سلسلة أوجاع قومية : فجوة الوعي العربي واتجاه التاريخ

عمرو شعبان
تجئ هذه السلسلة وهي تحمل في طياتها عملاً نقدياً يسعي من خلاله الكاتب لنقل تصوراته حول الوضعية الحالية للفكر والحركة والتيار القومي ، ليس بهدف جلد الذات ،ولكن بهدف فتح مساحات حوار علي مستوي هذه التصورات وحول المخاوف المترتبة عليها،خصوصاً في السودان، الذي يأخذ فيه الخطاب القومي العروبي وضعية خاصة ودخول الوجود العربي والثقافة العربية والهوية العربية فيه امتحان البقاء من عدمه في سياق المتغيرات التي يشهدها،لذا فالتعامل معها لا يجب أن يكون باعتبارها سطوراً للتنفيس أو لبث الإحباط برغم توفر كل مقوماته في البيئة السودانية ، بقدر ماهي محاولة للحديث في المسكوت عنه …

أولاً:المنطلق:
ويمثل الأرضية التي يتم الاستناد إليها ، ويعبر عن المفردات الواقعية في إبراز مشروعية الحديث عن الحلم العربي، والقاعدة الأساسية التي تمثل معطيات الواقع أو حقائقه أو الموجودات أو المكونات التي على أساسها يكون الانطلاق نحو صياغة أهداف ومبادئ ومرتكزات المشروع القومي . عموماً يمثل هذه الجزئيات الجاري بحثها في كلياتها ما يسمي بالمنطلق والذي يشتمل على مجموعة من العوامل أهمها ( العامل الجيوبولوتيكي)(العامل الثقافي) (العامل التاريخي ) ، وهو ما سيتم الحديث عنه.
الجغرافيا السياسية:
فوفقاً لنظرية الحتمية الجغرافية التي تحدث بها (هوشفيز) وأنصاره من بعده ، والتي ترى أن للموقع الجغرافي تأثيره في القرار والموقف السياسي، ويدخل كعامل مباشر في تحديد معايير القوة الدولية ، والاستناد عليه في إقرار دور فاعل في الساحة الدولية..
من ثم نجد أن تداخل مواقع الدول القطرية العربية في القارتين، أسس لأبعاد إستراتيجية ناتجة عن المجال الحيوي المترابط لدول المنطقة، فما يحدث في المشرق العربي يلقي بظلاله على المغرب العربي، وهو ما ساهم في توحيد خطوط الاستهداف على هذه المنطقة، مما كان له أثره في خلق تقارب وتنسيق وتشابه في خطوط المقاومة والتصدي..
كل ذلك يمكن أن يطلق عليه أن وحدة الاستهداف أسس لوحدة المصير، كان للموقع الجغرافي دوراً في صياغته، كذلك فإن هذا التقارب الجغرافي لا يمكن فصله عن التصورات الذهنية لعمليات التواصل الجماهيري الضاربة في عمق التاريخ ، مما ساهم في خلق نوع من الارتباط المصلحي بين دول هذه المنطقة ..
الثقافي في المشهد :
يعد العامل الذي يشكل أهمية قصوى في الإجابة علي سؤال الهوية والذي يمثل حالياً (كسؤال)أحد أهم عوامل الانقسام والتشرذم العربي ، وتحديداً في الدول ذات الخصوصيات الوطنية كالسودان والجزائر والعراق، فالثقافة المشتركة لشعوب ودول العالم العربي يظهر دورها في شكل مباشر في قنوات التعبير المدنية والتي تتعاطى الظواهر بمختلف أشكالها بنفس أنساق التفكير، على سبيل المثال تمارس الأنظمة العربية دورها في قهر واستعباد شعوب دولها لصالح أجندتها الذاتية ، أسهم ذلك من جهة في خلق تقارب على مستوى التجربة بالنسبة لهذه الشعوب، ومن جهة أخري ساهم في تسهيل انتقال عدوى التصدي لهذه الأنظمة، واستشفاف أدوات المقاومة ، أي خلق ما يسمي ( بالتجربة التاريخية المشتركة)مبلورةً مفهوم (المعارضة) بشكل تحديثي.. وعموماً فإذا كان تأثير العامل الثقافي يبرز كعامل أساسي ومحفز في عملية الاتصال الجماهيري وانتقال عدوى المفاهيم والتصورات والتجارب ، إلا أن التجربة التاريخية المشتركة وما تخلقه من تقارب وجداني ، تمثل عاملاً منفصلاً ..
