الشيخ حسن جلود.. «أبو المساكين» الذي نقش اسمه في جدار الذاكرة

عبد الله خوجلي
كنت في سوق ام درمان وجاء رجل فقير يسأل الصدقة فقلت له من أين أنت؟
قال من نيالا قلت وهل تعرف (حسن جلود) قال ولو كان حسن جلود حيا ما كنت أجي لأم درمان لاشحد فيها.
ولقد سعدت بصحبة ابنه ابراهيم حسن الحاج بدلي واخوته وقد شغل الباشمهندس د. ابرهيم حسن الحاج إدارة الاسواق الحرة لفترة من الزمان في عهد الانقاذ – وكان د. ابراهيم أبن ابيه في كرمة وسماحته فهذا الشبل من ذاك الاسد.
وقد سعدت اليوم بالفزلكة التي اوردها من نيالا محمد المختار عبد الرحمن في صحيفة الصيحة الغراء بعدد الثلاثاء 13 رمضان 1436هـ الموافق 30/6/2015م عن الشيخ حسن جلود فانقلها لقراء الوان بعد الاذن للتعريف بهذا المحسن في شهر الاحسان شهر رمضان المعظم يزداد الدعاء له ولأسرته الكريمة:
الرجل الذي اجمع الناس كل الناس على أنه رجل بر واحسان يتذكره الكبار والدموع تملأ اعينهم فقد رحل في ثمانينيات القرن الماضي وترك ارثاً تاريخياً يذكر حتى يومنا هذا وكأنه كتاب يقرأ بل له في الريادة والسبق وكذلك يتذكره الغني والفقير انه الشيخ حسن جلود الرجل الذي بكاه الفقراء يوم موته وهو أول من اوصى بالمدينة ألا يقام له مأتم والا يبكى عليه الا أن الفقراء لما سمعوا النبأ بكوا بكاءً مراً يقطع نياط القلوب فهو لهم الأب والأم والمأوى يوم الجمعة حيث يؤمون داره ليتناولوا وجبة دسمة بعرف ذاك الزمان (الارز واللحم واللقيمات) لا كسرة لا ملاح لا ويكة لا عصيدة فهي متاحة في امكنة أخرى إلا أن اللحم والارز واللقيمات قلّ ان يتحصل عليها الفقير ولذا جعل الوجبة التي يقدمها لفقراء المدينة تتكون من الارز واللحم واللقيمات ثلاثة اصناف حلم كل جائع فكيف بالفقير والمسكين؟

وجبة الجمعة:
صحن من اللحم، صحن من الارز، صحن من اللقيمات، هي وجبة الجمعة يقدمها لضيوفه الاعزاء الذين أحبهم ويشرف بنفسه على تناولهم وجبة تفتقدها الكثير من البيوت إلا أنه يقدمها لهؤلاء الاحباب حيث يجلس معهم وبينهم كل يتقدم بماعونه ويصب له فيه اللحم والارز واللقيمات حارة طازجة تفيض عن الحاجة ولما كان المكان يوحي بالكفاية والاكل الوفير فإنهم لا يتدافعون ولا يتصايحون بل في سكينة وادب يتحلقون حول جدار دائري جي فيتقدم الواحد تلو الآخر إلى داخل الدار فيمد ماعونه فارغاً فيعود اليه ملآنا بالارز واللحم واللقيمات فينطلق ثم يأتي آخر وآخر والشيخ حسن جلود يتابع ويشرف على كل ذلك بنفسه هكذا يوم الجمعة بعد صلاتها تتجه خطوات مساكين وفقراء المدينة إلى داره التي لا تبعد كثيراً عن مسجدها العتيق ويتراصون حول الحائط حسب الوصول ولأنهم تملأهم الطمأنينة بضمان الحصول على الوجبة الدسمة فانهم لا يتدافعون ولا يستعجلون في الوصول الى قدور الطعام المعد اعداداً جيداً هكذا الرجل عرفته المدينة لسنوات وسنوات وهذا ديدن الرجل الدائم مع فقراء المدينة ومساكينها إلا انهم في الجمعة التي تلت مغادرته بكوا بكاءً مراً ابكى من حولهم بكوا فقدانهم للاب الكبير الذي جمعهم لسنوات وما غاب عنهم جمعة واحدة.
