سلسلة أوجاع قومية: الوضعية المأزومة للتيار القومي..

عمرو شعبان
ليس من شك في أن أجمل روائع ( قابريال غارسيا ماركيز) رائعته «مائة عام من العزلة»التي صاغ فيها نهاية من أبلغ النهايات لكل متعالي على الواقع بعناصره البشرية والمعرفية، مصوراً ذلك في صياغة الشهوانية الحيوانية والأسر التاريخي الذي حاصر أخر نسل العقيد القهري (أورليانو) وهكذا كانت النهاية مؤسفة للحالمين بالخلود الأبدي.. فتوقف تواصل الأجيال حتى بالنسبة للاتجاه السياسي أو الأيدلوجي يمثل انقطاعاً للتاريخ ، وبالتالي تجاوز من الواقع له بما يعني الممات ..

تبرير العجز:
لم يكن ماركيز عربياً ولم ينتمي يوماً ما لأحد أطراف معادلة التيار القومي ( البعث والناصري) ولم تخدشه أخبار هتك عرض القدس وانتهاك عذرية بغداد وتدنيس الموساد لكل الأراضي العربية سراً أو جهراً، إلا بما يتوافق وإنسانيته وفطرته السليمة والتي جعلته يرشح (شارون) لجائزة نوبل في القتل في إحدى المرات، وبرغم ذلك استمرت قيادات العمل القومي في تبرير عجزها بشماعة الأنظمة العربية العميلة ، مغيبة نفسها وعضويتها عن المسؤولية التاريخية والأخلاقية الملقاة على عاتقها، وعملت دون وعي (الأدهى والأمر) في تجذير حالة الإحباط بتكسير كل المحاولات والمشاريع النقدية، مركزة في دفوعاتها على مصداقية المراكز القومية السلطوية قبيل انهيار أو استهداف النموذج العراقي والمصري وتصدعات السوري ، ومكرسة لنمذجتها وكأنما ارتباط العراقي أو السوري أو المغربي أو المصري أو… بالقضية العربية أقوي من غيره ان لم يكن أصدق !!!!.
معيدة بذلك الخطأ التاريخي للتجربة الشيوعية ، فلم تتعلم من أخطائها ولم تعتبر، لذا فقد تداعت القيادات القومية وأنكشف عجزها عن مواكبة التطورات والمتغيرات التي أفضت الى ما يعرف بالربيع العربي، وفعل المواكبة هنا المقصود به المواكبة العملية وليست المواكبة النظرية ، التي تصاغ في الخطب والندوات على قلتها ، فما أسهل الأحاديث وما أكثر الذين يجيدونها..
البحث عن إنقاذ:
بالنظر لكل المشاريع التي صاغت وتحدثت عن أزمة التيار القومي والحركة القومية في الوطن العربي والمنطقة (الخليطية)- من الخليج الى المحيط – يكون هناك شبه إجماع حول ضرورة البحث في مشاريع إنقاذ ما يمكن إنقاذه ، وليس بالضرورة من أجل التيار القومي لذاته ، فتكاليف المعركة القادمة بمستوياتها المختلفة اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وثقافياً كفيلة بذلك ، لأنها ستعمل علي لم شمله وتوحيده وتجعل من المواجهة الحتمية الجذر الرئيسي في وحدة أطراف معادلته ، باعتبار المواجهة الأولوية المقدمة على ما عداها من الأولويات، إلا أن ما يجعل الأمر سلبياً، كونها وحدة قائمة علي رد الفعل تزول بزوال المؤثر، أي غير مستنده علي التنظير الفكري والمقومات العملية المتوفرة والمستجدة بعد انهيار تجارب الإسلام السياسي والفراغ الذي خلفه في دول الربيع العربي لصالح الخطاب القومي، ولكن لضرورة تفرضها سرعة المتغيرات الكونية التي تعصف بالعالم الآن، وما تحمله من بذور صراع حضاري قادم لا محالة ، وبالطبع فإن هذه المتغيرات تتفاعل معها عوالم الـ(مادون) أو (الدونية)- العالم الثالث – التي ينتمي لها عالمنا العربي ، ونتيجة لضعف المساهمة أو انعدامها على مستوي أحداث هذه المتغيرات في الحد الأدنى ناهيك عن مضامينها كانت النتيجة الوقوف ذهولاً عند حد الاستهلاك لا الإنتاج ، وغياب دور ملموس علي المستوي الإنساني .
