ناقـــة شَرَنْقــو .. قطعــــة مِن التراث الشفهــــي لعُربان غرب الســـودان ووسط تشاد

إبراهيم إسحق إبراهيم
في مُستهل مايو 2015م أعارني إبننا كرم الدين آدم إسماعيل كتاب (دارفور : حصاد الأزمة بعد عقد مِن الزمان)، وهو مِن إصدار مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة 2013م.. ويجب الإعتراف بأنّ الكُتّاب الثلاثة عشر للمقالات الشاغلة للمتن (358ص) يُتحفوننا بمعلومات غزيرة وبتحليل عميق لما يتسبّب في ويترتّب على «الكارثة» التي تحِلُّ بدارفور بدءاً مِن 1983 وحتّى الحاضر.. لكنّ هذا المقال يتجنّب الخوض في «الجنادل» حيث تصطرع زيوف وحقائق الوقائع، في الشأن الدارفوري، تصطرع مع الأهواء والتقصيرات التي تصحب فعايِل المتورطين في هذه «الكارثة»، وهم يأتونها مِن الداخل ومِن الخارج على السواء.. ويُحفِّزني للكتابة ها هنا أمران وجدتهما في ورقة محمد الأمين خليفة (ص105-135).. الأمر الأول هو قولهُ في صفحة 105 بأنّ دارفور كانت « قبل خمسمائة عام مِن أشهر الممالك الإسلامية في منطقة جنوب الصحراء، مع مثيلاتها غانا ومالي وتنبكتو والسلطنة الزرقاء «.. فإذا أجرينا حسابات رقميّة وطرحنا القرون الخمسة مِن 2015م، تبدو إسلامية دارفور، على الأقل بمستوى الحُكّام والعلاقات مع دول الجوار، معروفة منذ 1515 للميلاد.. وهذا تاريخ يُناسب تماماً إدراكاتنا التاريخية منذ 1981م/1401هـ حينما يجلب المرحوم الطيب محمد الطيب مِن السّجلات السعودية وثيقة تُثبت بأنّ السلطان شاو إبن المرحوم السلطان رُفاعة سلطان التُنجُر قد أوقف لوجه الله بالمدينة المنورة دُوراً ونخلاً وبساتين، والوثيقة ممهورة بتاريخ 24 شوال 983هـ ، مما يقابل 1575 للميلاد (إبراهيم إسحق : ص258).. وهكذا فلا مُبرِّر لإشارة محمد الأمين خليفة (ص105) القائلة بأنّ الدولة الإسلامية الأولى في دارفور هي دولة الفور..

والأمر الثاني هو الأكثر إلتصاقاً بعنوان مقالنا.. فمحمد الأمين خليفة يقتبس مِن ورقة ليوسف تَكَنة، يقدمها الأخير بالخرطوم عام 1997، يقتبس رواية العمدة فضل أحمد النور، عمدة قبيلة خُزام بمنطقة زالنجي، عن حكاية «ناقة شَرَنْقو».. ومحمد الأمين خليفة يُورِد الحكاية لأجل أن يُعلّل كيف يدلنا التراث الشفهي على أبعاد المحمولات البدويّة في أذهان الأعراب الذين يدفعهم جفاف السبعينات والثمانينات مِن القرن الماضي، يدفعهم نحو النقلة الشاملة مِن ديارهم في تشاد حتى يحِلّوا في دارفور، فيُفاقموا المشاكل (المقدور عليها سالفاً) بين الرُّعاة والمُستقرِّين، ويلعبوا دوراً أساسياً في صناعة «الكارثة» المُستفحِلة بعد 1983 وحتى الحين.. يقول محمد الأمين خليفة : « يُستَشفُّ مِن سرد الرواية الشعبية البُعد القَبَلي في إثارة النزاع، ودور الأرض والحيوان في استجاشة المشاعر والوجدان، مع هشاشة المجتمع البدوي وتُلقي القصة الشعبية الضوء على جذور جانب مِن القضية التي نحنُ بصددها « (ص114).. وأعتقدُ أنّ خليفة يُلفِت النظر إلى المُشتَرَك القَبَلي والثقافي والمصلَحِي بين عُربان تشاد وعُربان دارفور، وكيف أنّ التآزر بينهم بسبيل المحافظة على ثرواتهم مِن السَعيِّة تتعدّل أدواتهُ لكن مقاصدهُ تظل على ثوابتها.. ونحن لا نخالف هذه القراءة مِن خليفة لمضامين حكاية «ناقة شَرَنْقو».. لكننا نريد أن نجعل ما لدينا مِن التفاصيل الزاءدة في روايات أُخَر للحكاية تمنحنا منظوراً أوسع كي تُنوّرنا على الطوايا الدفينة في ذلك المُشتَرَك القَبَلِي العُرباني العصِي على الزمن..