التجربة التاريخية:
إن التجربة التاريخية الجاري الحديث عنها، والتي لا يمكن الوصول إليها بمعزل عن عمليات الاستدعاء التاريخي ، والتي لا تتم أيضاً بمعزل عن القراءة المتأنية لما بين سطور التاريخ العربي ، فالفلسفة التوحيدية على سبيل المثال التي جاءت بها الأديان واستهدفت ما هو موجود من قيم ومعتقدات للمجتمعات المتعددة بامتداد المنطقة بدون استثناء يمثل ذلك تجربة مشتركه لهذه المجتمعات حتي وان تفاوتت زمنياً .كما وأن الحقبة الاستعمارية وما صاحبها من استهداف لشعوب وثروات المنطقة ، وما لازمها من ردود أفعال كحركات المقاومة والتحرير ، تمثل تجربة مشتركة وتاريخ مشترك ، كذلك ما تعانيه المجتمعات العربية الآن من تغييب متعمد لكل ملامح الديمقراطية والمؤسسية وما تعانيه من قمع وإرهاب من قبل الأنظمة الحاكمة يخلق واقعاً متقارباً ومشتركاً ويعبر عن تجربة تاريخيه مشتركه .
ثانياً: الأداة أو الآلية:
وهي كل ما يعتمدها المنطلق ويستخدمها في تحقيق أهدافه – ويتم إعمالها وتوظيفها في اتجاهين ، اتجاه يعمل على ربط مفردات الواقع وحقائقه وموجوداته وتحويلها الى برامج عملية تدعم تحقيق الهدف ، والاتجاه الثاني يعبر عن إعمال للآلية في الواقع باستصحاب متغيراته ، للخروج بصياغات نظرية تشرح الهدف وتربطه جدلياً بالمنطلق وتبين كيفية تحديد الهدف ومفاضلته بغيره من الأهداف، وبشرط ضرورة احتواء الصياغات النظرية علي خصائص ديناميكية تجديدية من خلال المراجعة الدائمة والمستمرة وممارسة النقد الذاتي ، بما يضمن عدم الوقوع في قبضة الجمود والتكلس ، من أجل استيعاب الواقع ومخاطبته بشروط المواكبة .. بصفة عامه فأن الأداة المعنية هي التعبير الأخر عن المنهج المعبر عن مجموعة الأنساق الفكرية التي من خلالها يتم الوصول للخلاصات والحلول والنظريات ، والذي يتم عبره اختراق الواقع بما يشمله من ظواهر وإشكاليات وأزمات .
ثالثاً:الغاية أو الهدف:
وهي تعبر عن الهدف الذي تم تحديده من خلال الاستناد علي حقائق واقعية تمثل راهناً ، عن طريق استخدام أدوات ذهنية تمثل في مجموعها منهجاً يمارس الجدل مع الواقع ومتغيراته للوصول لبرامج عملية ، وصياغات نظرية تعمل علي تحقيقه وكيفية تحقيقه .
من ثم وعلي ضوء ما سبق فإن التجاوز الذي يتم لإحداثيات المشروع القومي وضرورات تنزيله لأرض الواقع، يعبر عن تعالي علي هذا الواقع ومطلوباته وضروراته ، وتماهي غير مبرر في الأخر، لصالح بنية وعي مهترئة تخدم بغير شك الخطوط الامبريالية في شكلها الجديد ، بما يجعل وصف الذاكرة العربية ، بالذاكرة المثقوبة التي ينزف من خلالها الوعي العربي، وصفاً يعبر عن حقيقة ماثلة.
