إزاحة مشار.. زعزعة أم رفع حرج؟

عمرو شعبان
(لا شيء يدعو للقلق) بهذه العبارة ابتدر ممثل المعارضة الجنوبية حديثه ببرود معلقاً على التطورات التي يشهدها مسرح المعارضة بإعلان اللواءين بيتر قديت وقارهوث قارهوث عزل د.رياك مشار من منصبه كرئيس للمعارضة الجنوبية المسلحة الأمر الذي يؤزم المشهد الجنوبي، خصوصاً مع تزامن العزل وانطلاق المفاوضات الجنوبية / الجنوبية..

مبرر العزل:
وبررت القياديين الجنوبيين قرارهما بأن د.مشار يستأثر باتخاذ القرارات في الحركة دون إشراكهم فيها، وحمل بيانهما رفضاً مباشراً لأى مشروع سلام أو اتفاق يوقع عليه مشار وأنه لا يمثلهما، الأمر الذي أثار التكهنات حول مصير المعارضة الجنوبية على ضوء تكوين جبهة جنوبية رابعة، الثالثة ضمن صفوف المعارضة.
بداية الأزمة:
وتعود الأزمة لإصدار د.رياك مشار قراراً في يوليو الماضي أعفى بموجبه مجموعة من كبار القيادات العسكرية بصفوف الجيش الشعبي المعارض، وشملت الإجراءات حينها إعفاء اللواء بيتر قديت الذي يعد ابرز القيادات العسكرية بصفوف حركة مشار، ونائب رئيس هيئة أركان الجيش الشعبي للعمليات يليه اللواء جيمس كونج المشهور بـ(سي بي أر) من منصبه كقائد عام للكتيبة الثانية، بالإضافة للواء قرهوث قرهوت من منصبه كنائب لرئيس هيئة أركان الجيش الشعبي للإمداد، وقتها ثارت الاستفهامات بحثاً عن مستقبل حركة مشار بعد الإجراءات الأخيرة وتداعياتها على موقف المعارضة الجنوبية ميدانياً، وتأثير ذلك على العملية التفاوضية التي ستخوضها الحركة، ليحمل أغسطس إجابات تؤكد حدس المتشائمين من أنصار المعارضة الجنوبية.. جنرالات الحرب الجنوبية بصفوف المعارضة لا يبدو استساغتهما لفكرة الإبعاد قليلاً، لجهة أن تغييرات مشار تلك مست عصب التماسك العسكري للحركة التي تراها جوبا متمردة ويراها المعارضون ثورة تريد إعادة تحرير الجنوب من ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، ما يعني انتقال حركة مشار من خانة الحركة الموحدة الى خانة الحركة الموعودة بانقسامات استناداً على ثقل وزن ونفوذ المقالين أو المعفيين لتصدق التطورات ما ظنته المخيلات..
سيناريوهات العزل:
وطبقاً لتاريخ الدولة الجنوبية الأحدث على مستوى العالم، فإن سيناريوهات العزل السياسي لم تبرز مع ردود فعل قديت وقارهوث في مواجهة مشار، بل استبقتهم في ذلك الحكومة الجنوبية نفسها إبان توحد الحزب الحاكم تحت عنوان الحركة الشعبية، فشهدت الساحة الجنوبية عزل وإعفاء عدد من القيادات خارج دست الحكم، كذلك من الجيش الشعبي، ولعل أبرزهم جنرالات الجيش عقب توقيع الرئيس سلفاكير على اتفاقات التعاون المشترك بين الخرطوم وجوبا في سبتمبر من العام 2012م، تبعتها إجراءات تدريجية قام بها الرئيس سلفاكير في مواجهة نائبه آنذاك رياك مشار بتجريده من صلاحياته قبل أن يتم عزله كلياً، تزامن ذلك بإبعاد كلاً من كوستا مانيبي ودينق ألور، قبل أن يتعاظم مشهد العزل ويتطور الى اعتقال ضم ما عرف فيما بعد بمجموعة الـ(جي تن) الـ(G10)، لتتصاعد الأزمات حد الاحتراب الماثل حالياً..
رد الفعل:
إعلان الجنرالين بعزل مشار تزامن والمفاوضات الجنوبية الجنوبية تدخل أسبوعها الثاني، في ظل ترقب دولي وإقليمي لمخرجات العملية التي ينتهي سقفها الزمني في 18 أغسطس الجاري وفقاً لمهلة الإيقاد بلص والصبر الأمريكي، ليذهب كثيرون الى أن إعلان الرجلين يعني تلقائياً تكوين جبهة ثالثة يمكن أن تذهب بمكاسب التوقيع حال حدث بين سلفاكير ومشار..
المعارضة الجنوبية بقيادة مشار، لم تحفل بالعزل المعلن، وردت عبر المتحدث باسم مشار شخصياً الى القول بأن قديت وقارهوث لا يمثلون رأي قاعدة الحركة السياسية أو العسكرية للمعارضة، وذهب نارجي جيرمللي رومان في حديثه لـ(ألوان) أمس، الى أن د.رياك تم تعيينه رئيساً للمعارضة من قبل ضباط الجيش الشعبي وقيادات المجتمع المدني الجنوبي وقاعدة الحركة والجناح السياسي وهو من اختاروا رياك في مؤتمر الناصر، بالتالي فإن أي قرار حول رئيس المعارضة يخضع فقط لذات الآلية أي المؤتمر العام للحركة.
