الدولة المركزية في السودان.. الخلل وشماعة الاحزاب

عبد الله مكي
الكثيرون يتساءلون عن مفهوم الدولة الحديثة ومدى صلاحياتها؟ ومدى مشروعيتها ومشروعية امتلاك القوة واستخدامها ضد الخصوم السياسيين في المركز أو في الأقاليم المتأزمة؟ وهل مؤسسات الدولة وأبنيتها حكر لفئة أو طائفة أو قبيلة؟
مؤسسة الدولة الحديثة والتي بدأت في منتصف القرن السابع عشر واكتمل نضجها في القرن التاسع عشر، ومن ثمّ انتشرت خارج أوروبا باعتبارها النموذج الفعّال، وهذا النموذج ارتبط تعريفه بامتلاك وسائل القوة والعنف، ففي مطلع القرن العشرين، قدم(ماكس فيبر)تعريفه الشهير للدولة، الذي يستند إلى الارتباط الوثيق بين مؤسسة الدولة واحتكار وسائل العنف، بمعنى وسائل العنف المتفوقة على أية وسائل عنف أخرى متاحة للشعب. ولكن هذا التعريف أخذ في الاعتبار الطبيعة القمعية للدولة وحسب، أي قدرة الدولة على السيطرة والتحكم.

وقبل عقود قليلة، حدد المفكر(تشارلز تيللي)في كتابه(نشوء الدولة الحديثة في المجال الأوروبي الغربي)السمات الكلية للدولة والشروط الاجتماعية المؤسسة لحداثتها، تتمثل في سيطرة الدولة الحديثة على مساحة أرض متصلة ومحددة، وهي مصدر الشرعية الأعلى على هذه الأرض، بمعنى أنها مصدر القوانين والتشريعات.
كما أنها دولة تحكم مركزي، يتفوق مستوى مركزيتها على أي مستوى تمتعت به مؤسسة الدولة من قبل. بالإضافة الى أنها مؤسسة تعلو على/ وتتميز عن، أية مؤسسة اجتماعية أخرى. كذلك أنها تستطيع فرض ادعاء السيطرة باحتكار متزايد للقوة داخل مناطق تحكمها.
الانتشار:
انتشر هذا النموذج في معظم – إن لم نقل كل – العالم وخاصة العربي والإسلامي منه وتوطد في كل من تركيا ومصر وتونس والهند والجزائر بقوة الإدارة الاستعمارية لا سيما البريطانية والفرنسية.
ولكن في الدول الغربية الديمقراطية، تكفل هذه الدولة – نفسها – أنماط العدالة، وحق التجمع وحرية الإعلام والنشر وحق التظلم،واستقلالية القضاء،وحماية الأقليات، والدفاع عن الحياة والملكية.
ففي المنظومة الغربية يسعون الآن لـ(دولة الرفاهية)، ونحن في العالم العربي والإسلامي نبحث عن(دولة القانون).
ولكن الديمقراطية تُعطى الدولة بُعدا آخر كما يقول المفكر والكاتب د.بشير نافع المتخصص في التاريخ الحديث:»إنّ كل مؤسسات الدولة الحديثة تسعى إلى الهيمنة والسيطرة على أرضها وشعبها، وكل مؤسسات الدولة تعيد إنتاج نفسها، جيلاً بعد جيل، وعصراً بعد الآخر. النظام الديمقراطي لا يقتلع الدولة، ولا يقوض قدرتها على السيطرة والتحكم. ما يقوم به النظام الديمقراطي، بدرجات متفاوتة من بلد وثقافة وسياق إلى آخر، هو عقلنة العلاقة بين الدولة وشعبها؛ بمعنى أنه يجعل الشعب شريكاً في القرار، ويوفر للشعب فرصة دورية لمحاسبة ممثليه السياسيين، ولإدارتهم شؤون الدولة».
