الملتحون في مواجهة مصر.. الجيـش ســـيـــــد المــوقـــف

عمرو شعبان
خطوات هى الأثقل على أقدام الإسلاميين المصريين منذ 63 عاماً حين جاء عبد الناصر ذات يوليو مخضباً بأحلام الفقراء الى القصر المنيف ، داعياً الجميع للتوقيع على دفتر الوحدة الوطنية المصرية والاعتراف بسلطة الدولة/الثورة، وهى تؤسس لمصر جمهوريتها التي تسع الجميع .. خطوات هى الأثقل مقارنة بثقل خطواتهم يوم دعاهم عبد الناصر لتسليم البنادق، إقرارا بحق الدولة باحتكار العنف والسلاح ، يومها تباطأت خطوات الإخوان ظناً بأن تسليم سلاح الجماعة يعنى توقيع (شيك على بياض) للناصرية، وإلقاء تاريخ الجماعة ومشاركتهم في حرب فلسطين داخل صناديق الجيش ومخازنه، ما فجر الصراع مبكراً مع الثورة الوليدة، وأسس لمظالم تاريخية ظلت تتحدث عنها الجماعة مسجلة إياه ضمن رصيدها، الذي فعلته عقب ثلاثين عاماً من حكم مبارك..

مخاوف استباقية:
مخاوف عديدة حاصرت قاهرة المعز، حملها المراقبون يوم هبت 30 يونيو المصرية ساعية لتصحيح مسار الثورة التي انطلقت في 25 يناير، مخاوف بدت متشائمة من ردة الفعل عقب خروج الملتحين من دواوين الدولة المصرية ، قياساً على تجارب الإسلاميين في العديد من مناطق العالم بدءاً بالتجربة الإسلامية في إيران مروراً بالحقبة الطالبانية في أفغانستان مروراً بالسيناريو السوداني وقوفاً عنده باعتباره النموذج الأكثر بروزاً لتجربة الإسلاميين في الحكم..
مخاوف لخصها العديدون في أن مصر دولة مدنية حديثة ومنفتحة لا تحتمل انغلاق الإسلاميين ولا تعنتهم المعروف قبل إن يقول الصندوق قوله ذات يوم ويمنحهم شرف إدارة الدولة العريقة في سياق فعل ديمقراطي رشيد جاء بالدكتور محمد مرسي رئيساً منتخباً لا ينكر توصيفه الشرعي إلا مكابر، يومها وصف لي د.أيمن نور رئيس حزب الغد تلك المخاوف بالـ(مشروعة)معتبراً النتائج غير متوقعة وقال لي في وقت سابق (الاختيارات التي برزت لم تكن هى الأفضل ، لكن هذه هى الديمقراطية التي يجب احترامها واحترام قواعدها) واقر نور بوجود مخاوف من تكرار تجارب الإسلاميين في العديد من المناطق بمصر ، غير أنه راهن على تقديرات المصلحة الوطنية العليا ، وما تشكله من قوة دفع لتجاوز الأزمات، وقال(بالقطع هناك مخاوف ، وهى مخاوف مشروعة ، لكن في النهاية مصر قادرة تجاوز هذه المخاوف في ظل مصلحة وطنية كبرى ، تعبر بها من ضفة الأزمات الى ضفة الاستقرار ، عبر التداول السلمي للسلطة).
مزيفة وغير مزورة:
قدوم مرسي على ظهر صناديق الانتخابات المصرية ونتائجها أعادت للأذهان أسطورة (زيوس)اله الرعد لدى الإغريق وهو يشاهد زوجته (هيرا) تحشد الآلهة على سفوح جبال الاولمب لغزو طروادة، رغماً عن معاقبته لها، معلقةً بقيد ذهبي بين السماء والأرض بسبب غيرتها الشديدة.. فمصر الحديثة ذات الوعي المتراكم بالحكم المدني ، كان نتاج ثورتها التي هزت العالم ومكافأتها، قدوم أخر الاحتمالات الى مقدمة الخيارات، فكانت دهشة د. أيمن نور من نتائج الجولة الأولى، وألجمت أفواه الكثير من المفكرين والنخب المصرية الذين هاتفتهم وهم يقفون على أطلال ميدان التحرير، متكئين على بعض الاحتمالات في القاهرة والجيزة، علها تقلب الموازين وهو الأمر الذي لم يحدث آنذاك..