عُربان دارفور في أواخر السبعينات
بين الأول والختام مِن شهر يونيو 1979 تحدّثَ كاتب هذه الأسطر مع 22 راوية مِن أعراب دارفور، كلهم كانوا فوق الخمسين مِن أعمارهم.. مِن رِهِيد البردي والضعين جنوباً إلى كُتُم وملّيط شمالاً.. تمّ التسجيل الصوتي لرواة مِن : بني حسين، التعالبة، الهبّانية، الطِريفية، بني هلبا، الصليحاب، الرزيقات، التعايشة، المعالية، المهرية والزيادية.. والشرائط الحاملة لهذه التسجيلات والموجودة في أرشيف معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية، توجد أرقامها عند (إبراهيم إسحق : ص273).. أمّا الحكاية الخاصة بناقة شَرَنْقو فغالباً ما تُروى على هيئةٍ ما أو يُوعَز لها في النصف على الأقل مِن هذه التساجيل.. والنَص الذي يُورِدهُ خليفة، نقلاً عن يوسف تَكَنة، نقلاً عن عمدة الخُزام فضل أحمد النور، لا نجد بهِ إشارة للتاريخ الذي يتمُّ فيه التسجيل، ولا الهيئة التي تمّتْ بهِ، ولا نعرف شيئاً عن سِن الراوية ولا الطريقة التي جمعَ بها مادّتهُ.. وتقع الحكاية عند خليفة في صفحتين، وهو مَدَى لا يمكن مقارنتهُ مع أطول الروايات لدينا منذ 1979 والتي يسردها علي عمر رزق، يوم 1/6/1979، نزيل الفاشر، مِن قبيلة بني حسين.. كان عُمر رزق يومئذٍ ، كما يقول 58 عاماً، وقد عمِلَ شرطيّاً منذ الزمن الإستعماري بدارفور، وتجوّل بها مراراً، ثمّ لمّا تقاعَد وجدناهُ يعمل حارساً بمتحف قصر السلطان علي دينار.. وهو يذكر بأنّ شيخه في جمع الروايات كان شرطيّاً أقدم مِنهُ يُدعى آدم برشم خميس، تعرّفَ عليه عام 1945، وهو رزيقي مِن فرع المهريّة..