غياب المبادرة:
وما يجعل الأمر يبدو مؤلماً غياب أي بوادر تتيح الحديث عن احتمالية قيام مشاريع أو رؤى إصلاحية في المدى القريب ، وفي الحد الأدنى على المستوي التنظيمي ، برغم الإدراك الواسع والشامل لبنية الأزمة عند الكل العربي .. من ثم يكون لزاماً ومنطقياً البحث وتحديد مسؤولية المعني بصياغة هذه الرؤي، وهل يمكن اعتبار هذه المشاريع الاصلاحيه تصحيحاً تجديدياً ؟ والتعمق قليلاً في مفردات هذه المشاريع عبر أسئلة تحمل مشروعيتها ضمنياً ، مثل ماهي الأدوات التي يمكن استخدامها في إعادة تصحيح المسار القومي ؟ ومن هم المعنيون بتقديم مقترحات التصحيح؟ وماهن المستويات اللائي يمس عصبها التصحيح ومداه؟ ان هذه الأسئلة في ذاتها لا تمثل لكاتب الموضوع أرقاً ، لكن تتمثل أهميتها في أنها تقود منطقياً لسؤال في جوهره يعبر عن عمق الأزمة القومية ، وأجابته تمثل الخروج بنجاح من امتحان بقاء الأمة أو عدم بقائها ، خصوصاً وأن هذا البقاء يتطلب صياغة مشروع قومي محكم جدلي الارتباط بالماضي والمستقبل في ظل مشاريع تم إعدادها تآمريا كالشرق الأوسط الكبير، مما يجعل صياغته تتوقف على الإقرار والاعتراف بالمعوقات والثغرات التي لازمت المشروع القومي الحالي والذي هتك من أصحابه قبل أن يهتك من غيرهم ،كذلك ممارسة النقد الذاتي ليس بفكرة تجميل الذات أو جلدها لكن بفكرة المواكبة واستصحاب متغيرات الواقع ..
كيف نفكر؟:
إذا فقبل الإبحار في إجابة هذه الأسئلة يجب أن نبدأ بطرح سؤال مفتاحي يجعل من بحث إجابات الأسئلة السابقة تعبيراً عن ممارسة ديمقراطية وحراك يدل على الجدل، وهو سؤال كيف نفكر؟ وما هو المنهج الذي يفكر به القوميون؟ بمعني أخر ، هل يمتلك التيار القومي عبر حامله الاجتماعي والتنظيمي منهجاً يفكك به الظواهر ويعالج به الأزمات ويستشرف به المستقبل ؟
ان الاتفاق على أن هناك أزمة منهجية يعاني منها التيار القومي وحركته ، يمثل المدخل المناسب والصحيح في معالجة الأزمة ، لأن هذا الاتفاق يعني تقارب وتكاتف القوميين حول همهم المشترك ، بما يعني رحلات استكشاف كل وجهات النظر ومناقشة كل الآراء، مما يجعل ( الاختلاف قائماً علي التفاهم) ويعبر عن الانفتاح لا الانغلاق الذي يقود لتوسيع الهوة وتبادل الاتهامات مما يجسد مدى الخزي العربي، كذلك يجب أن يحمل هذا الاتفاق في طياته الإقرار بأن الأزمة المنهجية تأخذ ملمحين أو تبرز في شكلين، أولهما: عدم الوصول لنقاط التلاقي المعرفية والتي تمثل إجمالا ، بنية الأنساق الفكرية المكونة للمنهج ،أي غياب عمليات التواصل المعرفي التي تقود للاتفاق أو الاختلاف ، واتخاذ ما يتفق عليه معرفياً كأرضية تعمل في اتجاهين، اتجاه أول يعمق عمليات الحوار والجدل بمزيد من عمليات التواصل المعرفي ، واتجاه ثاني يعمل على بلورة وعي عام يستند علي وحدة زوايا التنظير والرؤيا والتحليل المبنية تلقائياً على وحدوية المنهج.