وبرغم أن الانتخابات المصرية جاءت مبرئة من العيوب إلا أن العيب الأكبر الذي يغفله أنصار الرئيس مرسي تمثل في الأجواء التي جرت فيها الانتخابات نفسها، فمن حيث الاستعداد كان الإخوان في مصر أكثر القوى السياسية تماسكاً واستعداداً لخوض المعركة الانتخابية بحكم القبضة الأمنية لمبارك عليهم واستهدافهم طيلة فترة حكمه وربما قبل ذلك، الأمر الذي جعلهم أي الإخوان مهيئين تماماً لخوض المعركة الانتخابية واللعبة الديمقراطية بجدارة منقطعة النظير، في المقابل كانت القوى السياسية والحزبية المصرية الأخرى خارج دائرة الفعل والفاعلية بسبب حالة عدم الوضوح الذي انتهجها نظام مبارك معها، ما أرخى قبضتها التنظيمية على مفاصلها وكلسها وجمدها بالإضافة للاستخفاف بها وبفعلها السياسي من نقبل النظام الحاكم للرئيس مبارك، ما أتاح للإسلاميين حينها تحريك تحالفات ميدان التحرير في الاتجاه الذي يخططون وهو إجبار المجلس العسكري على عدم تمديد الفترة الانتقالية وإعلان الانتخابات، وطبقاً لراصدي تلك الفترة فإن الإسلاميين كانوا يدركون جيداً أن استمرار الفترة الانتقالية كان يعني تراجع (المود) العاطفي للثوار والنظر للساحة السياسية المصرية بشئ من المنطق والموضوعية، ما ينعكس بالتأكيد على الانتخابات ما يجعل القصر الرئاسي ابعد ما يكون عنهم، لذا حرصوا على تعبئة التحالفات الثورية في اتجاه قيام الانتخابات قبل إن يستوعب الشارع المصري ما حدث.. بالتالي فإن الجو العام نفقسه كان لصالح الإسلاميين وبالضد م القوى الأخرى المنافسة، لتكون المحصلة شرعية انتخابية مستمدة من رد الفعل المضاد لنظام مبارك ورموزه لا لبرنامج الإسلاميين وحزبهم، ما يجعها انتخابات مفرغة من مضمونها، وينقل ساطع محمد الحاج الأمين السياسي للحزب الوحدوي الديمقراطي الناصري المشهد لي، بأن الصورة في مصر معقدة ، ويزيد من تعقيدها والحيرة حولها طبقاً لساطع، أن يكون ثاني المقتربين من الفوز هو أحمد شفيق الذي وصفه بأحد رموز الفساد في ظل نظام مبارك مؤكداً أن النسبة التي أحرزها تشير لوجود تناقض غريب وقال لي (الموقف يحتاج لدراسة عميقة ، خصوصاً إذا تم استصحاب نسبة شفيق التي أحرزها ، وهل يعبر ذلك عن تصويت المصريين لشفيق نكاية في الإسلاميين ، أم أن التركيبة التي خلقها النظام السابق على المستوى القاعدي على مدى ثلاثين عاماً هى التي أسهمت في ذلك) وأضاف(النتيجة صادمة للجميع خصوصاً لمن يحرص على عملية التحول الديمقراطي).

إفرازات في المجتمع:
د.نبيل عبد الفتاح المتخصص في شئون الجماعات الإسلامية، مدير مركز تاريخ الأهرام ورئيس تقرير الحالة الدينية بمصر قال لي آنذاك، بأنهم أمام استقطاب حاد في المجتمع المصري ، فريق يرى أن الدولة التي يقودها الإخوان من الرئاسة الى البرلمان والقوى الإسلامية يمكن أن لها أن تنهض ، في ذات الوقت ثمة مخاطر محدقة بالدولة المصرية من تحولها الى دولة دينية ، وتأثير ذلك على نمط الدولة الحديثة منذ محمد على باشا) وأضاف(اختيار رئيس من الجماعة أو الإخوان المسلمين أمر يختلف تماماً عن اختيار أعضائها للبرلمان، خصوصاً وأن النظام الرئاسي محوري ولعب دوراً مركزياً في تأسيس الدولة المصرية منذ 23 يوليو 1952م).. ولخص نبيل رؤية الفريق الأخير الذي يضم القوى الليبرالية والقومية وشبه العلمانية والطبقة الوسطى في أجهزة الدولة العميقة والأقباط ، بقوله( يرون أن الدولة الدينية مهدد للحرية الدينية والشعائر ، بالتالي ثمة مخاوف تفاعلت وساهمت في التعبير عن نفسها انحيازاً للتغير الأخير)..
المشهد المصري وجملة المخاوف التي يعيشها الجميع هناك تشير لحالة من الاستقطاب الحاد عبر عنه عبد الفتاح محدداً أطرافه وقال(الاستقطاب شديد بين الإسلاميين من جهة وبين القوى الديمقراطية والليبرالية من جهة أخرى وكذلك القوى التي تنتمي للنظام السابق ، هذه المخاوف تحاصر كل الأطراف ، بما في ذلك الإسلاميين ، وأضاف(من ثم فالمخاوف تتلاعب بجميع الأطراف ، وللأسف الشديد فشل الجميع وعلى رأسهم القوى الفاعلة في المجتمع في إيجاد مشتركات ، عبر خطة للانتقال السياسي تعتمد على دستور جديد يضمن الحفاظ على الديمقراطية ، كما أن الجميع ارتكب خطأ المناورة قصيرة النظر لكن المسؤولية تترتب على الأغلبية ويقع عليها العبء)..