ناقة فَنِّي تَبُزُّ ناقة البسوس
في كتابنا (هجرات الهلاليين) توصلنا إلى أنّ الأحلاف القديمة والجديدة الناتجة عن غزوة بين هلال وبني سِلِيم ومشايعيهِم لأفريقيا الشمالية، في القرن الحادي عشر الميلادي، تزمّروا مِن طلبات الحُكّام في الشمال فاخترقوا بمعابر الصحراء الأفريقية الكبرى في القرن الرابع عشر الميلادي.. وأنهم عاثوا فساداً بشمال تشاد ودارفور الحاليتين في عام 795هـ/1392م.. وكانت المراعي المتوفّرة يومئذٍ على المثلث الكبير بين مرتفعات العُوينات وهضبة الأندي ووادي هَوَر غزيرةً وضحلة المساقي حتى أشبهتْ لهم ذاكرة أجدادهم المحكيّة عن الدهناء ونجد بجزيرة العرب.. لأجل ذلك فإنّ أسماء النباتات في هذه المراعي لم يستلفها الأعراب مِن السكان المحليين بل يتوافق المُسمّى النباتي على هذا المثلث تماماً مع مُسميّاتهِ في جزيرة العرب : البِقِيل، الدّرْمة،الخِشِين،الجُزو، إلخ.. فلمّا تشابهت الظروف، عبر الفارق الزمني بين الجاهليّة (القرن الخامس الميلادي) والقرن الرابع عشر بعد الميلاد، تشابهتْ الأساطير.. وقد تهمُّنا استصحاب الأخبار الجاهليّة عن النوق العصافير، مِن سلالات الجِمال التي يُقال أنّ الفحول مِن إبل الجن قد ضَرَبتْ في أمهاتها بأطراف الربع الخالي.. وها هي الكُتَل القَبَليّة الكبرى مِن الخُزام والعطاوة والحِيماد والرواشد يتقاسمون عند القرن الرابع عشر المراعي على المثلث الحالي الواقع بين ليبيا والسودان وتشاد.. وكلّما تجفُّ المساقي على وادي هَوَر يتّبِعون مجاري الأودية نحو الشمال الشرقي حتى يصلوا إلى النيل حول بلدة الدبّة..
كلّما تغيّرت الأحوال بالأزمنة تُعيد الذاكرة الشعبية بناء تفاصيل الحكاية الشفهيّة حتى تخدِم ما يريد الرواة أن يُوصِلوهُ إلى مستمِعِيهم.. ورواية عمدة الخُزام فضل أحمد النور تنتمي إلى أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات مِن القرن العشرين.. لهذا فهي تحمل روح الميثاق القَبَلي للعُربان التشادية والدارفورية عندئذٍ، خاصة حول مظان الديار الأولى التي تفرّقتْ عليها الأعراب بعد حروبات ناقة شَرَنْقو.. في النصف الأول مِن الحكاية تُسقِط ذاكرة العمدة فضل بعضاً مِن تفاصيل الأسطورة وما تتضمّنها مِن الأشعار الشعبيّة، وتتلاعب ببعضها، لكنّ الجانب الخُرافي مِن الحكاية، في ما يخص توزُّع العُربان مِن شمال دارفور إلى الوسط التشادي، فلا يشبه إلّا تعليلاً مصطنعاً لأسباب استيطان هؤلاء القبائليين بتلك النواحي مِن تشاد.. فلمّا يجيء الجفاف الأخير يصبح مِن حقّ هؤلاء طبيعيّا أن يعودوا إلى ديار أبائهِم في دارفور فيلتحقوا بسلالاتهم.. وهذا هو منطق رواية العمدة فضل، بعيداً عن الجَّزم، وهو مما لا يأتيهِ دارس الشفهيّات..
لم تكن ناقة البسوس خارقةً للصفات، ولا هي بقيتْ حيّة حتى يتنافس عليها الأعراب، لكنّها كانت ناقة مشئومة، يملكها جار مشئوم، ينزل بها على بيت شاب طائش، وعلى زعيم قَبَلي ينضح بالغطرسة.. وهذه الخلطة على بعضها تقدح زناد النار.. إذ يقتل الزعيم كُليب الناقة لأنّهُ لا يريدها سارحةً مع إبلِه.. والشاب الطائش جساس يقتل الزعيم غضباً لجارهم.. وشقيق الزعيم، الزير سالم أو المهلهل، يريد أخاهُ حيّاً أو تفنى قبيلة القاتل عن بكرة أبيها.. وهكذا فالذي يُوحِّد بين حروب ناقة البسوس وحروب ناقة شَرَنْقو هي تلك الأنفة والعنجهيّة البدوية التي لا ولن تقبل بالإتضاع مهما تسيل الدماء أو تُزهَق الأرواح.. القارئ الذي يرغب في متابعة حرب البسوس ولديهِ حماس عليهِ بمجلّدات (البداية والنهاية) للمؤرِّخ ابن الأثير.. والقارئ المستعجل سيجد مرادهُ في (أيّام العرب في الجاهليّة) لمحمد أحمد جاد المولى وزميليهِ أو في (تاريخ الجاهلية) لعُمر فرُّوخ.. وعلى كُلٍّ، فيُقال أنّ قبيلتي بَكرٍ وتَغلِب تحاربتا لأربعين سنة، بين العقد الأخير مِن القرن الخامس الميلادي وحتى موت المهلهل طريداً باليمن في عام 530 للميلاد..
