سلسلة أوجاع قومية: اختلال المنهج القومي.. إجهاض الثورية

عمرو شعبان
أن اختيار التغيير في الواقع العربي لا يتأتى بالمزاج أو بأحلام اليقظة إنما تفرضه الشروط الموضوعية والتاريخية التي تمر بالمنطقة العربية، والتي أفرزت في سياق جدلها ذاك ما يعرف بالربيع العربي الذي لم يجن صناعه حصاده، وذلك بحسب الوقائع الماثلة ينطلق من غياب التنظير قبيل الحركة والتغيير والثورة ، الأمر الذي يفرض بحث العلاقة بين المنهج والثورة.

التعاطي مدخل:
ان تعاطي المناهج باعتبارها الأداة التي نسعى من خلال جدلها مع الواقع للوصول الى صياغات نظرية تستبطن حلولاً لإشكاليات الواقع وأزمات الحاضر والتوقع بشأن المستقبل ، يعبر عن اختزال لأدوار المناهج ويجسد قصوراً فكرياً ، وإغفالا لجوانب أخري ذات حساسية وأهمية في بلورة الرؤية العربية لواقعها، فالمناهج تمثل قنوات تشكيل المعرفة في الوعي الإنساني من خلال التفاعل مع وبالظواهر المحيطة به ( أي الوعي) من خلال أبعادها المرتبطة بها. فالبعد الذاتي للمناهج يتمثل في إثبات قدرتها على البحث والكشف عن الحقيقة في واقعه المستوحاة منه ، ويعبر بعدها الموضوعي عن قدرتها الاسهامية المباشرة في تكوين شخصية وثقافة ووعي الأمة .
بمعني أخر يمكن القول أن المناهج متعددة الوظائف فالبعد الذاتي يمثل الوظيفة المعرفية التي تعمل علي دراسة الواقع وتفسيره وحل مشاكله وتكوين الذهنية الجدلية وخلق العقلية النقدية المساهمة في عملية النقد المعرفي ، بما يعمل علي مراجعة المعرفة ومن ثم تجديدها ومواكبتها ، يسهم ذلك بشكل مباشر في صياغة التفاعل الجدلي بين فلسفة المعرفة ( الميثودولوجيا) وفلسفة المجتمع أي التفاعل بين الواقع والمعرفة بما ينتج عنه توظيف المعرفة لخدمة المجتمع .. أما البعد الموضوعي فيمثل الوظيفة الأيدلوجية ، والتي لا تهتم فقط بتغطية الجانب السياسي المرتبط بالمنهج ، ولكنها تتجاوز ذلك لانجاز فعل التأصيل التراثي أي إحداث عملية الاتصال الجدلي بين التراث والحاضر ، واستنتاج القيم التي تسكنه بما يعمل علي تأصيله عبر وعينا ( الواعي) بقيمه من خلال توظيف المعرفة لتحقيق القيم الايدولوجية للمجتمع .
عموماً كلا البعدين أو الجانبين أو الوظيفتين تعبران عن فلسفتين ، فالوظيفة المعرفية للمناهج تعبر عن الفلسفة المعرفية (الميثودولوجيا) والوظيفة الأيدلوجية تمثل فلسفة المجتمع أو الفلسفة الاجتماعية ، وكلاهما يمثلان العناصر الأساسية لفلسفة العلوم الاجتماعية.
وتتمثل أزمة المناهج في إبطاء وتعطيل عملية التفاعل الجدلي والنقدي بين الفلسفتين ، ومن ثم العجز عن تطوير المرجعية المعرفية والبقاء في أسر الماضي والذي يعبر عنه بالتراث والذي يمثل بشكل نسبي أحد أهم روافد هذه المرجعية المعرفية، وكذلك ينعكس في التنظير لفعل الثورة..