الشرعية ليست صناديق:
الشرعية سؤال بدا كالمقصلة لأي فعل تصحيح يكن أن تنتجه الشعوب، واستند عليه الكثيرون في إثبات بطلان إجراءات الجيش المصري في 3 يوليو بالإطاحة بالرئيس مرسي وهو ما أثار قطاع عريض في الشارع الخرطومي لجهة المقاربة بين 3 يوليو وبين مارس /ابريل 85 في الخرطوم على الرئيس نميري، ويصر رافضو إجراءات الجيش المصري على أن الفرق الجوهري يكمن في أن الرئيس مرسي منتخب فيما كان الرئيس النميري انقلابياً وهو أمر مردود عليه من قبل المؤيدين لإجراءات الجيش المصري وقطع د.نبيل عبد الفتاح بأن اى رئيس قادم لن يستطيع القفز وتجاوز أزمة الشرعية التي قال أنها لا تعتمد على الصناديق فقط أو أزمة الاستقطاب ، فالصناديق تحسم عند التحديد بحسب الأحجام الحقيقية وهذا لم يحدث بسبب التواطؤ بين الإخوان والمجلس العسكري ما يجعل الشرعية التي يتحدثون عنها(شرعية مجرحة ) ، فالجميع سعى للفوز السريع ، ما جعل الانتفاضة الثورية تموت مؤقتاً) ..
تواطؤ الـ(جيمين):
الجيش والجماعة في مصرن ثمة من يرى أن تواطؤ تم في المرحلة الأولى بعد 25 يناير، تواطؤ سبب بحسب عبد الفتاح وأداً مؤقتاً للثورة ، وهو ما عززه في وقت سابق د.حسن أبو طالب مدير معهد الأهرام الإقليمي للصحافة وقال في إحدى كتاباته، بأن ثمة تفاهم بين الطرفين يقضي بوصول الجماعة الى الحكم على أن لا تمس مصالح المؤسسة العسكرية وتظل على ما هى عليه دون تغيير في الدستور الجديد ، مدللاً علي ذلك بقرار العفو الذي أصدره المجلس عن خيرت الشاطر من القضايا التي حوكم بها من قبل وأدين فيها ، ومن ثم إفساح المجال له للترشح للرئاسة دون عوائق قانونية ، ما يرجح معه وجود صفقة بين الطرفين ..
المراهنة الخائبة:
السودان الحاضر الغائب في ثنايا الزحمة المصرية الباحثة عن محطة لالتقاط الأنفاس، يري الكثيرون أن وصول الإخوان الى مشارف البساط الأحمر وتوهط مرشحهم د.مرسي(الكرسي) الفخيم ، المتحكم في مداخل ومخارج الأمن القومي العربي بحكم عراقة المخابرات المصرية وإمساكها بزمام الأمور في بلد التصقت به صفة المواجهة، كان إيذانا بأن ترقص الخرطوم طرباً بحكم التقارب الايدولوجي مع الحركة الاخوانية المصرية، بالإضافة لما تشكله مصر في عهد الإخوان من حديقة خلفية للإنقاذ وترسم من خلالها وفيها مخططات مواجهة المجتمع الدولي ، بالإضافة لما يشكله التغيير المصري من قوة دفع للحركة الإسلامية السودانية بعد حالة من الخمول اشتكى منها رموزها، بالتالي فإن رد الفعل الطبيعي على إبعاد مرسي وتحرك الجيش في يوليو كان بمثابة صدمة قضت على أحلام اليقظة لدى إسلاميو الخرطوم، في المقابل أعتبر ساطع أن السودان ليس محكوماً بإسلاميين وإنما يحكمه البعض ويتشدقون بشعارات إسلامية، واستبعد حال استمر الأخوان في دست الحكم المصري أن يستهلوا تجربتهم بمحالفة حكومة عليها جملة من المأخذ، وهو ما أقرته الوقائع فيما بعد.
عموماً تظل 3 يوليو محطة فاصلة في التاريخ المصري لجهة ما يعتبره البعض تاريخاً لنقض أول التجارب الديمقراطية المصرية، فيما يعتبرها البعض الأخر أول دروس الشعب المصري القادر على تصحيح مسار ثورته وإعادتها الى مسارها الطبيعي في التعبير عن إرادته، فيما يراه فريق ثالث سيناريو لمؤامرة بعيدة المدى تقضى بإغراء الإسلاميين في الخروج من خنادقهم وتفشيلهم ومن ثم تصفيتهم، ويذهب فريق من أنصار نظرية المؤامرة الى إن الجيش المصري يظل الثابت الوحيد في المعادلة في سياق مجموعة من القيم التي أرساها أولها زهده في السياسة وإلا لما أعلن الانتخابات التي جاءت بمرسي، وثانيها أنه دوماً في خندق الشعب في الحق والباطل أي انه لن يكون في مواجهة الشعب المصري سواء حكم الاخوان او غيرهم.