رواية الحسيني علي عمر رزق عن حكايا الناقة
تستغرق إفادة علي عمر رزق، بمنزلهِ في الفاشر، يونيو 1979، تستغرق أكثر مِن ساعة.. وأسئلة التخصُّص في الجمع التراثي الميداني لا تُعِين الراوية بأيّة إشارات إقتراحيّة، لكنّها تضغط على مصداقيّة الراوية بواسطة تقليب السؤالات لمعرفة الفروق في المعلومات ولاستبيان أية شواهد على التحريف أو النسيان.. وفي رأيي أنّ ذاكرة علي عمر رِزق، وهو في الثامن والخمسين مِن سنينهِ، كانتْ حاضرة وجدُّ مُتيّقظة.. والشيء الذي يُسأَل عنهُ ولا يدريهِ كان لا يتجرّأ للإجتهاد فيهِ ويكتفي بالتصريح بأنّهُ لا يعرفهُ.. وبالطبع فالتراث الشعبي القبائلي يمتلئ بالثغرات المعرفيّة وبتحريفات التحزُّب ضد «الآخرين».. لكنّ الباحث يظلُّ مُتحفِّزاً، في مراحل تحليل المواد المجموعة، مُتحفِّزاً لهذه السلبيات، خاصة لدى الموازنة بينها وبين المعارف الأخرى المُكمِّلة للدرس والتمحيص..
فمِن رأيِ رزق أنّ العطاوة والحِيماد والرواشد كانوا يساكنون جماعات مِن الخُزام وكِنانة سبقتْ العطاوة وأحلافهم إلى هذه البوادي.. ونحنُ في كتاب (هجرات الهلاليين) نتوصّل إلى أنّ بقايا الأعراب الهلالية العابرة للصحراء الكبرى في القرن الرابع عشر الميلادي، والواصلة إلى المثلث الحالي بين ليبيا والسودان وتشاد، كانَ فيهم فزارة والمِعقَل وهَلبا سُويد.. وبالتالي فالذي نستخلصهُ هو أنّ العطاوة والحِيماد والرواشد هم الذين اختاروا مجاورة نظارة خُزام وكنانة في منطقة شَرَنْقو ورهد الجِنيد (وليس الجِنيك)، وهي مواقع معلومة حتى الآن بالبوادي مِن شمال إداريّة كُتُم بشمال دارفور.. وهؤلاء الأعراب كانوا يتّبِعون المساقي والكلأ في الصيف ذاهبين نحو الشمال الشرقي على مجاري وادي هَوَر أو وادي المجرور (لعلّهُ إسمٌ لوادي الملك) حتى يصلوا إلى حواري الدَبّة ودُنقلا على النيل.. وتقول الرواية أنّ عَطَوِيّاً يُدعَى فَنّي كانت إبلهُ قليلة ولا فحل مُقتَدِر مِن بينها.. فلمّا نزلَ إلى البحر مرَقَ (مِن البحر أو مِن إحدى الجُزر) جمل أسود فضَرَبَ في نُوقِهِ.. ورجَعَ فَنّي إلى باديتهِ فولدتْ نياقهُ قُعدان «سمحات خالص خالص».. وطمعَ فَنّي فرجع بإبلهِ إلى البحر في العام الخالف حتّى يتعشَّرن مِن الفحل الأسود.. فلمّا طَلَع الجمل مِن البحر «شَمشَمَ على عيالو» وانقلبَ فدخل البحر، وإذا بالقُعدان مِن خِلفَتِهِ تتبعهُ وتختفي في البحر.. إلّا ناقة صغيرة استطاع فَنّي مُقابضتها وتجنيبها إلى أمها.. ثمّ هو يطرد إبلهُ فيرجع إلى باديتهِ.. هذه الناقة ابنة الفحل