الثورة..رؤية جديدة:
باستصحاب تعريف محدث للثورة باعتبارها تعبر عن أزمة ذات طبيعة تراكمية فاقت حد استيعاب وعي الحاضر لها بما أسهم في حدوث الانفجار المؤدي للتغير في كل المستويات وبالأخص المستوي الاجتماعي وهو المستوى المستهدف، يكون غياب القدرة على أحداث ثورات اجتماعية تمس المسلمات والبنى الفوقية المعبر عنها ايدولوجيا والقيم النظرية المرتبطة بها وبمناهجها العقلية بحيث تخضع للمراجعة العلمية، يكون ذلك تعبيراً عن باب مفتوح علي مصراعيه ومجال أوسع للحديث بمشروعية عن معوقات معرفية (أبستمولوجية) تعبر هي الأخرى عن عجز في الترابط والتناغم والاتساق بين المنهج والواقع وبين النظرية والتطبيق .
عليه يكون الفعل الخارج من بنية الأزمة العربية الكلية (كمحيط) ومخاطباً مفرداتها برغم تعقيد الأزمة نفسها، هو فعل إبداعي، ويبرز كقدرة على انجاز نظريات حلول من مقومات الحد الأدنى، وذلك لا يتولد إلا في مناخ ذو شروط خاصة على رأسها التوازن بين الحالة الثقافية والمجتمع أو الحالة الاجتماعية، وهو ما لا ينطبق على الواقع العربي والقومي اليوم نتيجة لحالة التخلف الثقافي التي تخيم عليه، مما يترتب عليه غياب للوعي القومي..
أن غياب شرط المناخ المشار إليه والملائم، يقود الى أن تكون كل البرامج المنتجة باطلة حتى إشعار أخر، ولا تمثل المشروع القومي أو القضية العربية، بل هي برامج وأطروحات تخدم فقط أجندات ترتيب الدولة القطرية وتجذيرها ، ولا تعمل وفقاً للمنطق الثوري القائم علي التغيير الجذري بل في إطار إصلاحي، مما يؤكد أطروحة إجهاض ثورية المنهج القومي المستوحى منه من خلاله كل المشاريع الفكرية والثقافية والسياسية والاقتصادية والمنعكسة اجتماعياً.
من المعني بصياغة الرؤي والمشاريع التصحيحية؟:
عندما يكون الحديث عن مشاريع ورؤى تنظر في الوضعية المأزومة للأمة العربية وواقع مجتمعاتها ذات الوعي القومي المتدني، فبالتأكيد يكون ذلك حديثاً مرتبطاً بمصير أمه، لذا فان من تقع عليه مسؤولية إخراج هذه المشاريع وطرحها كـأطواق إنقاذ لابد أن يكون بهامة هذه الأمة، وبما أن الحديث استعرض الواقع الثقافي المتدني الذي ساهم بشكل مباشر في بلورة مشهد غياب الوعي القومي ، فان المعنيين بالمهمة القومية التاريخية ، هم المتواجدين نظرياً والغائبين عملياً بانعكاس ذلك التدني وذاك الغياب ، مما يخلق عوزاً تجاه الفرد المثقف والواعي بضرورات المرحلة التاريخية للأمة العربية وتيارها القومي وحركتها القومية ، وبلغة الصوفية ( انتظار المخلص أو المهدي المنتظر) وهو ما يتعارض والتفكير الجدلي «فساطع الحصري والكواكبي ، وعصمت سيف الدولة ، وخيري حماد وعفلق وغيرهم…» ذهبوا وقد أوفوا ما عليهم تبعتهم النماذج السلطوية التجريبية في مصر والعراق وسوريا ، بما لازمها من تحديات وإخفاقات ونجاحات ومراهنات، لتعبر عن تجربتهم في حدود وعيهم القومي وجدلية القضية في مفاهيم وتصورات كل منهم، فذهبوا أيضاً مفسحين المجال لمزيد من النضال، مورثين تركة مثقلة بالهم القومي وبالمعارك، رحلوا كاشفين عن نظام عربي هزيل، ومثقف عربي أعيته الحيلة ، كانوا يسترون عوراته وعيوبه ويملؤن الفراغ الذي أحدثه غياب الوعي بالقضية القومية وأبعادها ، مما يؤكد ( بغض النظر عن النقد التقييمي لهذه التجارب)وعي كل منهم بالقضية وأبعادها بداخله ، فهل مثل المثقف القومي اليوم نموذجاً يمكن الاحتذاء به ؟ بشكل عام كل ذلك يفتح الباب من جديد للاجتهاد على مستوى المشروع القومي ، ويخلق جنوحاً نحو التفكير المشترك للخروج من ورطة انتظار المعجزات والذي لا يتأتي إلا بالجلوس المشترك للمثقفين العرب القوميين ، لتعويض غياب الواعي العربي المدرك لأبعاد قضيته العربية ، ولتغطية الجوانب المختلفة للقضية العربية، فقد ولى زمن المثقف الشامل الذي يلملم كل أطراف القضية في يديه نتيجة لمناخ الأزمة السابق الإشارة له، عليه يكون المشهد المفترض وجوده هو جلوس أطراف المعادلة القومية وصيغ التيار القومي التنظيمية بفعل الهم القومي المشترك والمخاطر والمهددات المعروفة لديهم، مما يعني أن بروز أي مشهد أخر بخلاف الجلوس والتفاكر والتفكر، يجعل من المنطقي تمدد عمليات الاختراق في جسد أطراف المعادلة القومية، وتعبيراً عن عمالة للمثقفين القوميين وتواطؤ مع سبق الإصرار والترصد مع حالة التماهي العربي في الآخر، ودعم توجهات استلابه للمجتمع العربي.. عليه يكون المعنيون بممارسة الدور التاريخي في صياغة مشاريع إصلاحية في بنية التيار القومي ومشروعه القومي التحرري النهضوي، هو المثقف العربي الملتزم حزبياً والغير ملتزم، وخصوصاً الغير منتسب أو ملتزم حزبياً، حيث أكدت هذه الفترة من تاريخ الأمة على الدور الايجابي للمثقفين العرب من أمثال محمد عابد الجابري، والأنصاري، وخير الدين حسيب، وكثيرون ممن لم تستحضرهم الذاكرة .
هل يمكن اعتبار هذه المشاريع تجديداً؟:
يعبر التجديد عن ضرورة حياتية بمنطق الاستمرارية والتطور ، بمعني توفر ميكانيزمات انجاز فعل التجديد في بنية الأصل ، وفي رأي معظم الكتاب والمهتمين بموضوع التجديد هناك شبه إجماع هو استصحاب متغيرات الواقع السياسي والاجتماعي والذي يخاطبه الفكر ، ومحاولة تطوير هذا الفكر لتمكينه من استيعاب هذه المتغيرات ودمجها في منظومته ، وبذلك يمتلك هذا الفكر مشروعية مخاطبة واقعه بمتغيراته المتجددة ، بحيث لا يكون الخطاب الفكري والسياسي معزولاً عن محيطه الاجتماعي وتطوراته الواقعية ، وبدون ذلك سيتحول الى فكر حالم بعيد عن الواقع ، أي سيتحول الى فكر مثالي ، وبالعامل التاريخي(الزمني) الى فكر سلفي لا علاقة له بحقائق الواقع ومنهج العلم الموضوعي ، ومن حيث المصطلح فان التجديد هو توسيع حرفية النص لاستيعاب ومخاطبة متغيرات الواقع في فترة تاريخية محددة .
من ثم فهو ضرورة فكرية وعملية ، ويتم ذلك من خلال تطوير أدوات مناهج التحليل لمواكبة تطورات العلم والمعرفة الجارية في العالم .من ثم يمكن اعتبار المشاريع المقترحة تجديداً ، حال توفر العديد من الشروط أهمها ألا يتجاوز هذا المشروع واقعه فيأتي غير مستصحب لحقائق ومسلمات وقيم مجتمع واقعه ، كما لا يكون معزولاً عن الجماهير من خلال حامليه لأن ذلك يحكم عليه بالذهاب الى غرف التاريخ الخلفية .وأن يعبر هذا المشروع عن مراجعة شاملة لكل مستويات التنظير الفكرية والسياسية والتنظيمية والاجتماعية والثقافية..