سلسلة أوجاع قومية: فجوة الوعي العربي واتجاه التاريخ

الخرطوم : عمرو شعبان
تجئ هذه السلسلة وهي تحمل في طياتها عملاً نقدياً يسعي من خلاله الكاتب لنقل تصوراته حول الوضعية الحالية للفكر والحركة والتيار القومي ، ليس بهدف جلد الذات ،ولكن بهدف فتح مساحات حوار علي مستوي هذه التصورات وحول المخاوف المترتبة عليها،خصوصاً في السودان، الذي يأخذ فيه الخطاب القومي العروبي وضعية خاصة ودخول الوجود العربي والثقافة العربية والهوية العربية فيه امتحان البقاء من عدمه في سياق المتغيرات التي يشهدها،لذا فالتعامل معها لا يجب أن يكون باعتبارها سطوراً للتنفيس أو لبث الإحباط برغم توفر كل مقوماته في البيئة السودانية ، بقدر ماهي محاولة للحديث في المسكوت عنه …

بانطلاق حقبة جديدة في التاريخ الكوني، ودخول العالم مرحلة النظام العالمي الجديد بملامحه الأحادية، وهيمنة الثقافة الغربية كمركزيه ثقافيه، بمصادرها المعروفة، وتصدر الانجلوسكسونيه قائمة روافدها عبر الحوامل التكنولوجية والاقتصادية، وتدشين مرحله عالمية تعني بعسكرة السياسة الدولية، واختلال موازين القوى لصالح الاستراتيجيات والبرامج بعيدة المدى، والتي تنظر لعالمنا العربي علي أنه الحديقة الخلفية التي توفر المتع الخفية لأصحاب الهيمنة على الإمبراطورية الكونية وانتهاك الخصوصيات وتجاوز الطرح والتصور الكلاسيكي لمفهوم (السيادة) ، فان العديد من المفاهيم والرؤى تحررت من التصورات المرتبطة بها، وبدأت حاله من التململ في أوساط الحركة الثقافية العربية تجاه التطبيع العربي اليومي مع ملامح الاستلاب والتماهي الحضاري تجاه/ في الأخر بدون عمليات المراجعة والتصفية المفترضة كممارسة انتقائية للوافد من حضارة هذا الأخر ، بما يتوافق وأزمات الواقع العربي في المنطقة الممتدة من الخليج الى المحيط(الخليطية) في ظل خصوصيتها القومية، والتي تستند على عاملين يمثلان الحد الأدنى( اللغة والتاريخ المشترك) باعتبارهما عوامل مركزيه وركائز أساسيه وبمثابة بنية تحتية يقوم عليهما المشروع القومي التحرري النهضوي العربي في تعاطيه لواقعه ومخاطبة أزماته في ظل حالة الجدل الدائم والمستمر بين مثقفيه ومفكريه ، باعتبارهما كما يقول (ساطع الحصري ) روح وذاكرة الأمة ، فاللغة تمثل روح الأمة والتاريخ يمثل ذاكرتها..
ملامح الراهن:
الحقبة الجديدة راحت تقلل من أهمية هذه الركائز ، لإدراكها خطورة الاستناد عليهما باعتبارهما الجذر الرئيسي الذي تقوم عليه فكرة الوحدة العربية، والتي تتسق واتجاه التاريخ الآن، خصوصاً بعد الشروط المتهيئة التي أفرزتها تجارب الربيع العربي وسقوط أنظمة ما بعد الاستقلال ومن والاها في ذات النهج والتركيب والمؤسسات في بنية الدول العربية في صيغتها القطرية، وصعود نجم الإسلام السياسي على خلفية الفراغ الذي أتاحه غياب الخطاب القومي وسقوطه هو الآخر سواء بفعل فاعل أو من خلال تناقضات خطابه، مما يجعل عملية الاختراق المراهن عليها لصالح الأخر أمراً بعيد المنال..
المثقف في المعركة:
عموماً فان مهام التصدي والمقاومة لملامح هذا الاستلاب والتماهي مع الآخر الحضاري والثقافي، بدأت علي يد المثقف العربي كأولوية وكمهمة تاريخيه، وساهمت أطروحات عصر التنوير العربي – التي لم يكتمل تبلورها بشكل نهائي – بصورة أو بأخرى في إمداد حركات التحرر الوطني التي انطلقت في العالم العربي آنذاك بالشعارات اللازمة لانجاز مهام التثوير والتعبئة في مواجهة المستعمر الأجنبي ، والذي أدرك خطورة هذه الشعارات وقدرتها التعبوية ، بما يرفع من تكاليف عملية الاحتلال والتواجد غير المشروع ، فقام بإنتاج مضاداته المتمثلة في زرع بذور الشقاق والانقسام في المجتمع العربي ، في محاولة أخيره منه للسيطرة علي قنوات التنوير والإمداد الثقافي والاستناري والتعبوي ، بما يسمح بالقول أن المعركة مع المستعمر أدارها المثقف العربي في أولى ملامح تصديه لمسؤوليته القومية..
الانقطاع السياسي:
بصفه عامه ساهمت الفترة التي تعاطى من خلالها المثقف العربي مهامه سابقة الذكر وانشغاله بالمشروع التحرري في خلق حالة انقطاع تاريخيه بين المشروع السياسي والمشروع الاستناري العربي بملامحه الثقافية ، وقد برز ذلك بوضوح من خلال الرصد التاريخي لأنظمة الحكم العربية فيما بعد مرحلة التحرير والولوج لمرحلة تكوين الدولة الوطنية الحديثة ، ومن ثم الابتعاد التدريجي عن حلم دولة الوحدة.. يؤكد ذلك البرامج العملية لأنظمة الحكم العربية على مستوي مشاريع التنمية القطرية باستثناء نظام أو نظامين ، مما يؤكد وهن وضعف الارتباط بشعارات عصر التنوير الوحدوية بصفه خاصة، مما يترك مساحه للانتقائية في تعاطي التاريخ العربي، هذه الانتقائية تخدم بشكل أو بآخر الإستراتيجية الاستعمارية في المنطقة العربية ، مما أسس لمسؤولية مضاعفة تلقى علي أكتاف المثقف العربي ، ودور تاريخي في ظل ظروف أقل ما توصف به بأنها كارثية ..