الفكرة القومية والخروج من بوابة التاريخ:
بالنظر للإنتاج الإنساني والذي لا يخضع للحدود والفواصل، ولا يقيم بالاً لدعاوي المحلي والوافد ، انطلاقاً من قاعدة (لا حدود للأفكار) نجد أن الفكرة القومية برزت للوجود في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ،وأن التنظير القومي قد مر بمرحلتين أساسيتين يمكن تصنيفهما كالأتي:
مرحلة النشوء والتبلور: والتي تصنف أو تعرف بمدارس القومية الكلاسيكية والتي استوحت تنظيراتها من خلفيات الواقع الأوروبي الخارج من صراعات ، قبل اتفاقية وستفاليا 1648م – والتي تمثل منعطفاً تاريخياً حساساً في تاريخ البشرية ، إذ ردت الاعتبار لمفهوم السيادة والخصوصية القطرية / الوطنية ، وصاغت رؤية دوليه جديدة تدعم احترام الدول القومية بعد زوال وانتهاء حقبة الإمبراطوريات، وقد تمثلت أهم مدارسها ، في المدرسة الفرنسية ، والتي اعتمدت على وحدة اللغة ( لخدمة رؤيتها في حسم صراعها مع ألمانيا حول إقليم الزاس واللورين، حيث يتحدث مواطني هذا الإقليم الفرنسية ، بينما ينتمون عرقياً للقبائل الجرمانية ، والتي يتكون منها الشعب الألماني) .. والمدرسة الألمانية والتي اعتمدت في تنظيرها علي وحدة الجنس أو العرق ( حيث تري سيادة الجنس الآري وتفوقه ، وهو أحد الأسباب التي أدت الى استهداف ألمانيا لليهود الذين يرون أنفسهم شعب الله المختار) .. والدراسة السوفيتية والتي ترى أن الفكرة القومية في ذاتها فكرة رأسماليه تتعارض والمنطلقات الأممية للنظرية الشيوعية ، وتفترض أن وحدة المصالح الاقتصادية هي الأساس الذي ينبني عليه الطرح الاممي ..
المرحلة الحديثة أو المعاصرة: بتطور وتسارع المتغيرات الكونية واستفحالها ، خصوصاً تغيرات الخريطة الاجتماعية للعالم الإنساني ذو الخصائص الديناميكية في ظل النهضة التكنولوجية والاتصالاتية والاقتصادية المعاصرة ، والتي ساهمت في انطلاق مرحلة تلاقح ثقافي وحضاري ( بغض النظر عن الملامح الاستعلائية التي صاغ بها مثقفوا الغرب طبيعة هذا التلاقح ) أسس كل ذلك للوصول لحقيقة علمية مفادها انعدام ما يسمي بالصفاء أو النقاء العرقي ، مما أسهم في تعديل الصياغات النظرية للنظريات القومية ، ومن ثم بروز التنظير الحديث أو المعاصر للفكرة والنظريات القومية القائلة بتعريف القوميات استناداً على الإرادة الفاعلة والمدركة والواعية ،المنطلقة من الوعي الإنساني وإدراكه لدقائق وحقائق انتماءاته وارتباطاته الاجتماعية والسياسية والمصلحيه
عليه وباسقطات التنظير الكلاسيكي علي الواقع العربي ، نجد من خلال تشريح محتويات المنطلق ، انطباق عوامل ( التاريخ وتجربته، والثقافة وماعونها اللغوي وباعتبارها الشرط اللازم للتعريف بأي ثقافة بعد استيفائها شروط التفاعل الضرورية لوجودها كثقافة ، والتقارب الجغرافي والموقع الذين ساهما في خلق تقارب علي مستوي التجربة ، مما أسس لاستشراف مستقبلي بعبر عن أحلام وطموحات وأمال ورؤى مشتركه ، وعامل الدين كعامل ثانوي يدخل ضمن المفردات الثقافية باعتباره معبراً عن منظومة قيمية ومجسداً للجانب الروحي والمعتقد في الماورائيات لمجتمعات هذه المنطقة منذ فجر التاريخ).
