المعوقات النفسية والسياسية فى توحيد الأحزاب .. إنتاج الأزمة

عبد العزيز النقر
ليس سهلا ان يحدد شخص ما المعوقات النفسية والسياسية فى توحيد الأحزاب السياسية السودانية خاصة وأنها من خلال تكويناتها يتضح ان ثمة معوق رئيسي، وإذا عدنا للوراء قليلا نجد ان حزبا الحركة الوطنية الأمة والاتحادي الديمقراطي اللذان قاما من اجل مناهضة المستعمر وتحقيق الجلاء من السودان تظهر جليا أزمة الهدف فى فكر واتجاهات تلك الأحزاب ، فكان الهدف من تكوين حزب الأمة مثلا الذي تأسس عام (1945) وهو تكوين هدف به السودانيون المنضوين تحت لواء الأنصار وغيرهم من الوطنيين الى إخراج حزب سياسي شعبي حتى يحقق المطامح الوطنية فى الاستقلال على أسس المساواة والحرية والعدل وكما هو معروف عن حزب الأمة والذي يعرف عنه انه حزب للمبادرات الفكرية حيث ان الهدف من تكوين الحزب هو إخراج المستعمر من لبلاد بزعامة الإمام عبد الرحمن المهدي الذي قام بضم كافة الأحزاب السياسية الاستقلالية الصغيرة وهى حزب القوميين برئاسة احمد يوسف هاشم عام 44 وحزب الاستقلال الجمهوري بقيادة ميرغني حمزة عام 45 والحزب الجمهوري الاشتراكي بقيادة إبراهيم بدري عام 51 وحزب السودان برئاسة محمد احمد عمر عام 52 وحزب التحرير الوطني بزعامة عمر الخليفة عبد الله التعايشي فى عام 57.

كان حزب الأمة يعد من الأحزاب القوية التي ظهرت فى الساحة السياسية مقابل له جماع التكوين الاتحادي تاريخيا الذي ساهم فى تكوين الحزب الاتحادي الديمقراطي المندمج بعد تحالف إتلاف الوطني الاتحادي والشعب الديمقراطي حيث كان إسماعيل الازهرى او رئيس وزراء للسودان بعد الاستقلال ورئيس الحزب ، فى عام 67 فأصبح الحزب الاتحادي الديقراطى، وذلك تلبية لغربة الملك فيصل الذي زار السودان والتقى بالسيد على الميرغني والأزهري فى ذلك الزمان بعد ان عصفت أشواق الاتحاديون بالاندماج والوحدة مع مصر بعد حركة 53 الضباط الأحرار بقيادة جمال عبد الناصر الأمر الذي رفضه الاتحاديون باعتبار ان الحزب الاتحادي الديمقراطي لا يمد يده لاى نظام انقلابي منذ تاريخ تكوينه الأمر الذي نسف فكرة الاتحاد مع مصر غير ان أدبيات الحزب تغيرت فيما بعد وأصبحت تقبل بالمشاركة فى النظم الانقلابية ، وهنا يعتقد مقربون من مفاصل الاتحاديون ان حالة الشقاق الأولية التي ضربت الحزب كانت تلك النقطة التي امن عليها ميثاق التجمع الوطني الديمقراطي ومسترشدين بمواقف الشريف حسين الهندي الذي قاد الجبهة الوطنية ضد نظام نميرى وأصبح على مواقفه حتى بعد المصالحة الوطنية التي وقعت مع الصادق المهدي عام 77 إلا ان الرجل تمسك بمواقفه وكذلك الحزب حتى وفاته فى 82 .
نقطة جوهرية:
الملاحظ الى السرد التاريخي فى تكوين الحزبين الكبيرين ينظر الى ان ثمة رابط مشترك بينهما وهو جلاء المستعمر كهدف استراتيجي أوحد وهو ما نجحا فيه دون الالتفات الى الدخول فى تفاصيل المحافظة على رابط الوحدة الذي يعد هشا خاصة وان تكوين الحزبين كان عبارة عن لملمة من شتات لأحزاب ومجموعات شبابية مثقفة أطلق عليها اسم الخريجين الذي أتى بفكرة الاستقلال وحدة مع مصر فى حين رفض حزب الأمة الاستقلال مع مصر وذلك بسبب سوء العلاقات بين الأمة وحركة الضباط الأحرار فى مصر آنذاك بقيادة جمال عبد الناصر
ذات الأشكال انتقل الى الحركة الإسلامية التي جاءت امتداد لما سبقتها من حركات البعث والإصلاح الديني والسياسي التي هبت لإحياء وتجديد معاني التدين ومواجهة أخطار الهجمة الاستعمارية الغربية خلال القرن التاسع عشر الميلادي بالإضافة الى ان ظهور الحركة الإسلامية التي استجابت الى تحديات داخلية وخارجية وظروف محلية ، نشأت الحركة الإسلامية كذلك من خلال نتاج اندماج مجموعتان أحداهما بزرت فى المحيط الشعبي تحت مسمى الأخوان المسلمين منتصف أربعينات القرن الماضي ،ثم تدرجت فى عدد من المسميات منذ جبه الميثاق والأخوان المسلمين والجبهة القومية الاسمية وأخيرا الحركة الإسلامية التي أنتجت المؤتمر الوطني ، تدرج الخلاف بين المكونات الإسلامية منذ الستينات حيث بدا الإسلاميون يحددون وجهتم بين الكم والكيف خرجت مجموعة الأخوان المسلمين من تيار الترابي الذي كون فيما بعد تلك المسميات بينما حافظ الأخوان المسلمون على تنظيمهم ، غير ان تلك التيارات جميعها تنتخب قياداتها وفق ذات القاعدة التي ينطلق منها.
