الاتفاق الجنوبي.. (الرصاصة ما تزال في جيبي)

أكرم الفرجابي
ثمانٍ وأربعون ساعة فقط هي عمر الاتفاقية التي تم التوقيع عليها بين فرقاء الجنوب، تبادل بعدها طرفا النزاع الاتهامات بشن الهجمات، حيث أكد زعيم المتمردين د. رياك مشار، أن قوات حكومية هاجمت بعض المناطق التي تسيطر عليها قواته، قبل أن يتساءل هل الحكومة صادقة في توقيعها على هذا الاتفاق، الذي بموجبه أصدرت الرئاسة الجنوبية أمراً بوقف إطلاق النار، في وقت رفض فيه الناطق الرسمي باسم الجيش الشعبي العقيد فيليب أقوير هذه الاتهامات، وقال أن المتمردين هم من هاجموا القوات الحكومية في بلدة نيالديو.. بغض النظر عن من الذي بدأ بالهجوم على الآخر، ما يهم هنا هو أن الاتفاقية التي تم التوقيع عليها قد انهارت قبل أن يجف مدادها أو ربما في طريقها الى ذلك.

تردد سلفاكير:
البعض كان يتوقع انهيار الاتفاق، لكن ليس بهذه السرعة، بعد أن تردد رئيس دولة الجنوب سلفاكير ميارديت كثيراً في أمر التوقيع عليه، إذ أعترف الرجل بخضوعه لضغوط كثيرة حتى يذعن ويبرم الاتفاق، الذي لم يتردد في انتقاده والتحفظ عليه، وتضمين ذلك في وثائق رسمية سلمت للإتحاد الأفريقي الذي أشرف على الاتفاقية، محذراً في ذات الوقت من سرعة انهيار الاتفاق نتيجة لعدم وجود ضوابط تضمن التزام مؤيدي زعيم المتمردين رياك مشار الذي كان نائباً للرئيس، الأمر الذي يؤكد بما لا يدع مجال للشك أن الضغوطات الدولية دائماً ما تصنع (سلاماً منقوصاً)، لذلك ليس غريباً أن تأتي الأنباء بعودة الحرب من جنوب السودان، برغم تصريح المتحدث باسم الرئاسة الجنوبية أتيني ويك، أن الرئيس سلفاكير أصدر مرسوماً جمهورياً دخل حيز التنفيذ ليل الخميس الماضي، يأمر كل (القوات الحكومية) بوقف إطلاق النار والبقاء في القواعد التي تتواجد فيها، وأوضح المرسوم الذي يسمح للقوات الحكومية بالرد في حال تعرضها لهجوم، أن هذا الأمر صدر في إطار تطبيق السلام، لذلك بالرغم من الاتهامات التي صوبها طرفا النزاع على بعضهما البعض في حادثة الزوارق التي هاجمت قوات مشار، إلا أن ثمة تمسكاً أتفاق السلام مازال موجوداً لدى الطرفين بسبب الضغوطات الدولية التي مورست عليهما قبل التوقيع.
إرغام سلفاكير:
معطيات الأمور تشير إلى أن طرفي النزاع بدولة جنوب السودان وقعا على ست اتفاقيات قبل هذا الاتفاق ولم يلتزما بها، وأصبحا يتبادلان الاتهامات بخرق وقف إطلاق النار، لكن الاتفاق الحالي وقع عليه الرئيس سلفاكير وهو مرغم، على عكس المرات السابقة التي كان يوقع فيها بإرادته، حيث سبق وأن هدد مجلس الأمن الدولي بـتدخل فوري في جنوب السودان، إذا لم يوقع رئيس البلاد سلفاكير ميارديت اتفاق السلام، وجاء ذلك بعد جلسة مشاورات مغلقة لأعضاء مجلس الأمن برئاسة (جوي أوغوو) سفير نيجيريا ورئيس المجلس للشهر الحالي، وقال أوغوو في تصريح له: إن الدول الأعضاء بمجلس الأمن تؤكد استعدادها للتحرك فوراً إذا لم يوقع الرئيس سلفاكير على الاتفاق، كما سبق أن وعد، رافضاً تحديد ما إذا كان المجلس سيصوت على تبني مشروع قرار صاغته الولايات المتحدة ينص على فرض حظر على الأسلحة، وعقوبات تستهدف جنوب السودان، فاستمرت الضغوط على هذا النهج، إلى أن توجت بالاتفاق الذي تردد سلفا كثيراً قبل أن يوقع عليه في جوبا.
نص الاتفاق:
