استماع حول العقوبات الامريكيه على السودان وأثرها على المواطن السوداني، الورقة التي شارك فى تحريرها د. محمد حسين أبو صالح الخبير المعروف ذهبت الى ان العقوبات الامريكيه على السودان ليست وليده اللحظة حيث بدأت فى عام 88 من القرن الماضي كعقوبات أو حاديه على الجانب السوداني، وكان يتم تجديدها سنويا وبموجب تلك العقوبات تم تقييد حركة المال والتجارة والخدمات والاستثمارات الامريكيه مع السودان وتجميد الأموال المملوكة للدولة والمواطنين العاديين وتم كذلك تقييد النشاطات المتعلقة بالتنمية البشرية وحركة التقانة، ويرى البعض الى ان العقوبات الامريكيه التي حدثت على السودان فى ذلك الوقت وكانت جراء عدم دفع السودان للالتزامات والديون الخارجية، وتشير الورقة الى ان أنواع وطبيعة العقوبات الامريكيه المطبقة على السودان اتجهت منحيين عقوبات نجمت عن وجود قوانين عامة سارية تلزم الإدارة الامريكيه تنفيذها على دولة معينه إذا وقعت تلك الدولة تحت تصنيفات محدده مثل التخلف عن سداد المديونية أو عدم احترام الحريات الدينية وأخرى استهدفت السودان تحديدا وصدرت أما بأوامر تنفيذيه عن طريق الجهاز التنفيذي أو عن طريق تشريعات برلمانيه من الكونغرس والأخيرة تعد من اخطر أنواع العقوبات التي فرضت على السودان، ويرى أبو صالح ان هناك عقوبات فرضت سلفا من قبل قوانين سارية كالتي فرضت فى عام 88 ثم فبراير 1990 بسبب الاستيلاء على السلطة عبر الانقلاب العسكري وحرمت العقوبات من المعونات الخارجية وتستمر الى ان يعلن الرئيس والكونغرس ان الديمقراطية عادت الى البلاد وبهذا يكون السودان قد حرم من برنامج المساعدات العسكرية الخارجية والمساعدات الامريكيه لإعادة هيكلة الديون أما فى العام 1993 تمت إضافة السودان ضمن الدول الراعية للإرهاب أدخلت السودان فى سلسلة من العقوبات وساعدت فى حرمان السودان من برنامج المعونات الزراعية وبرنامج دعم قوات حفظ السلام ودعم بنك التصدير والاستيراد الأمريكي الدعم فى الصناديق والمؤسسات المالية الدولة ومعارضة منح السودان قروض من صندوق النقد الدولي وحرمانه كذلك من ميزات المعاملات التفضيلية وفى عام 2003 واستنادا على قانون مكافحة الاتجار بالبشر تم تصنيف السودان تحت الفئة الثالثة فى تقرير وزارة الخارجية الامريكيه حول الاتجار بالبشر ويعنى من وجه نظر الإدارة الامريكيه ان السودان لم يطبق الحد الأدنى المتعلق بذلك
علاقة السودان بالولايات المتحدة الأمريكية والتي مرت بكثير من الشد والجذب ابتداء من انقلاب الإنقاذ وحتى توقيع السلام مع قرنق ولد إحساسا لدى الإدارة الأمريكية وفق رصدها للأحداث التي جرت فى السودان الى فتح باب التعاون تدريجيا والتي بدأتها الإنقاذ من خلال التحولات داخل النظام حيث تم حل المجلس العسكري بعد فترة ، ثم تلى ذلك قيام مجلس وطني ثم تلى ذلك وضع دستور للبلاد ثم تلى ذلك صدور قانون للأحزاب وغيرها من التطورات السياسية حول النظام الرئاسي والحكم الإتحادي وغيرها تؤثر في سياقها العام على العلاقات السودانية الأمريكية هنالك أيضاً تطورات فكرية وتنظيميه داخل الإنقاذ أدت إلي إبعاد بعض أطراف العملية السياسية وإلى إغلاق بعض المؤسسات (المؤتمر الشعبي والعربي والإسلامي ) وأدت أيضاً إلي اتخاذ بعض الإجراءات والقرارات مثل إلغاء قرار دخول المواطنين العرب السودان بدون تأشيرة وإبعاد بعض الأشخاص ( مثل أسامة بن لادن ) وحظر نشاط أو تقليص نشاط بعض المؤسسات كل تلك الإجراءات أدت إلي تلين المواقف الأمريكية تجاه الطرف السوداني ، وبالرغم من بعض الآثار الجانبية لمثل هذه القرارات ومنها انفجار الوضع في دارفور الاتجاه القوى والمتصاعد والعزم الكبير للإنقاذ للاستثمار في مجال النفط والتوجه شرقاً طلباً للدعم والعون وخاصة من الصين وماليزيا والهند وباكستان والنجاح الكبير في هذا الاتجاه ،كان له أثر كبير في التأثير على الإدارة الأمريكية وعلى مراكز الضغط على الحكومة الأمريكية بغرض عدم تضييع فرص الاستثمار في السودان الأداء الجيد للدبلوماسية السودانية وخاصة في السنوات العشر الأخيرة قبل توقيع اتفاقية السلام واستمرار التوازن في تلك السياسة والبعد بقدر الإمكان عن المحاور المصنفة أمريكياً ( إيران ، ليبيا ، العراق ) أعطى انطباعا قوياً لدى الإدارة الأمريكية ولدى مراكز البحوث فأثر إيجاباً على العلاقات بين البلدين تطور العلاقات بين حكومة الإنقاذ ومعارضيها والوصول لاتفاق مع العديد منهم وعودة الكثيرين منهم إلي العمل داخل البلاد وتوسيع نطاق الحريات ونطاق النشاط السياسي والحزبي والتصريح القانوني بالتنظيم والنشاط الحزبي والسياسي والفكري العام، أدى أيضاً إلي التأثير على صانعي القرار داخل الإدارة الأمريكية¡ كل تلك الأسباب ساهمت فى ان تتداخل الظروف المحلية والإقليمية والدولية كان من أهم العوامل التي أثرت على العلاقات بين البلدين عامل النفط واستقرار تدفقه وإنتاجه نحو الغرب واستقرار أسعاره والاستثمارات الجديدة فيه .لقد أثرت المخاوف الكبيرة لدى الولايات المتحدة من تزايد نفوذ إيران وتأثيرها على نفط الخليج أو محاولة إغراق إحدى السفن في الخليج العربي مما يعرقل الملاحة فيه، وبالتالي يؤثر على إمدادات البترول لذلك اتجهت الاستثمارات لمد أنابيب نفط إلي البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط من السعودية والعراق . ولكن تزايد النفوذ زاد المخاوف الأمريكية وبالتالي أزاد من الضغط الأمريكي على السودان.
بعد ست وعشرون عاما من الحصار على الحكومة السودانية بدأت أمريكا تغير إستراتجيتها ابتداء من إيران العدو الأول وانتهاء بالسودان الذي بدأت تغازله أمريكا مؤخرا من خلال لقاء أوباما بغندور بأديس أبابا، وكذلك العمل على فتح قنوات جديدة وتأتي زيارة وفد الأعيان الشعبي الذي زاد الولايات المتحدة الأمريكية نحو ثلاث أشهر من الآن عاملا مؤثرا حيث يرى خبرا أن التعامل مع الشعب الأمريكي أفضل من التعامل مع الدولة نفسها، وتبقى العلاقات السودانية الأمريكية التي تتأرجح بين الفينة والأخرى أحدى القضايا الشائكة التي تنتظر الحل الأمثل لها.