صراعات القوى السياسية والحركات المسلحة عطلت نهضة الوطن

صلاح الحبو
ظلت القوات النظامية جيش – أمن – شرطة تتحمل أخطاء القوى السياسية والتي تعاقبت على حكم السودان منذ الاستقلال. وقد رفع الزعيم الأزهري علم استقلال الدولة السودانية بوصفه رئيس أول حكومة وطنية أفرزتها انتخابات عام 1954م. وبعدها استحكمت الخلافات بين القوى السياسية الحاكمة. وقام أحد الأطراف السياسية الحاكمة بتحريض الجيش لاستلام السلطة لأن السياسيين فشلوا في الاتفاق فيما بينهم لبناء الدولة السودانية الوليدة بعد نضال وكفاح مرير للشعب السوداني. ولم يتوانى الجيش في إستلام السلطة ووضع حداً لصراعات القوى السياسية. وقاد الفريق إبراهيم عبود ومجموعته حكم السودان لمدة ستة سنوات وتم إسقاط حكومته بثورة شعبية في أكتوبر 1964م. وعادت القوى السياسية لمسرح الأحداث السياسية وهي تحمل جرثومة الصراعات ولم تستطيع الوفاق فيما بينها لتأسيس حكم ديمقراطي راشد لبناء الدولة السودانية لتحقيق الرفاهية للشعب ولكنها فشلت فكان انقلاب 25 مايو 1969م واستلم الجيش السلطة فيما عُرف بثورة 25 مايو. وأيدها قطاع كبير من الشعب بعد (16) عاماً من حكم مايو قاد الشعب السوداني ثورة شعبية اقتلعت حكم مايو وعادت القوى السياسية لمسرح الأحداث تحت مظلة ثورة أبريل 1985م. وكان للقوات المسلحة دور كبير جداً لإنجاح ثورة الشعب في أبريل 1985م ، ولكن القوى السياسية لم تتعظ وتترك ضلالاتها القديمة بالرغم من وصولها الحكم عبر انتخابات ديمقراطية شاركت فيها كل القوى السياسية المعلومة والمعروفة وهي حزب الأمة ، والاتحادي الديمقراطي ، والجبهة القومية ، والحزب الشيوعي وكان ذلك في عام 1986. وقد ذاق الشعب السوداني الأمرين من جراء الممارسات العبثية للقوى السياسية والتي انشغلت بصراعاتها الذاتية وكاد السودان الوطن أن يضيع فكانت ثورة الإنقاذ 1989م. وكانت القوات المسلحة هي سيدة الموقف ووضعت حداً للتدهور الأمني الذي أحاط بالدولة السودانية وقد إستشعر قادة ثورة الإنقاذ حجم الاستهداف الدولي والذي يتربص بالسودان ، وبلغ هذا الاستهداف مبلغه بسعي قوى الشر والاستكبار لتفكيك السودان إلى دويلات صغيرة فكانت البداية بجنوب السودان فتم فصله بنجاح يحسدون عليه والآن الجهود تتكثف والهجمات الشرسة تنتظم من قبل القوى الشريرة لفصل دارفور عن السودان… هذا الاستهداف لا يظنن أحد بأنه استهداف للنظام الحاكم الآن بل هو استهداف كما قلت للأمة السودانية وثوابتها ، وهو أمر أدركه قادة ثورة الإنقاذ منذ الأيام الأولى للثورة فأعلنوا تمسكهم بالثوابت الوطنية والتي تتقدمها وحدة التراب السوداني فكان انفصال الجنوب الذي جاء بإرادة كل القوى السياسية. وهو حدث جعل القناعات الوطنية لدى البعض تهتز فحملوا الإنقاذ مسئولية انفصال الجنوب وهو أمر بحسب المراقبين يتطلب مراجعة من قادة الإنقاذ للمسيرة الطويلة في حكم السودان والراهن وذلك بوضع برنامج إصلاحي لمعالجة الخلل الموجود بملف دارفور وطريقة إدارة أزمتها حتى تتعافى ويكون هذا العام نهاية الحرب والتمرد. وأمام النخب الدارفورية المشاركة في إدارة الدولة على كافة مستويات الحكم في تحد عظيم ولوضع حد لمعاناة إنسان دارفور ، والذي عانى كثيراً من ويلات الحرب والاقتتال. وبالمقابل فإن قادة الحركات المسلحة ممن وقعوا على اتفاقيات سلام تحد لا يقل أهمية عن تحدي أبناء دارفور في الحكومة فإنهم مطالبون أيضاً بوضع مصلحة مواطن دارفور نصب أعينهم. المواطن الذي حملوا السلام من أجله كما يدعوا ، والرهن اليوم لقادة حركات السلام يكذب زعمهم بأنهم ثوار وإلا لماذا أنشقت حركة التحرير والعدالة؟ وهي الحركة التي وقعت علىوثيقة الدوحة والتي أصبحت المرجعية للسلام بدارفور وضُمنت بالدستور وأضحت ملك للشعب السوداني كافة ودارفور خاصة. والحركة الثانية الموقعة علىوثيقة الدوحة هي حركة العدل والمساواة والتي أنشقت من جبريل إبراهيم بقيادة محمد بشر وأركو سليمان ضحية ويعتبر هذا الإنشقاق هو الأكبر في تاريخ العدل والمساواة ، ولكن بعد قتل محمد بشر وأركو تولى دبجو رئاسة العدل والمساواة. وعندما بدأوا في تنفيذ وثيقة الدوحة أنشقت مجموعة كبيرة جداً من دبجو وهنا اتضحت الرؤية وتأكد تماماً بأن صراع قيادات التحرير والعدالة ، وتبعتهم حركة العدالة والمساواة هو صراع حول الغنائم ليس إلا وليس صراع مبادئ كما يدعي كل من أطراف الصراع. وبالتالي أصبحت الصورة واضحة المعالم لرئاسة الدولة ، وأن مكتب سلام دارفور إدارته عاجزة تماماً في إدارة ملف الأزمة وتحول دون إنشطار الحركات الموقعة على وثيقة الدوحة وبالتالي فإن مكتب سلام دارفور أضر كثيراً في سير تنفيذ وثيقة الدوحة.
إن أزمة دارفور أصبحت قضية وطن ولا يمكن تركها لتتقاذفها أهواء قادة حركات همهم الأول والأخير السلطة والمال وواقع الحال يؤكد ذلك. وسيادة النائب الأول لرئيس الجمهورية ومن خلال زياراته المتعددة لدارفور أصبح ملم تماماً بكل جوانب الأزمة الدارفورية ، ويمكنه وضع الأمور في نصابها الصحيح حتى تتعافى دارفور ، وكانت بداية خطوات التعافي هو تعيين ولاة لولايات دارفور ، ولابد أن يعقب تعيين الولاة الجدد إيجاد آلية قوية لجمع السلاح يقودها مفوض الترتيبات الأمنية اللواء تاج السر عبد الرحمن وتكون المفوضية تابعة لرئاسة الجمهورية حتي يتحقق الاستقرار الأمني المنشود والذي يساهم في عودة النازحين وإنطلاق تنمية حقيقية.
وكما هو معلوم بأن عنوان أزمة دارفور هو معسكرات النازحين واللاجئين الذين فشلت سلطة الدكتور السيسي في إعادتهم بل زادت أحوالهم سوءاً ولذا فإن التباكي من أجل تمديد أجل السلطة الإقليمية وبشكلها الحالي ما هو إلا إصرار لاستمرار معاناة إنسان دارفور.
الدولة مسئولة إتجاه مواطنيها وعلى الحركات الموقعة على وثيقة الدوحة والتي تحولت إلى أحزاب سياسية عليها أن تعي لحجمها الحقيقي وسط جماهير دارفور وما حققته من نتائج في الانتخابات الأخيرة هل يؤهلها لقيادة سلطة دارفور. وقد وضع الحزب الحاكم معايير للمشاركة في الحكم وحتى لا يحلم الحالمون من قيادات هذه الحركات والتي تحولت إلى أحزاب سياسية أرجو أن لا تكون دارفور مطية للإنتهازيين طلاب السلطة والمال. والسلطة الإقليمية المنتهية ولايتها مطالبة لتقديم كشف حساب لإنجازاتها لتبرير مطالبتها لتمديد أجلها إن كانت لها إنجازات أصلاً. وخلاصة القول بأن القوات النظامية كانت ومازالت هي صمام أمان للدولة السودانية وما تحقق الآن من استقرار في دارفور هو جهد خالص قامت به القوات النظامية بكل مسمياتها وتكاملت أدوارها لفرض هيبة الدولة وتحقيق قدر كبير من الأمان والسلام.
كلمة أخيرة:
بخصوص المجموعة الكبيرة بقيادة عبد الرحمن بنات التي أنشقت عن دبجو الضرورة تقتضي إنصافها لأنها عندما أنشقت أخذت معها الأسلحة الثقيلة وعدد مهول من السيارات ، ولذا رفع الظلم عنهم ضرورة أمنية لأنهم أكدوا مراراً وتكراراً أنهم مع السلام.
خلاصة القول نريد من كل القوى السياسية حكومة ومعارضة وحكات مسلحة أن يدركون أن بناء الوطن ورفاهية الشعب لاتكون إلا بالوفاق الوطني.