المناحة.. المدلول الإنطباعي لملامح الحزن والفجيعة

الراحة يوم المناحة، بهذه العبارة تبيّت النساء النية ويرجئنها إلى حين في إشارة واضحة إلى ضرورة استدعاء المناحة لتشكل حضوراً استثنائياً في حال وقوع الحدث أو الازمة، ويرون أن بها أبلغ صور للرثاء والعزاء
يعتبر السودان من اكبر الاقطار في القارة الإفريقية، هذه المساحة الجغرافية الكبيرة والموقع الاستراتيجي في قلب القارة الافريقية ميز بلادي عن بقية الدول الأخرى و التي تقع فى القارة الافريقية وذلك بتنوعه الثقافي والمتباين ما بين كل إقليم وإقليم آخر والذي نتجت منه الثقافة السودانية المميزة وتشكلت منه ثقافة الوسط.
سكان السودان عبارة عن مجموعات عرقية وقبلية ومدنية نتجت عن التمازج والانصهار فيما بينها بينما نجد بعض المجموعات العرقية لازالت منحصرة ومنغلقة في مناطقها ، لكل مجموعة من تلك المجموعات عاداتها وتقاليدها وثقافتها الخاصة بها، هذه الخاصية الثقافية المتعددة تلاقحت وانصهرت فيما بينها ونتجت عنها الثقافة السودانية المتنوعة والتي تاج انصهار وتلاقي تلك الثقافات تمخضت منها لونيات عدة من الغناء كالدوباي والشاشاي والنمة وأغاني الطمبور فضلاً عن المناحة.
تعريف المناحة
وإذا ما جئنا أن نعرف المناحة أو أدب المناحة يمكننا القول بأنها جزء أصيل من الثقافة الأدبية السودانية .. ربما تعكس كلمة مناحاة صورة صعبة أو موحشة إلا أن أغاني المناحة بها مفردات موغلة في الحب الحقيقي ومنتهى الوفاء واسمى آيات العرفان، على الرغم من أنها لا تنتمي إلى لونية الغناء إلا أنها تعتبر بمثابة موال شعري يحمل معاني أدبية عميقة.
والمناحة من النواح والنواح في اللغة هو البكاء الشديد على الموتى وعادة ما يكون النواح مصحوباً بعبارات تعدد مآثر الفقيد أو ترثي حال من يبكيه، ولعله مشهور جداً عندنا في السودان وله مسميات شعبية كثيرة ومعروفة مثلا العويل والسكليب وغيرها ..
والسودانيون معروفون بالوفاء للأموات وتعديد مآثرهم وبكاءهم بحرقة شديدة تنم عن حب لهولاء الموتى فتجد اكثر النساء السودانيات يسكبن بكاءهن شعراً وهن يرثين عزيز لديهن..
تطور هذا الامر إلى أن أصبح أدب يسمى أدب المناحة في الشعر وله أهله والعارفين به، وشعر المناحات مرادف لشعر الحقيبة والمديح وضرب النحاس وصفحات تاريخنا العريض توضح الإرث الضخم الذي يؤكد تصدر شعر المناحة لفنون كثيرة .. والمناحات تحولت من عويل في سراديق الحزن وأصبحت أغنيات في مكتبة الغناء السوداني..
المناحة هي التعبير عما يحس به الراوي من حزن تجاه الفقيد، إذ كان النواح معروفاً عند العرب في الجاهلية والإسلام ويقال إن بعض المغنيين كانوا فى صدر ضروب نائحين كابن سريج والغريض، والنواح هو غرض له أهميته في المآثر الشعبية إذ أنه سجل لحياة الأموات فهو يصف الفضائل الحميدة كالكرم والشجاعة والمروءة وبالتالي له أثره في المجال الخلقي والتربوي لأنه يرفع من الروح المعنوية والراوي كأنما يخض غيره على التمسك بالفضائل التي يرددها في مصابة الأليم ..