عليه وبمقارنة ذلك بالتنظيرات الكلاسيكية في القومية وما تحتويه النظرية القومية العربية من مقومات ، نجد بالملاحظة المباشرة أنها تحتوي على معظم العناصر والعوامل التي قالت بها المدارس الأخرى منفردة ، مما يمنحها ميزتين، الأولى جمعها لمعظم العناصر يؤكد شمولها ، والميزة الثانية هذا الشمول ينفي قيامها كرد فعل لأوضاع محددة في المنطقة العربية ، وإلا كان التركيز علي جانب أو عامل محدد وإغفال باقي العوامل . وإذا افترضنا أنها تعبر عن رد فعل لشكل الاستهداف الذي تواجهه المنطقة الخليطية فان ذلك لا يقدح في مصداقية النظرية ( المستوحاة من ظروف المنطقة وواقعها ) بقدر ما يؤكد الاستهداف وشموله واتساعه ..
ان الابتعاد عن المرتكزات الفكرية للنظرية القومية ومشروعها القومي التحرري النهضوي العربي، هو في التحليل النهائي تعبير يؤكد تمدد مساحات الارتداد عن الحصيلة الثورية والاستنارية والتنويرية القليلة المقتبسة من عصر التنوير والتثوير العربي ، مما يقود للقول بانكسار موجة التيار القومي التي ارتفعت بقوة دفع ذاتيه مستولدة من المعطيات الواقعية الفارضة للخصوصية القومية في مواجهة الاستهداف الامبريالي الواضح الملامح ، والذي أكدته أخيراً مشاريع التركيع في مواجهة دول عربيه محورية كالعراق ، ليبيا ، سوريا، حالياً السودان ..
ان الراصد للتطورات الأخيرة في العالم العربي يلمس بوضوح حجم تدني الوعي الجماهيري الشعبي وليس الرسمي حول التاريخ العربي وفحوى المشروع القومي بما يتضمنه من أهداف وأدوات تحقيق (ومواجهة) وما يشمله من رصيد استناري وثوري لصالح أجيال هشة استهلاكية غير إنتاجيه ، مما يمنح مشروعية ذات سقف أعلي للقول بسير الوعي العربي عكس اتجاه التاريخ ، لصالح طمس ملامح ومنجزات عصر التنوير العربي ، صاحب الفضل الأكبر في إمدادنا بأدوات وعي تخاطب واقعاً مختلفاً وبشروط مختلفة عن الواقع الحالي والذي يجئ فيه المشروع الاستعماري مرتدياً نظاماً قيمياً باعثاً علي الاحترام ، ومعنوناً بشعارات طال الظمأ لها كالحرية ، والديموقرطية وحقوق الإنسان ، ليزيد من مساحات الاختراق داخل جسد الامه العربية من خلال خلق التفاف حوله عبر الالتفاف حول شعاراته ، وذلك بعد فشل رهانه على الأنظمة الحاكمة بسبب الوعي العربي الشعبي والجماهيري وبرغم محدوديته ، والمكتسب من مرحلة تاريخيه سابقه .يظل الرهان علي رفع مستوي الوعي العربي الجماهيري وزيادة الالتفاف حول شعارات المشروع القومي ومرتكزاته ، بعد صياغة الرؤي التجديدية التي يجب أن تفسح مجالاً للديمقراطية وحقوق الإنسان في بنية المشروع القومي ، وقبل ذلك في بنية الوعي العربي ..

ونواصل