حواجز نفسية:
يرى مراقبون الى حالة التشرذم الحزبي الذي ضرب كافة الكيانات الحزبية حتى اليسار التقدمي الشيوعيين والبعث خاصة وأنها تنظيمات أكثر استنارة ووعى بالإضافة الى أنها تسعى الى إحقاق الديمقراطية الحقة من خلالها ساهمت الخلافات فى ان ينشطر الحزب الشيوعي الى اثنين لافتة باسم الحزب وآخر باسم حق وكذلك حزب البعث العربي الذي أصبح بين مركزين الأول يتبع للعراق والأخر الى سوريا إبان مراجعات مشيل عفلق مؤسس فكرة حزب البعث ، وهنا ينظر القيادي الإسلامي كنده غبوش الى ان المعوقات النفسية والسياسية التي ساهمت فى شطر الحركة الإسلامية كانت محل خلاف عميق متهما د. حسن عبد الله الترابي بأنه واحد من الذين ساهموا فى ان تكون هناك خلافات داخل الحركة الإسلامية وعزا غبوش سبب خلافات الإسلاميون مع الترابي ترجع الى أرائه الفكرية والفقهية والسياسية وزاد فى حديثه لـ(ألوان) ان أراء الترابي المخالفة لطبيعة الناس فى السودان هى التي ساهمت فى تعميق شرخ الإسلاميون واستشهد بان الأسماء التي خرجت فى السطح بعد ذلك تؤكد ما ذهب إليه كهيئة علماء السودان والمجلس الأعلى للطرق والصوفية والمجلس الأعلى للدعوة الاسلاميه كلها مسميات تهدف لهدف واحد، ويمضى غنوش بان الذين غادر الترابي من أبنائه بعض المفاصلة كانوا طالبي سلطة، وما يدلل على ذلك بأنهم بمجرد خروجهم من السلطة أصبحوا أناس عاديين ليس داخل المجتمع فقط بل حتى داخل المؤتمر الوطني نفسه وهو ما يدل على أنهم لم يرتكزوا على غطاء فكرى مثلا أو جهوي أو زعامة كحال الترابي أو الصادق المهدي أو الميرغني .
وينظر مراقبون الى ان حالة التوحد التي تنتاب الأحزاب السياسية الكبيرة كالأمة والاتحادي الديمقراطي وان مجهودات الوحدة الاتحادية ليست جديدة على قيادات الحركة الاتحادية خاصة وان هناك بادرة أطلقها الميرغني نفسه عقب زيارة قام بها الأمين العام للحزب الاتحادي الديمقراطي د. جلال يوسف الدقير وأخيه لدار أبو جلابية عام2010 حيث طرح الميرغني ان يكون هناك تنسيق بين مرشحي الحزبين وان يتولى الأمين العام للاتحادي الديمقراطي الدقير مسؤولية الإشراف المباشر عليهم وحتى أدائهم النيابي غير ان الرجل أرجأ الخطوة بحسبانها أشبه بالتكامل والاندماج قبل استشاره مكتبه السياسي، مبادرة الميرغني التي ماتت فى مهدها آنذاك بدأت تتجدد من جديد عقب التوجيه الذي أصدره الميرغني لحزبه ببحث أمكانية دمج الحزبين فى حزب واحد كأولى خطوات الوحدة الاندماجية التي بدأتها التيارات الاتحادية المعارضة التي خلصت الى إدماج الوطني الاتحادي الموحد والحركة الاتحادية التي ينزعهما صديق الهندي والأول بقيادة جلاء الازهرى ليكونا الوطني الاتحادي، ويرى مراقبون ان الوحدة الاتحادية فى مفهومها العريض ربما لن تتحقق سيما وان هناك مياه كثيرة جرت على خط الحركة الاتحادية عمقت كثير من الجراحات بين الأطراف الشيء الذي تنعدم فيه الوحدة التي يأملها الاتحاديون، فيما يعتبر آخرون ان الوحدة الاتحادية ووفقا للتاريخ ممكنة فى اى زمان اى مكان خاصة وان تلك الخلافات التي تحدث بين الأشقاء ليست جوهرية إنما شكلية يستطيع تداركها.
