الخرطوم وطرابلس.. علاقة الشك والظن

عايدة سعد
حالة من التداخل شهدتها العلاقات السودانية الليبية لاسيما في عهد العقيد الراحل معمر القذافي الذي عاصر أربعة رؤساء لم يسلموا من كيده وطعنه، فالقذافي أشرف على دعم عمليتي دخول العاصمة عبر عناصر الجبهة الوطنية وحركة العدل والمساواة، ولم يبخل على الحركة الشعبية في بداية تمردها، لذا كان المجلس الانتقالي الليبي الذي خلف القذافي أن يكشف لأول مرة عن دعمه العسكري الذي قدمته الحكومة السودانية للثوار إلى جانب الدعم السياسي على لسان رئيس المجلس الانتقالي مصطفى عبد الجليل خلال لقاء مشترك مع وزير الخارجية السابق علي كرتي عبر قوله: (آن الأوان أن نعلن أن السودان قدم للثوار دعماً عسكرياً ساعدنا في تحرير بعض المدن مثل مدينة الكفرة)، ومضى عبد الجليل لتأكيده على أنّ كل الثوار في جميع الجبهات يعلمون أن السودان الدولة الأولى التي قدمت لهم المساعدات المختلفة، وبالأمس إستدعت الحكومة السودانية الملحق العسكري الليبي علي خلفية أيواء حكومة طبرق لمتمردي حركة مني أركو مناوي.
تكررالأيواء:
في تصريح صحفي أول أمس كشف المتحدث الرسمي بأسم الجيش الصوارمي خالد سعد عن إستدعاء الملحق العسكري الليبي علي خلفية إيواء حكومة طبرق لمتمردي حركة مني أركو مناوي وتقديم الدعم والمساندة لها ، بغرض المشاركة في القتال بجانب قوات اللواء حفتر، وعد الصوارمي مشاركة متمردي حركة مناوي ضمن قوات اللواء حفتر تهديدا للأمن القومي السوداني بمناطق دارفور بشكل خاص، وللأمن القومي الأقليمي علي الحدود السودانية الليبية بشكل عام، مضيفا أن تلك المشاركة تحفز الحركات المتمردة علي زعزعة أمن المواطنين من خلال عمليات التجنيد القسري وأعمال السلب والنهب التي تقوم بها، مشيرا الي أن حركة مناوي هي حركة مسلحة متمردة تقوم بأعمال عدائية داخل السودان ، الشيئ الذي حدا بالقوات المسلحة أبلاغ الملحق العسكري أحتجاجها ورفضها التام لهذا السلوك من حكومة طبرق، معلنا أن ما قامت به حكومة حفتر يعد تدخلا في الشأن الداخلي للسودان من خلال إيواء الحركات المتمردة وتقديم الدعم لها ، وقال لقد طالبنا الملحق العسكري الليبي بتجريد تلك المتمردة من السلاح والعتاد والمعدات.
ليبيا تتهم:
لم تكن الاتهامات التي وجهتها الجماهيرية الليبية للخرطوم بإيواء جماعات إرهابية مسلحة مؤخراً هي الأولى من نوعها، إذ اتهمت الحكومة الليبية المؤقتة في سبتمبر من العام الماضي السودان بدعم ميليشيات (إرهابية) مناوئة للسلطات الليبية، ولم يتوقف الأمر على الاتهام فحسب، وإنما طالبت بسحب الملحق العسكري السوداني من ليبيا باعتبار انه (شخص غير مرغوب فيه)، وقالت الحكومة الليبية في بياناً لها أن (طائرة نقل عسكرية سودانية دخلت المجال الجوي الليبي من دون إذن أو طلب رسمي من مصلحة الطيران المدني الليبي”، معتبرة أن ذلك يعد (خرقا للسيادة الليبية)، فيما قالت الحكومة السودانية حينها أن الطائرة لم تكن تحمل سوى معدات لقوات حدود حكومية مشتركة بين السودان وليبيا، لكن تكرار الاتهام على لسان المستشار القانوني للجيش الليبي أمس الأول بأن متطرفين ليبيين تحركوا من دارفور إلى ليبيا بشحنات من الأسلحة يدعو إلى التساؤل وطرح الاستفهامات حول مدى صحة التي الاتهامات التي ظلت تكيلها طرابلس للخرطوم، وفي وقت سابق أتهم الجيش الليبي الخرطوم بدعم متطرفين ليبيين وكشف المستشار القانوني للجيش الليبي صلاح الدين عبد الكريم، أن رتلاً محملاً بالأسلحة والمقاتلين، بدأ يتحرك غرب السودان تجاه ليبيا، وأكد عبد الكريم أن متطرفين ليبيين بدأوا القيام بأول عملية التفافية، للاقتراب من الحدود المصرية، قادمين من دارفور بشحنات جديدة من الأسلحة والمقاتلين، وفي طريقهم للسيطرة على منطقة الكفرة شمال شرقي ليبيا، وأضاف أن المعلومات تقول إن المتطرفين عبروا من دارفور إلى داخل ليبيا ومعهم 70 شاحنة محملة بالأسلحة، إضافة إلى نحو 60 سيارة دفع رباعي تحمل مقاتلين من قوات تابعة لمدينة مصراته وقوات الدروع، وهي مجموعات إرهابية تتحرك في الصحراء الكبرى جنوب ليبيا لمد العون للعمليات التي يقوم بها المتطرفون في باقي ليبيا. بحسب «الرواية الرسمية الليبية»، فإن طائرة سودانية كانت متجهة في سبتمبر الماضي إلى مطار (معيتيقة) بطرابلس وتوقفت لإعادة التزود بالوقود في واحة الكفرة الليبية قرب الحدود مع السودان، تم العثور على ذخيرة محملة بهذه الطائرة خلال تفتيشا في مطار الكفرة، ولفتت الحكومة الليبية في بياناً لها إلى أن الطائرة العسكرية السودانية خرقت المجال الجوي الليبي دون تصريح رسمي من الحكومة، وأنها كانت تحمل ذخيرة لم توافق عليها الحكومة الليبية رسميا، لكن الحكومة السودانية في تعليقها على الاتهام وصفت الحادث بأنها سوء تفاهم، وقالت إن الطائرة كانت تحمل معدات لقوات حدودية سودانية ليبية مشتركة لمواجهة التهريب وتهريب البشر.