الاتفاق المهدد بالانهيار بعد الاتهامات الأخيرة، ألزم الجانبين بتطبيق وقف دائم لإطلاق النار خلال 72 ساعة من التوقيع عليه، كما أنه منح القوات العسكرية مهلة 30 يوماً للتجمع مع أسلحتهم في الثكنات، إضافة إلى إجراء مراجعة أمنية قبل توحيد القوات، وتشكيل حكومة انتقالية بمشاركة كل الأحزاب السياسية في الدولة بجانب استشارة نائبه الأول الذي من المتوقع أن يكون رياك مشار في كافة أمور الدولة، كما ينص الاتفاق على مغادرة جميع القوات الأجنبية المشاركة في الحرب، إضافة إلى نزع أسلحة قوات الميليشيات الأجنبية، ومن بينهم متمردي الحركات المسلحة السودانية التي كانت تقاتل إلى جانب قوات سلفاكير، فالاتفاق الذي سبقته عدة اتفاقات بين الطرفين باءت بالفشل، كان يعول عليه في إنهاء الحرب التي استمرت إلى (22) شهراً بين سلفا ومشار، وراح ضحيتها آلاف المواطنين، فضلاً عن نزوح أكثر من (2) مليون شخص، بجانب الأوضاع الإنسانية والصحية للمواطنين، فقد تباينت الآراء حوله منذ الوهلة الأولى، فثمة من كان يرى أن طرفي النزاع مرغمون على التوقيع وإنهاء الصراع خوفاً من تهديدات المجتمع الدولي، بينما يرى آخرون أنه تأطير للحرب الأهلية في الدولة لجهة أن الاتفاق ينص على وجود جيشين في الدولة، الأمر الذي ربما يقود إلى انفصال جديد في الجنوب.
نزعات ديكتاتورية:
الأوضاع في جنوب السودان تشير إلى أن الانقسامات السياسية والعرقية أضحت تهدد مستقبل الدولة الوليدة، خصوصاً أن الجنوب لم يعرف الديمقراطية بعد وهو يكافح لرسم هوية محددة بين أكثر من 60 قبيلة بينها نزاعات، بعد أطول حرب أهلية في القارة السمراء، وقبل عشرة أيام من نشوب القتال الذي دفع مبعوثين دبلوماسيين للقيام بجهود حثيثة لمنع سقوط جنوب السودان في الفوضى اتهم ريك مشار وغيره ممن أطاح بهم كير من حكومة الحركة الشعبية لتحرير السودان في يوليو من العام قبل الماضي الرئيس سلفاكير بأن لديه (نزعات ديكتاتورية)، الأمر الذي جعلهم يصدرون بياناً وقتئذ يقولون فيه أن رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان جمد الحزب كلية وتخلى عن القيادة الجماعية، وقضى على أي مطالبة ديمقراطية بالمشاركة في صنع القرار، وأضافوا أن سلفاكير يقود الحركة والبلاد إلى الهاوية، الفعل الذي بدأ جلياً فيما آلت إليه الأوضاع الآن بدولة جنوب السودان.
دور الوسطاء:
كان قد أنضم إلى المحادثات التي توصلت إلى أتفاق بين الفرقاء الجنوب، النائب الأول للرئيس السوداني بكري حسن صالح، والرئيسان الكيني اوهورو كينياتا، والأوغندي يويري موسيفيني، والذي أرسل قواته إلى جنوب السودان لدعم سلفاكير ويتوجب عليه سحبها خلال 45 يوماً من تاريخ توقيع الاتفاق، أما زعيم المتمردين، رياك مشار، فلا يزال في إثيوبيا، إذ قال وسطاء إن الظروف الأمنية ليست متوافرة، في وقت يرى فيه بعض المراقبون أن للوساطة الإفريقية وبعض دول الجوار دور في تأجيج الصراع الجنوبي، بالتحديد في دوره الذي لعبه الرئيس اليوغندي يويري موسيفيني، في دعم أحد أطراف الصراع، بينما تطال آخرون تهمة دعم الطرف الآخر.

رأي واحد حول “الاتفاق الجنوبي.. (الرصاصة ما تزال في جيبي)

  1. الجنوبين متخيلين بعيشوا في جنه ةجدوا تفسهم بين ناريين ) ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين

التعليقات مغلقة.