ويرى مقربون من حزب الأمة ان المعوقات النفسية والسياسية التي تحول دون توحد فصائل الأمة تكمن فى حالة الصراع المستمر بين تلك القيادات حول أحقية الزعامة والتي تقسمت الى تيارات مناصرة كل طرف على حدا حيث انقسم الأنصار الى تيارين الأول يدعم ويبارك انشقاق الإمام الصادق المهدي على عمه والثاني مع احمد المهدي الذي يعتبر ان الخلافة حق أصيل له، خلافات الزعامة فى تيار الأنصار ساهم بشكل أو بآخر فى تجزئة الحزب حيث خرج مبارك الفاضل على بن عمه خاصة وان الرجل لدية طموحات فى ان يتولى الراية بدلا من الإمام والذي سانده فى صغره غير ان طول الأمد جعل الفاضل يستعجل الخروج بالإصلاح ، الذي فرخ عددا من أحزاب الأمة الأخرى ، وهنا يرى الباحث والأكاديمي عز الدين ميرغنى ان إمكانية الوحدة لأحزاب السياسية السودانية غير ممكنه لاسيما وأنها أحزاب متفرغة خاصة الكبيرة الطائفية واعتبر عز الدين ان تلك الأحزاب تنعدم فيها الديمقراطية بالإضافة الى ان هناك أعضاء بالوراثة داخل تلك الأحزاب مما يعيق فكرة الترقي الطبيعي داخل تلك الأحزاب ويمضى فى حديثة لـ(ألوان ) ان مشكلة اللا ديمقراطية فى تلك الأحزاب أدت الى انشطارها مما أفرزت عنها قيادات لن تكون عاديين حال تمت الوحدة داخل الحزب الأم وهى حالة الندية لتك القيادات ويمضى عز الدين فى تحليله لراهن الأحزاب السياسية ان الإعلام ساهم كذلك فى تضخيم بعض الأشخاص والأسماء فى العمل الحزبي دون ان يكون لهم جهدا مقدر ويرى فى اعتقاده ان العمل الحزبي يحتاج الى ان يكون فى الظل وفى صمت حيث ان الدول المتقدمة تعتمد على ان هناك سياسيون متفرغين للعمل الحزبي فقط ، ونبه الى ان أسوأ ظاهرة تعمل على عدم توحيد تلك الأحزاب فى هى ممارسة السياسية من اجل المناصب واعتبرها اكبر آفة تجعل الوحدة صعبة.
مبادرات وحدوية:
مبادرة المرجعيات التي أطلقتها قيادات اتحادية نبهت الى ان مشروع وحدة الكيان الاتحادي لا تعنى ان يتخلى كل طرف عن مبادئه التي يرتكن إليها ولكن تأتي فى إطار تنسيق الجهود المشتركة بين الطرفين على أهمية ان الحد الأدنى للتعاون هو الوطن بين المعارضين والمشاركين فى الحكومة باعتبار ان الوطن هو الهم الأكبر الذي لابد من ان تتوحد فيه تلك الكيانات ، وأشارت مصادر مقربة من المرجعيات الاتحادية ان هناك اتصالات بدأت بقادة تلك الأحزاب الاتحادية وطرح رؤية وحدة الكيان الاتحادي على أهمية إنقاذ الوطن والدفع بمطلوبات الحوار على المستوى الداخلي من قبل الأحزاب المشاركة وكذلك تنفيذ اشتراطات تلك الحوار مع أحزاب المعارضة.
ويذهب مهتمون بالشأن الاتحادي ان عقد المؤتمرات العامة التي بدأت فعالياتها لكافة الأحزاب الاتحادية معارضة وحكومة من شانها ان تؤسس لرؤى جديدة قد تساهم فى الدفع بمبادرة المرجعيات الاتحادية لاسيما وان تلك الشخصيات التي لم يفصح عنها تتمتع بالثقل الجماهيري والوزن السياسي مما يساهم فى تقريب الشقة بين الفصائل الاتحادية المتناحرة، المبادرة التي أظهرت حالة التخلق السياسي الجديد لحزب الحركة الوطنية المسمى الذي تتخذه المرجعيات واجهه للمبادرة من شانه ان يحدث تطورا ايجابيا فى الساحة السياسة السودانية مما قد يفتح باب الأمل السياسي لعودة الكيانات السياسية التي انشقت من قبل لاسيما وان المبادرة التي عرضت عل عدد من القادة السياسيون لأحزاب الاتحادي لم تبد عليها تحفظا كما أنها ستناقش فى المكاتب السياسية كهدف أولى بعد عطلة العيد للبت فيها ، وتفيد المصادر الى احتمالية عقد لقاء برؤساء تلك الأحزاب الاتحادية وطرح المبادرة عليهم والسعي فى أمكانية تحقيقها سريعا وهو ما جعل التسريبات الصحفية الأيام الماضية تشير الى ان ثمة وحدة اتحادية مرتقبة بين الكيانين.