نفس المشهد:
في المقابل قال المتحدث باسم القوات المسلحة السودانية العقيد الصوارمي خالد سعد وقتها أن الخرطوم لا تأوي أية جماعات أجنبية مسلحة، وقطع بأن السودان لا يسمح لأرضه بأن تكون مرتعاً لأية مجموعات متطرفة، وأضاف الصوارمي خالد سعد في تصريح تناقلته الصحف السودانية أمس، إن ما أوردته بعض وسائل الإعلام الأجنبية منسوباً للمستشار القانوني للجيش الليبي بأن متطرفين ليبيين تحركوا من دارفور إلى ليبيا بشحنات من الأسلحة، معلومات لا أساس لها من الصحة، وأكد المتحدث أن القوات المسلحة السودانية تسيطر على الأوضاع في دارفور بنحو كامل وتراقب الأوضاع بكل دقة ولا يفوت عليها أي تحركات معادية إن وجدت.
دعم متبادل:
لم يكن مستغرباً أن تفتح الخرطوم أبوابها أمام الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا لتكون قاعدة انطلاق لعملياتها ضد نظام القذافي، حيث أكد الرئيس البشير خلال مخاطبته لقاءً جماهيرياً عقب افتتاح طريق (الدوحة) الرابط بين السودان وارتريا، دعم نظام القذافي للحركة الشعبية المتمردة في جنوب السودان في وقت سابق، بجانب دعمه للحركات المسلحة بدارفور بالمال والسلاح والذخائر مما مكنها من دخول الخرطوم، وأضاف: «لكن ربنا أدانا فرصة أننا نرد الزيارة ونرد الصاع صاعين»، ومن جهته قال وزير الخارجية علي كرتي إن حديث رئيس المجلس الانتقالي عن دعم السودان عسكرياً لثورتهم ضد نظام القذافي لم يكن مفاجئاً، وتابع: «هم اختاروا أن يعلنوا من جانبهم عن هذا الدعم، وبالتأكيد فإن الدعم الذي قدمه السودان هو من قبيل ما يجب أن نقوم به لمساعدة الإخوة في ليبيا، ووصف الإعلان عن الدعم العسكري بالغير محرج وعزا ذلك بالقول: لأن عدونا – في إشارة للقذافي – كان يدعم الحركات المتمردة في دارفور، ولم يكن يتحرج يوماً من الأيام في تقديم هذا الدعم، وأردف «لا أقول إننا جازيناه وفاقاً، ولكن نقول إن دعمنا كان دعماً شريفاً لشرفاء من أجل تحرير بلادهم ومن أجل الشعب الليبي»، وزاد «مجلس الأمن طلب من الدول تقديم المساعدات والعون للشعب الليبي وقد فعلنا ذلك»، وعن امتطاء الحكومة وحلف الناتو في «سرج» واحد يقول كرتي: حلف الناتو له أغراضه، ولنا أغراضنا، وليس هناك ما يجمعنا لا في الأهداف ولا في الوسائل، السودان قدّم هذا الدعم وهو يضع نصب عينيه مصلحة الشعب الليبي».
المعاملة بالمثل:
من جانبه أوضح الخبير الأمني والأستراتيجي العميد حسن بيومي أنه كان من الأولي أستدعاء السفير أوالقائم بالأعمال بدلا من الملحق العسكري وذلك لأن أنعكاس هذا الدعم سوف يؤثر تأثير مباشر علي العلاقة السياسية بين البلدين، وأضاف في حديثه أمس لـ(الوان) أن ما قامت به ليبيا يعد دعم عدائي لا شك فيه، مشيرا الي أن المعاملة في مثل هذه الحالات تقوم شرح السفير الليبي لما قامت به دولته ويعمل علي معالجته، وإذا لم يفعل ذلك فأن من حق الخرطوم المعاملة بالمثل ، أو سحب بعثتها الدبلوماسية من هناك .