ومن أشهر الفنانين الذين تغنوا بهذا النوع من المناحة الفنان محمد الامين، علي إبراهيم اللحو، عبدالكريم الكابلي ونخبة من عمالقة الفن السوداني.
ومن أشهر المناحات في السودان مناحة :غرارة العبوس للشاعر الشيخ دفع الله ود فريجون..
مناحة في رجل قامة في العلم والتصوف ذلكم هو العارف بالله الشيخ عبد الباقي بن الشيخ حمد النيل (أزرق طيبة) رجل الدين والخلاوي المشهور والذي أسس مجتمع ديني في قرية طيبة بمنطقة وسط الجزيرة أصبحت منارة يقصدها القاصي والداني إلى يومنا هذا، وزاع صيت الشيخ عبد الباقي في ربوع كل السودان وأصبح المريدون يتقاطرون عليه من كل صوب وحدب وإليكم مفردات هذه المناحة :
غرار العبوس دار الكمال ونقاص
دوبة حليل أبوي اللي العلوم دراس
تبكيك الجوامع الانبنت ضانقيل
لقراية العلم وكلمة التهليل
بتصادم المغارة خيولاً بجن باليل
يا ود ليل البحور يا الجدك المانجيل
دوبة حليل أبوي اللي العلوم دراس
في يوم الخميس جانا الخبر وانشاع
في الأربع قبل أزرق طويل الباع
تبكيك الخلوق بي اغزر الدماع
دوبة حليل أبوي اللي العلوم دراس
غرار العبوس دار الكمال ونقاص
دوبة حليل أبوي اللي العلوم دراس
ولك أن ترى جمال الكلمات والحزن العفيف والأدب المناحي الجميل من هولاء المتصوفين وهم يرثون أعلامهم، هذه المناحة رسخت وخلدت في دفتر الذكرى يحفظها الكثيرون لانها في رثاء علم من أعلام رجالات العلم والدين في هذا البلد الحبيب فكانت مناحة يبكي لها كل من يستمع لها أداءً من العملاق محمد الأمين.
وكما هو معلوم فإن النواح أو الرثاء يحمل فى مدلوله الإنطباعي ملامح الحزن الموجب للفجيعة والإنكسار، ولكن هذا لا يمنع أن تغلب عليه معاني الشجاعة والحكمة والتحدي والمديح المتعدد الجوانب والمرامي ولا غرو إذ أن المخاطب في تلك المناسبات وأشباهها هم الأحياء وليست بالضرورة من توفاهم الله المتوفى في رسالة واضحة المعاني تتلخص في أن إنكاركم لذواتكم أثناء حياتكم وما قدمتم من خير الأعمال لن يقدر الموت على طمسه أو سلبه منهم.
وهذه المناحة قالتها بنونة بت ابنة المك نمر رأس قبيلة الجعليين بمنطقة شندي والمتمة وهو صاحب التاريخ المعروف مع إسماعيل بن محمد علي باشا، قالتها في أخيها عمارة الذي توفاه الله على فراش المرض وهي ميتة سهلة ما كانت تريدها لأخيها وهو الفارس المغوار، كانت تتمنى لو أنه مات فى ساحة الوغى وتوشح بدمائه.