وأعتبر رومان أن الجنرالين لا يملكون الموقع المؤهل لاتخاذ قرار عسكري ناهيك عن قرار سياسي بمثل تلك الخطورة، لجهة قرار الإعفاء الصادر في مواجهتهم في يوليو الماضي، وقال( لا شرعية أو دستورية لبيانهما، وإذا كانوا يريدون إثارة نقاط الخلاف فلم يمنعهم احد عن حضور مؤتمر الحركة الأخير بفاقاك في بداية أغسطس ومن ثم المطالبة بإزاحته، خصوصاً وان كل القيادات العسكرية والسياسية كانت حاضرة).
إعفاءات في الميزان:
التحليلات العامة في الشارع الجنوبي بالخرطوم تذهب الى أن الإجراءات المتخذة جاءت استباقيا من قبل مشار خوفاً من رفض تلك القيادات لخطوات التقارب الماثلة بين مكونات الحزب الحاكم في جوبا وفقاً لمقررات اروشا والتي جاء إعادة تعيين باقان اموم من مجموعة الـ10 وأدائه القسم، كأول الغيث قطرة.
ويذهب المراقبون الى إن مشار تعجل اى محاولات من تلك القيادات العسكرية لرفض ذلك أو انفلاتهم من السيطرة السياسية لقيادته، لجهة ما يتمتعون به من تأثير ميداني وقوة شخصية تتيح لهم بضرب خطوط التقارب المتوقعة، وسحب البساط من تحت أرجل مشار… وقتها اعتبرت قيادة المعارضة الجنوبية المسلحة أن الهدف من إجراءات إعفاء قديت وقارهوث تعزيز موقف الحركة الجيش الشعبي ميدانياً، واستبعدت في الوقت ذاته أن تكون تلك الإجراءات مرتبطة بالترتيبات الحالية لجولة التفاوض القادمة بأديس أبابا.
بعيداً عن محاولات رجال المعارضة مماسكة عضويتها، وقريباً من التركيبة النفسية والذهنية لقيادة الحركة نفسها، فإن الوقائع تقول بأن د.مشار شخصية تتمتع بالذكاء السياسي، ومن المستبعد ارتكاب خطا استراتيجي بإبعاد قيادات عسكرية بارزة قبيل فرز المواقف والوصول للمراحل الجادة والنهائية مع الطرف الآخر، خصوصاً في ظل اتفاق داخلي برعاية اروشا دون شهود دوليين، بالإضافة الى أن الإجراءات تجيء قبيل جولة تفاوضية بأديس أبابا ليست بشان الحزب وإنما تتعلق بالدولة نفسها، ما يجعل الترجيحات تتجه الى رفض ربط الإعفاءات بمواقف القيادات العسكرية من التقارب بين كوادر الحركة الشعبية الغاضبين، بالإضافة الى أن مشار يدرك جيداً أهمية استباق أي عملية تفاوضية بترجيح الكفة ميدانياً ما يعني أن قرار الإبعاد يجئ في سياق احتمالين أوهما أن الوضع الميداني لن يتأثر بغياب الأسماء المذكورة أو أن الوضع الميداني بالأساس لصالح مشار.
فرضيات أخرى برزت لتفسير تفاعلات الحركة المعارضة، وتربط القرارات التي اتخذها رئيس المعارضة الجنوبية بمفاوضات أديس أبابا نفسها لجهة موافقة القيادة السياسية للمعارضة على ترؤس الرئيس سلفاكير للفترة الانتقالية، وهو ما ترفضه تلك القيادات العسكرية، كما أن ثمة تحليل يذهب الى أن القيادات المبعدة من المرجح ارتباطها بملف الانتهاكات خلال الحرب، ما يجعل الحركة بين خيارين إما التمسك بضرورة المحاسبة الأمر الذي يحرجها أمام الرأي العام حال توفر أدلة على تورط قياداتها أو التخلي عن تلك القيادات حال صدرت تقارير التحقيقات حول تلك الانتهاكات وضمت أسمائهم.
الجبهة الثالثة:
عضو القيادة العليا لحركة مشار د.كونج داك اقر بأن خطوة إبعاد الرجلين مرتبطة بما سيتم في أديس أبابا واستدرك في حديثه لـ(ألوان) أمس(لكن من جانب ايجابي)، واعتبر أن أصعب الملفات التي ستتخلل المفاوضات هي ملف الترتيبات الأمنية، الأمر الذي يفرض على الحركة تقديم ضباط كبار من ذوي الخبرة للاستعانة بهم كمفاوضين في سياق العملية السياسية على اعتبار أن الجولة القادمة ستكون الجولة الحاسمة في كل المستويات، الأمر الذي يعني في ظل مشهد عزل مشار أن حركته فقدت ابرز مفاوضيه العسكريين والأمنيين في مواجهة الحكومة..
التحليلات تذهب الى أن موقف الرجلين من شأنه إن يؤثر على قدرات الحركة عسكرياً في مواجهة الحكومة، لكنه أيضاً يؤزم المشهد الجنوبي عامة باستمرار الحرب ويفرغ الهدف النهائي من العملية السلمية من مضمونه لجهة أن السلام سيكون منقوصاً باستمرار المعارك العسكرية.. بيد أن تحليلات تستبطن نظرية المؤامرة تذهب الى أن الرجلين لم يخرجا عن طوع مشار وإنما تم إعدادهما لأدوار محددة تتيح استمرار العمليات العسكرية في مواجهة سلفاكير لإسقاطه وفي الوقت ذاته رفع الحرج عن مشار أمام المجتمع الدولي والإقليمي باعتباره مرحباً بالسلام خصوصاً في ظل الضغوط الدولية الحالية على الطرفين.