البحري كبُرتْ وتميَّزتْ في إبل فَنّي.. فأخفافها مُلبّدة بالصوف مِمّا يجعل الأمر صعباً في قصِّ أثرها أو التعرُّف على فِعالها.. وبدورها فقد تعشّرتْ هذه الناقة وولدتْ.. فإذا بلبنها يأتي «زيادة عن اللزوم»، حتى يضطرُّوا لجمعِ ضِرعها في حاملٍ وستار ضخم مِن الجلد.. وكانت ناقة فَنّي هذي تسرح بالليل.. ولناظر الخُزام شجرة هائلة داخل أحواشهِ وزرائبِهِ.. فكانت الناقة تلك، بعُلوّها السامِق، تخرُطُ مِن هرازة الناظر شَرَنْقو الخُزامي مِن فوق الأسوار..
والناظر يتمحَّن يجلس النهار فتقع عليهِ أشعة الشمس مِن «خُلالات» في الشجرة يُحدِثها تخريط الناقة.. ويدور الناظر وعُمّاله حول الأحواش فلا يرون أثراً لهذا المُغِير السائب.. ونهايةً فقد ترصَّدَ الناظر شَرَنْقو ليلاً بهذا الشيء، حتى أمسكوا بالناقة وأودعوها في الخفايا مِن بيوت الناظر.. ويصبح فَنِّي وأقاربهُ يبحثون عن الناقة، حتى يتأكدوا أنّها موجودة في حوش الناظر.. وقد حلّتْ الناقة لشَرَنْقو مشكلة عويصة.. إذ أنّ جوادهُ كان لا يرتوي مِن لبن سبع أنوُق، وإذا بناقة فَنّي ترويهِ تماماً.. فَنّي يُريد أن يُؤكِّد للناظر شَرَنْقو بأنّ الناقة محبوسة في بيوتهِ وأنّهُ يسمع مِن حيث يقف صوت تحنُّنِها على بُعادها مِن حاشيها (فصيلها)..
يقول فَنّي :
جُوّاتِن راسها مَربوط شخيراً لِحَلِقها بِطرُد الراجل المرعوب وشخيراً لِولِيدها سِيلاً يَقِلعَ الطُوب
لكنّ الناظر شَرَنْقو كان قد قرَّرَ مصادرة الناقة.. لهذا فهو يواجِه فَنّي باستحالة إخراجها مِن عندهِ..
يقول الناظر :
النَّاقَةْ الدَّخَلَتْ بُحُورَ الوِيكْ ياتُو البِمرُقْها لِيكْ يا فَنّي النَّاقَةْ الدَّخَلَتْ بُحُورَ الطِينْ ولَاكْ عَوَّامْ ولَا بْتَعرِفْ مَشِي الوِزِّينْ
هذه صور بدويّة يحافظ عليها التراث الشعبي عن طريق نقل مجازاتها : بتشبيهاتٍ أو باستعارات، منقولة في قوالب الشِعر.. ويجدر بالقارئ أن يصبر عليها حتى يُدرٍك معانيها.. أمّا كلمة «بحور الوِيك» فليست إلّا تصوير لاستحالة الوصول إلى الغرض المطلوب، وكأنّهُ في بلدٍ كالواقواق أو في بلدٍ طيرهُ عَجَمِي.. والذي يرغب في خوض «بحور الطين» حتى يُدرِك مُبتغاهُ، على رأي الناظر، عليهِ أن يتعلّم العُوم أو يتمرَّن على الطريقة التي تهبط بها أسراب الأوز البرِّي على الرهود والغِدران، فكأنّها في الأوّل تمشي على الماء بأقدامها المُلتحمة الأصابع.. غير أنّ فَنّي أيضاً لا يستسلم لتهديدات الناظر، فيتوعَّدهُ بتطبيق طرائق الأحلاف العُربانيّة في الدفاع عن عشائرِهِم وأملاكهم..