إنها تنفي عن الممدوح أن يكون مثل ذلك النبات الرخو – الفافنوس- الذي ينمو على ضفاف النيل ويسهل قطعه وربما كانت الكلمة نوبية قديمة شأنها شأن أكثرية المسميات المتصلة بالنيل، ثم نفت عنه كذلك أن يكون كالقنايه أو القصبة الجوفاء التي يسهل كسرها ثم أثبتت أنه ابن المك بلا نقصان وأنه عريس خيل وهو تعبير متعامل به بين العرب فى جزيرتهم وأحياناً يقولون إنه أخو خيل كناية عن الفروسية، يقول الشاعر المعروف أحمد بك شوقي في رثائه للثائر عمر المختار بطل البداوة لم يكن يغزو على تنك ولم يكن يركب الأجواء – لكن أخو خيل حمى صهواتها فأدار من أعرافها الهيجاء، وعركوس كلمة عربية فصيحة تفسرها المعاجم بالكثرة والتجمع، وعركست الخيل أي تجمعت، وتواصل بنونة رسم صورها الرائعة فتبدي أسفها على تلك الميتة السهلة التي يكون فيها البكاء والعويل ويضعن فيها النسوة الرماد على رؤوسهن وهو التفسير الذي أرجحه على سواه، وفي آخر مرثيتها تشبه الممدوح بجرعة السم المركز وأنه الستر لكل فتيات قبيلة الجعليين وهي القبيلة التي اشتهرت بالعزة والفروسية والتصدي للظلم والضيم .
فجاءت مناحة ماهو الفافنوس لبنونة بت المك نمر كما يلي:
ماهو الفافنوس ماهو الغليد البوص
ود المك عريس خيلاً بجن عركوس
أحيّ على سيفه البحد الروس
ما دايرالك الميته أم رماداً شح
دايراك يوم لقى بدميك تتوشّح
الميت مسولب والعجاج يكتح
أحيّ على سيفه البسوي التح
إن وردن بجيك في أول الواردات
مرنا مو نشيط إن قبّلن شاردات
أسد بيشه المكرمد قمزاته متطابقات
وبرضع في ضرايع العنّز الفاردات
كوفيتك الخودة أم عصا بولاد
ودرعك في أم لهيب زي الشمس وقّاد
وسيفك من سقايته استعجب الحدّاد
وقارحك غير شكال ما بقربه الشدّاد
يا جرعة عقود السم
يا مقنع بنات جعل العزاز من جم
الخيل عركسن ما قال عدادهن كم
فرتاق حافلن ملاي سروجهن دم

المناحة .. تترتجل من هول الصدمة
المناحة هي ضرب من ضروب الفن أو صورة من صور الرثاء والمديح في ذكر المحاسن والمناقب لها نغمة معينة عند التغني بها .. نغمة ممزوجة بالحزن العميق والشعور بالحسرة على الفقد الجلل ، وهي أي المناحه – تترتجل من هول الصدمة .. ومن أشهر المناحات في السودان مناحة الوٍليد الضيف غرقتنو كيف؟
هي قصة حقيقية حدثت في ثمانينات القرن الماضي وتعود تفاصيلها إلى علاقة صداقة وزمالة في العمل نشأت بين شابين إحداهما من ابناء الخرطوم والآخر) من ابناء محافظة شندي ونشأت بينهما علاقة صداقة حميمة امتدت إلى أن أصبحت علاقة متينة تجمع أسرتيهما وبدأوا يتبادلون الزيارات، وتمضي بهم الحياة الى أن قرر تكملة ابن العاصمة نصف دينه قرر فيها ابن الشمالية إقامة حفل حناء بقريتهم بمنطقة شندي حسب طلب الأسرة ليحتفلوا به هناك على طريقتهم ويظهروا له مدى حبهم له وتقديره بمشاركته افراحه ، قبل العريس الدعوة بفرح وسرور شديد، وسافر الصديقان إلى شندي في نفس اليوم المقرر فيه إجراء مراسم الحنة وصلوا ظهراً تناولوا وجبة الغداء وحضرت نساء القرية وبمعيتهن كل لوازم طقوس الحناء وجرت العادة إنه وعندما تبدأ مراسم الحناء لاي عريس أن يأخذوه إلى نهر النيل ليغتسل قبل وضع الحناء وتسمى هذه الطقوس بـ(القيدومة) وهذا ما كان..