حزب الأمة القومي الذي بدا طريقا مماثلا لذلك الاتجاه قرر فى أخر اجتماع لمكتبه السياسي بالقاهرة ان تكون وحدة أحزاب الأمة خط رئيس سيما وان هناك بوادر أمل فى رجوع عدد من تلك الأحزاب الى حضن القومي ، غير ان مهتمون بالشأن السياسي يعتبرون ان توحيد أحزاب الأمة عمليه شاقة وليست سهلة خاصة وان القيادات التي افرزها انشقاق الأمة فى السابق ساهم فى خلق إشكالات كبيرة من شانها تعطيل تلك الوحدة خاصة وان رئاسة الحزب أمر مختلف عليه من كثير من قيادات حزب الأمة وهى ذات الأسانيد التي يعتمد عليها التيار العام بقيادة المهندس مادبو إذا يرى البعض ان الطريق لتوحيد أحزاب الأمة يمر عبر خلع الأمام الصادق المهدي عباءة رئيس الحزب والاكتفاء بالإمامة، وهى أمنية صعبة المنال سيما وان الرجل يعتبر من السياسيون المحنكين ويعد سياسي من الطراز الأول حيث استطاع الإمام الصادق المهدي ان يجمع بين الزعامة الروحية لكيان الأنصار والزعامة السياسية كرئيس منتخب من قبل المؤتمر العام لحزب الأمة وبالتالي فان ترك الرجل لمنصبة إرضاء لتطلع القيادات التي تريد التوحد يعد أمرا شاقا.
الخلافات الفكرية التي ضربت أحزاب اليسار التقدمي تختلف عن رصيفاتها من الأحزاب العقدية حيث أنها تتقاطع فى تماسات مع الحركة الإسلامية خاصة وان تلك الأحزاب لا تؤمن بالزعامات الروحية والدينية إنما تؤمن بالرؤية الفكرية لنضال الطبقة العاملة ووحدة الأمة العربية ، فالخلاف الفكري الذي ضرب تيارات اليسار التقدمي من أصعب الخلافات التي لا يمكن تداركها حيث ان كل معسكر يؤمن بالفكرة التي يقاتل من اجلها، ويرى مراقبون ان قضية الوحدة فى الأحزاب السياسية السودانية تعد من المستحيلات خاصة وان القاسم المشترك لجميع الخلافات تكمن فى تطبيق الديمقراطية فى حدها الأدنى والعمل على ترقى منسوبي تلك الأحزاب الى درجات سياسية متميزة ، قضية الاحتكار السياسي للوظائف القيادية من قبل القيادات السياسية فى الأحزاب التقدمية اليسارية وكذلك اليمينية وإغلاق الباب أمام الجميع فى الأحزاب الطائفية والعقدية ساهم فى وجود حالات احتقان سياسي أدى الى انفجار حزبي خلق من الأرضية السودانية (94 ) حزبا و6 أحزاب تحت التأسيس ، بالرغم من ان هناك أحزاب سياسية كانت صنيعة اللعبة السياسية التي أدمنها الحزب الحاكم إلا ان انقلاب السحر على الساحر ساهم فى إخراج عدد من التيارات من داخل رحم الوطني كالإصلاح الآن ومنبر السلام العادل والأخ الأكبر المؤتمر الشعبي وغيرها من التيارات الإسلامية ذات الرؤية والهدف الواحد، محاولة توحيد التيارات الإسلامية التي نشطت الأيام الماضية من شانها ان تساهم فى تخفيف الضغط على الساحة السياسية سيما وان تلك الأحزاب تجمعها قاعدة فكرية موحده من شانها ان تساهم فى جعل قضية الوحدة للتيارات الإسلامية ممكنه على عكس الآخرين ، خاصة وان صراع الأحزاب الطائفية مع التيارات المنشقة تصب فى خانه عدم التخطي إشارة الأسياد والإشراف وبالتالي فان الأفق السياسي فى تلك الأحزاب مغلق تماما لتطلعات القيادات التي تطمح فى الترقي ، وهنا يعتبر الباحث والاكاديمى عز الدين ميرغنى ان حل هذا الإشكال لابد ان يتم عبر تربية الأجيال الجديدة على وطنية يكون همها الأول الوطن وليس الحزب وبالتالي يمكن ان نقول يمكن ان تتحقق الوحدة فى تلك الأحزاب.