ثانيهما:الاستناد على التاريخ بما يمثله من وقائع لا كدلالات ، والنظر في التراث العربي بعصور نهضته وغفوته بمعايير عاطفية بحثاً عن مواضع الفخر والاعتزاز أو الخجل والعار ، في ذلك يقول «محمد عابد الجابري»:(المناهج المتجددة تعبر عن حضارة وعقول متجددة ، لذا فأن منهجنا في التعامل مع التراث منهج قياس ، قياس الحاضر علي الماضي وهذا خاطئ ، لأن حضارة وإنسان الحاضر يختلفان عن الماضي ، وعليه فان اتخاذ الماضي نموذجاً مطلقاً نلبسه على الحاضر ونجعله أملاً للمستقبل ، جعلنا نضع الحاضر والمستقبل خارج دائرة التفكير والتحليل العقلي ، لذلك نحن لا نعيش حاضرنا في منهجنا ولا ذاتنا بل ذات غيرنا ، كما أننا لا نقرأ واقعنا قراءة نقدية موضوعية ، بل قدرية لا تاريخية . لا لنسلط الضوء على إشكاليات الحاضر الكبرى ومشاكل العصر لنجعل منها تحديات منهجيه فكرية لنتجاوزها ، بل نكرسها )..- الخطاب العربي المعاصر ..دراسة تحليلية-.
أهمية المنهج:
ان تعاطي المناهج باعتبارها الأداة التي نسعى من خلال جدلها مع الواقع للوصول الى صياغات نظرية تستبطن حلولاً لإشكاليات الواقع وأزمات الحاضر والتوقع بشأن المستقبل ، يعبر عن اختزال لأدوار المناهج ويجسد قصوراً فكرياً ، وإغفالا لجوانب أخري ذات حساسية وأهمية في بلورة الرؤيا العربية لواقعها ، فالمناهج تمثل قنوات تشكيل المعرفة في الوعي الإنساني من خلال التفاعل مع وبالظواهر المحيطة به ( أي الوعي) من خلال أبعادها المرتبطة بها . فبعدها الذاتي يتمثل في إثبات قدرتها في البحث والكشف عن الحقيقة في واقعه المستوحاة منه ، ويعبر بعدها الموضوعي عن قدرتها الاسهامية المباشرة في تكوين شخصية وثقافة ووعي الأمة .
بمعني أخر يمكن القول أن المناهج متعددة الوظائف فالبعد الذاتي يمثل الوظيفة المعرفية التي تعمل علي دراسة الواقع وتفسيره وحل مشاكله وتكوين الذهنية الجدلية وخلق العقلية النقدية المساهمة في عملية النقد المعرفي ، بما يعمل علي مراجعة المعرفة ومن ثم تجديدها ومواكبتها ، يسهم ذلك بشكل مباشر في صياغة التفاعل الجدلي بين فلسفة المعرفة ( الميثودولوجيا) وفلسفة المجتمع أي التفاعل بين الواقع والمعرفة بما ينتج عنه توظيف المعرفة لخدمة المجتمع .. أما البعد الموضوعي فيمثل الوظيفة الأيدلوجية ، والتي لا تهتم فقط بتغطية الجانب السياسي المرتبط بالمنهج ، ولكنها تتجاوز ذلك لانجاز فعل التأصيل التراثي أي إحداث عملية الاتصال الجدلي بين التراث والحاضر ، واستنتاج القيم التي تسكنه بما يعمل علي تأصيله عبر وعينا ( الواعي) بقيمه من خلال توظيف المعرفة لتحقيق القيم الأيدلوجية للمجتمع .
عموماً كلا البعدين أو الجانبين أو الوظيفتين تعبران عن فلسفتين ، فالوظيفة المعرفية للمناهج تعبر عن الفلسفة المعرفية ( الميثودولوجيا) والوظيفة الأيدلوجية تمثل فلسفة المجتمع أو الفلسفة الاجتماعية ، وكلاهما يمثلان العناصر الأساسية لفلسفة العلوم الاجتماعية.
وتتمثل أزمة المناهج في إبطاء وتعطيل عملية التفاعل الجدلي والنقدي بين الفلسفتين ، ومن ثم العجز عن تطوير المرجعية المعرفية والبقاء في أسر الماضي والذي يعبر عنه بالتراث والذي يمثل بشكل نسبي أحد أهم روافد هذه المرجعية المعرفية ….