نزل العريس ليغتسل ويلهو مع الاصدقاء، ولكن المفاجأة أنه غاص في النيل غرقاً وسط ذهول الحاضرين الذين سارعوا لإنقاذه ولكن دون جدوى ليغيب جسده الطاهر بين أمواج البحر الهادر تسبقه دموع النساء والرجال و في مقدمتهم صديقه الذي حاول أن يلقي بنفسه خلفه محاولاً الانتحار لولا أن أنقذه بعض الحاضرين في مشهد رهيب ومهيب، الحزن غطى الضفاف وانتشر الخبر ليعُم ارجاء المكان ويصل إلى والدة صديق الغريق المريضة من داء الرطوبة وآلام المفاصل وحينما سمعت الخبر بأن الوليد الضيف غرق في البحر أصبحت تنوح بكلمات أضحت واحدة من اعمق المناحات السودانية في العصر الحديث تغنى بها فنان شندي المرهف مصطفى مضوي فكانت مناحة(الوليد الضيف غرقتنو كيف) تلوم فيها الأم شقيقاتها ونساء القرية وتصفهن بأنهن من اغرقن الضيف في البحر بعامل الاهمال فانشدت تقول :
الوليد الضيف غرقتنو كيف
جيبو لي هدوم الراقدة فوق القيف
خلني النمنح بالقرع والسيف
واا سواد أمو الاهلو في الجريف
حليلك يا زمن هناي
حليلك يا زمن غناي
وقت بقول أنت لي براي
وقع القدر خلى لي بُكاي
حليلك يا هدية
وحليلك يا الرضية
أبكن يا بنات وقولن أوب واحيا
وا سواد أمو الحنتو العشية
جن بنات خلاتك من صغار وكبار
حزنانات عليك مليانات غبار
طول الليل ينوحن لمن جاء النهار
ناس الحلة جوا
والديوان ملوا
مشوا للبحر قالوا ما لقوا
وااااا سواد أمو الليلة وين ودوا ..
مناحة حزينة ترثي هذا الشاب الراحل أصبحت خالدة في وجدان الشعب السوداني لانه تحكي الواقع وترثي الفقيد في كلمات جميلة ومُعبرة .

يوم شكرك إن شاء الله ما يجي
يبدو أن الفنان مصطفى مضوي وجد نفسه في دوزنة أغنيات المناحة .. ربما لصوته الذي يشوبه الحنان والذي يجسد مآلات الحدث على حسب ما يقتضيه الحال فأغنية مسكين أنا مرثية فقد فيها الشاب (الشاعر) حبيبته حيث غيبها الموت وكان قاب قوسين أو أدنى للزواج بها بل شرع في تجهيزات الزواج ولكن يد القدر كانت أسرع فكانت هذه المناحاة المؤلمة المحرقة، والتي عدد فيها مآلات عمق العلاقه وصدق المشاعر بين المحبين والتي نظمت بعنوان مسكين أنا
يا حليلو مشوار السنين
حليلة قصة حبنا
مسكين أنا
ما جني أخوات التقيل مسكن لإيدي وحنن
وما بشروا الشبان على وسط البنات البرقصن
ما جن بنات حلتنا ماسون دلال ما سرحن
وما جلسن جداتي في آخر الصفوف واتبلمن
ما جوكي أنتي باركوا ليك ولي خدودك يقبلن
وما قالوا لي أنا بيت عيال مبروك عليك ودعن
لوحة جمال فنان بديع يتأمله
احتار وقف قال الصلاة
ريحة دعاش زمن الرشاش عم البنادر والخلا
ما سيد بلد ما روعة جد
ما تقولوا قل هو الله أحد
والنازعات والبسملة
من كل بلى تحميها بس تحصنها
حليلو مشوار السنين
حليلو يا ناس حبنا
غيمة سواد تعلن حداد
ظلت سمانا وأرضنا
طوفان جراد وقت الحصاد
أفنى وأباد محصول سنة
قلبي أنجرح بعد الفرح
ونزيف غزير من دمنا
دي الدنيا ما بترحم صغير
والدنيا ما بتعرف جنا