نزيف الوعي.. ثقوب الذاكرة:
بولوج العالم العربي مرحلة تكوين وحداته السياسية ، لم يستصحب بتاتاً الدور الاستعماري في تقسيم وتوزيع الحدود والشعوب ، وتم إغفال توازي الخطوط الاستعمارية والتي ساهمت في خلق الكيان الصهيوني في نفس توقيت خروجه من المنطقة العربية بعد إكماله صنع لأذياله وأتباعه في المنطقة العربية ..
حيث لا يمكن بديهياً استبعاد إعداده لأنظمة عميلة تسهم في تمديد فترة القطيعة التاريخية بين الجذور التنويرية لمرحلة التحرر وشعاراتها المستوحاة من فترة عصر التنوير العربي ، وبين الأدوار المفترضة لما بعد فترة التحرر ، كما وجذرت لمفهوم الدولة القطرية كنقيض للدولة القومية أو دولة الوحدة المفترضة ..
دوماً وأبداً كان الرهان على وعي الجماهير العربية والتي جعلت نفسها وقوداً للتصدي لكل مشاريع الامبريالية القديمة المباشرة أو غير المباشرة المستترة بدعاوي الديمقراطية وحقوق الإنسان ، فكيف تم تغييب هذا الوعي؟
الهدم بالوكالة:
عملت الأنظمة الحاكمة في المنطقة العربية ، على ممارسة القمع والتركيز على شعارات التنمية الاجتماعية على حساب الحرية السياسية ، كذلك بمحاولات تشويه التاريخ القومي ، وتأويل مفاهيمه وشعاراته وتفسيرها بما يخدم خلود هذه الأنظمة في السلطة من جهة أخرى تم تجيير دور المثقف لصالح دور السياسي . الراهن اليوم يسرد وبدون مواربة حجم الاختراق الذي تعانيه الأمة العربية خصوصاً بعد ثورات الربيع العربي وإعادة سرقته من مساره الثوري، ومدى سيطرته على دوائر وقنوات صنع واتخاذ القرار العربي في الكل الممتد من المحيط الى الخليج، جاعلاً من الحلم العربي في تكوين دولة الوحدة حلماً صعب المنال برغم توفر كل أدوات ومقومات تكوينها ، فما هي هذه المقومات؟ وما هي أدواتنا في اكتشاف تلك المقومات ؟
بالنظر للتعاطي المنهجي في تنظير دولة الوحدة ، لا يمكن إغفال التقارب أو التطابق الذي يقود له المنهج القومي المبني علي معادلة في جوهرها تتماشي والمنطق السليم ( المنطلق – الآلية أو الأداة- الغاية أو الهدف)وتمثل الأساس المفاهيمي لمجمل التنظير . ( ونواصل)