وكما شغلت العلاقة بين الفرد والمجتمع المفكرين والفلاسفة ، فإنّ العلاقة بين المجتمع والدولة أخذت حيزا كبيرا في الفكر والفلسفة والبحث، خاصة السياسي. واعتبر الكثيرون أنّ الصراع والحراك الذي نتج منه الربيع العربي هو نتيجة لهذه القطيعة وهذا التوتر بين المجتمع والدولة.
يقول المفكر الفلسطيني منير شفيق فى كتابه(الإسلام ومواجهة الدولة الحديثة):»وقد عرفت أكثر التجارب التاريخية الحديثة هذا الصراع بين نزعة الدولة للسيطرة واتجاه المجتمع للحد من تلك السيطرة لامتلاك المزيد من الحرية والاستقلالية والقدرة. ولهذا فإنّ الدولة التي تملك السيطرة على الأرض والمصنع والجامعة وأجهزة الإعلام إلى جانب سيطرتها على الجيش والشرطة وسائر أنشطة أجهزة الدولة تكون أكثر قدرة على حسم ذلك الصراع لعقود من السنين في مصلحتها، لأنها تكون قد جردت المجتمع حتى من أبسط وسائل المقاومة والدفاع الذاتي».
الدولة المركزية الحديثة – وخاصة في العالم العربي والإسلامي – هي المحتكر الأول للسلطة والقوة والمال وحتى العلم(حيث الجامعات والبحث العلمي وحتى الآراء والفتاوى الدينية)، كلها محتكرة للدولة، فينشأ(التحالف الماكر الخبيث)بين(فرعون وقارون وبلعم بن باعوراء) ويُمثلون على التوالي:السلطة والمال والدين المزيف، هذا الثلاثي الحاكم على مدار التاريخ كما يقول د.على شريعتي في كتابه(الإسلام والإنسان).
مبرر الهيبة:
وتحرص الدولة على هذا الاحتكار حتى تُحافظ على ما يُسمى بـ(هيبة الدولة)، وهذه الهيبة كما يقول منير شفيق:»تنبع من قانون القوة والتسلط، لا من قانون العدل والتقوى». وتُمثّل هيبة الدولة وتسلطها واستعمالها القوة(أزمة الدولة الحديثة) ، وظهر هذا الأمر بوضوح في كل من مصر وتركيا وأفغانستان واليمن والسودان وسوريا وليبيا والعراق والجزائر.
النموذج السوداني:
في النموذج السوداني الإشكال الأساسي هو(سياسي) في بنية الدولة سواء أكانت يسارية أو يمينية، وليس الإشكال هو(طرح موضوع الهوية) – كما يقول عدد من المثقفين – بل موضوع الهوية إذا طُرح سيُعقد المشكلة، إذ السودان يمتاز بالتعدد والتنوع الثقافي الإثني وهذا يُمكن أن يكون مصدرا لقوة البلاد إذا أحسنا فهم المشكلة وطريقة حلها. وأخيراً تبلور الصراع في شكل(مركز وهامش)، وأرادت الدولة المركزية السودانية ومنذ الاستقلال أن تفرض رؤيتها للحل بالقوة ومفهوم(هيبة الدولة)، الأمر الذي أدّى إلى انفصال الجنوب وتكوين دولته المستقلة، ومازالت الحروب والتوترات مشتعلة ومستمرة في كل من دارفور وجنوب النيل الأزرق وجنوب كردفان.
النخبة:
«الانقسام هو سمة الاجتماع السياسي العربي الإسلامي»كما يقول د.بشير نافع، ويُوضح أيضا أنّ هذه النخب صنعتها الدولة الحديثة حيث يقول:»كل النخب العربية، إسلامية وغير إسلامية، سواء عرّفت نفسها بالليبرالية أو القومية أو الوطنية، وليدة المناخ الذي صنعته الدولة الحديثة، بتعليمها وقضائها ودستورها وثقافتها وفنونها. ولكن علاقة هذه النخب بالدولة ليست من نمط واحد، ونظرة الدولة إلى هذه النخب ليست واحدة».