يقول فَنّي :
السَّايِرْ عَطِيَّة والمُقِيمْ حِيمَادْ
والنُّقَارَة البِتْدَقْدِقْ رَاشِد الوَلَّادْ
وِينْ تَمْشِي بِالنَّاقَةْ يا الخُزامِي الدَّاجْ ؟
فالداج بمعنى المغفل يدلنا هنا على مدى الوعيد الذي يتجادعهُ الآن الطرفان : الحِلف العَطَوِي الراشدي الحِيمادي مِن جهة، وخُزام وأحلافهم مِن جهة.. لكن الناظر شَرَنْقو لا يتراجع، فهو أيضاً يُصَعِّد تهديدهُ إلى مستوى المشاتمة..
يقول الناظر :
كَنْ لَمِّيْتُو جِنِيدْ ومَجْنُودْ
وعَبْدَكُمْ…… المَعْتُوقْ
كُوْرَ الغَنَمْ مَا بِقَابِلْ جَبِينْ الدُّودْ
فالحلف العطوي هكذا، في نظر شَرَنْقو ليس إلّا قطيع مِن الأغنام.. ومتى يرى الناس قطيع غنم يتشجَّع فيقف أمام جبهة الأسد ؟
الحلف العَطَوي وخُزام إذ يُكرِّران بَكر وتَغلِب
مِن هنالك تتوالد «أيام» حرب ناقة شَرَنْقو.. وتصبح خُزام بعد فقدها لناظرها تتراجع وبيدها الناقة في اتجاه الغرب.. والضحايا تتساقط في المُذابحة.. وتماماً تتعاود الأفعال البدوية عبر التاريخ.. فالشيخ الهدندوي بعد مئات السنين مِن ناقة شَرَنْقو، ينظر إلى رجالات قبيلتهِ وهم يتقاتلون ويفنون في امرأة كهلة فاتنة مِن عرب الحُمران، عند جبال البحر الأحمر.. بصلابة يقتل الشيخ تاجوج الجميلة، فتنعدم أسباب المُذابحة وتتوقّف.. امرأة عجوز، مِن العطاوة أو الخُزام وأحلافهم، تفقد خمسةً مِن أبنائها في حروب ناقة فَنّي.. فما يكون مِنها غير أن تتسلّل ليلاً إلى محبس الناقة فتعقرها.. وكما يقول علي عمر رزق : « والقصة انتهتْ «.. الحِيماد يتوزّعون مِن أرض المعارك بغرب جبل مرّة حتى ينزلوا بجنوب دارفور ويستبدلوا الإبل بالبقر.. والرواشد وأحلافهم يذهبون إلى سهول وديان بحر شاري بوسط تشاد.. وخُزام الباقية في السودان يتحدّث يوسف تَكَنة مع عمدتها بضواحي زالنجي.. وأمّا العطاوة فقد تفرَّقتْ فروعهم في تشاد وبشمال دارفور وجنوبها وعلى جنوب كردفان.. والقارئ الذي يتحمس لتَلَمُّس هذه التوزُّعات التاريخية عليهِ أن يقرأ في الأدبيّات السكانية لغرب السودان وتشاد في المراجع العلمية التي تستحق الوثوق بها..
إحالات :
1 – إبراهيم إسحق (2011) (هجرات الهلاليين) – هيئة الخرطوم للصحافة والنشر..
2 – عبد الوهاب الأفندي وسِيد أحمد ولد أحمد سالم، إعداد (2013) (دارفور : حصاد الأزمة بعد عقد مِن الزمان) – مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة..
الثورات : 21/5/2015م