النخب العلمانية والليبرالية كانت دوما في طليعة مؤسسي ومؤيدي وحامى الدولة المركزية الحديثة – رغم دكتاتوريتها وجبروتها – ويجدوا بها فرصة سانحة للقضاء على التيارات الإسلامية والتي دائما ما تستعصم بالجماهير دون الدولة ومؤسساتها، الأمر الذي يُفسر اكتساح الإسلاميين لأي انتخابات تُجرى في هذه الدول، وكذلك يُفسر تأييد النخب العلمانية والليبرالية وحتى اليسارية لأي تحرك تقوم به المؤسسة العسكرية لإجهاض الديمقراطية والحرية التي أتت بالإسلاميين لسدة الحكم، ويظهر هذا الأمر بوضوح في كل من تركيا والجزائر ومصر.
من المصالحة إلى الحوار:
الملاحظ في الحالة السودانية هو مركزية الدولة القابضة، وأنّ البلاد تُقاد من العاصمة الخرطوم، فالمؤسسات السياسية والمالية والعسكرية والأمنية هي التي تتولى إدارة البلاد ومن العاصمة فقط، الأمر الذي جعل معظم أقاليم السودان ومناطقه تكون في (هامش) العملية السياسية، وعلى أطراف اهتمامات الدولة، الأمر الذي أكثر من الاحتجاجات والتمردات المختلفة في معظم أنحاء السودان .
تطاول عمر الحكومات العسكرية، وهو الأمر الذي يجعل نفس القوى السياسية التي انقلب عليها الجيش ، هي التي تحاوره وتصالحه وتعقد معه الاتفاقيات، فالمصالحة الوطنية جاءت بعد المعارضة القوية من الأحزاب الرئيسية في البلاد وهي حزب الأمة والاتحادي الديمقراطي والإخوان المسلمون (الجبهة الوطنية)، فعقد رئيسها الصادق المهدي لقاءا مع الرئيس نميري في بورتسودان في يوليو عام 1977 ، ومن ثم دخلت هذه الأحزاب في مصالحة مع النميري وشاركته الأجهزة التنفيذية والتشريعية. أما أحزاب اليسار فكانت ما تزال تعاني من محنة 19 يوليو.
والآن نفس هذه الأحزاب تُشارك في عملية الحوار مع نظام الإنقاذ وتُشكل اللجان الرئيسية للحوار ، وتظل أحزاب اليسار خارج الحوار لرؤيتها المتمثلة في إسقاط النظام كحل وحيد للمشكلة السودانية. أو الدخول في حوار شرطه الأساسي ونتائجه تُؤدي لتفكيك دولة الإنقاذ.
فهل المشكلة في أحزابنا السياسية ؟ أم في نظام الدولة المركزية والموروثة من عهد الاستعمار؟ وكيف تتم معالجة إشكالية نشأة الدولة الوطنية؟ حتى نخرج بوطن معافى يسع الجميع سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، سواء أكان بالمصالحة الوطنية أو بالحوار.

رأي واحد حول “الدولة المركزية في السودان.. الخلل وشماعة الاحزاب

  1. صبرنا اكثرمن25 سنة مافي جديد الحال ياهو الحال من سيئة الي اسوء حكومة احكمت قبضتها الامنية الحديدية علي انفاس الشعب وعاست في البلد فساد وخراب وكل زول بقي مشغول بنفسو حتي الاحزاب تربية مال فاسد لذلك لن تنفع البلد بتغير يلبي طموح الشعب المكلوم هذا البلد يحتاج لـ50 حتي يعود السودان الذي نعرف كل شي منتهي حتي التعليم الذي هو من مقومات الدولة راح فيها والله لو ارث الاجداد والاصالة والتربية السمحة لكان السودان سوريا اخري لكن لطف الله في سماحة وصبر هذا الشعب

التعليقات مغلقة.