اسم خالد:
الشيخ حسن جلود هكذا عرفته المدينة التي قدم اليها في اربعينيات القرن الماضي وتعود جذوره البعيدة إلى اصول تركية من امهات سودانيات فهو امدرماني المولد والنشأة وابصر النور في العام 1906م وهو نيالاوي العمل ففيها قضى اجمل ايام حياته حتى لقي ربه في العام 1984م.
عمل الشيخ حسن في مجال تجارة الجلود ومنها اخذ اسمه الذي التصق به وهو احد الشرفاء الذين عملوا في مجال التجارة بكد وجهد وصدق واخلاص حتى نمت تجارته وتفرعت فكان قريباً من المساكين والفقراء بالصورة التي تدهش كل الذين عايشوه او سمعوا عنه وقد اجمع الكل على أنه الرجل الذي لم يسبقه احد في العهد القريب وانه الرجل الذي لم يأت بعده من يسد الفراغ الذي حدث بعد وفاته حسن جلود رجل البر والاحسان اسم صعد في كل المحافل والمنابر والمواقع على امتدادات جنوب دارفور الواسعة حيث ما حلّ تسبقه الشهرة التي عرف بها(ابو الفقراء والمساكين) متمسك بقيم الدين مما رسخ لنفسه الجود والكرم ينفق انفاق من لا يخشى الفقر حيث يذبح كل جمعة في بيته ثور للفقراء والمساكين هم اهله وخاصته له نفس ابية في تواضع.
رجل البر والاحسان:
حسن جلود رجل البر والاحسان بيته مأوى لطلاب العلم من ابناء القرى المجاورة حيث جعل جزءاً من بيته داخلية يستقبل فيها طلاب المعهد العلمي متكفلاً لكل مصروفاتهم واحتياجاتهم كان محباً للقرآن الكريم وأهل القرآن تزوج من ام درمان والابيض والجزيرة ودارفور يأمر أهله بصنع الطعام الجيد لأن ضيوفه أهل عز وجاه ويتبارون في اطيب انواعه واذا بالضيوف الفقراء والمساكين القانطين حول المسجد الكبير واهل العلم والخلاوي واصحاب الحاجات وكان يهتم بالاحتفال بالمولد النبوي والاسراء والمعراج ويومها لا يجد الجزارون الزبائن فلذا لا يذبحون في ذلك اليوم اصلاً حيث اكثر من ثلاثة الف شخص يتناولون وجباتهم في منزل حسن جلود وفي رمضان كان يمد الموائد للغادين والرائحين والسائرين في الطرقات.
شخصية فريدة:
حسن الحاج عثمان محمود اسم قد لا يذكره احد بمدينة نيالا إلا إنك اذا قلت حسن جلود تجد العشرات بل المئات الذين يدلونك على داره حسن جلود رجل من قيادات نيالا الاوفياء أحب أهلها واحبوه ينفق في السر على الارامل والضعفاء ويوم مماته خرجت نيالا عن بكرة ابيها لوداعه في موقف مهيب وحزن عميق وانتهى العزاء بالدفن حسب وصيته الا ان الوفود من شتى المناطق كانت تطرق داره وفداً اثر وفد ولزمان طويل مما يدل على مكانة الرجل في نفوس الناس.
يقول عنه الذين عاصروه انه شخصية فريدة ويؤكدون صفة الكرم والجود التي عرف بها بجانب اخلاصه وتحريه للحلال في عمله وتجارته ومما يحكى عنه انه من الممكن ان يذهب للسوق بالجلابية والعراقي ولا يعود الا بالعراقي فأحياناً يهدي جلابيته لمحتاج او سائل .
صفات نادرة في هذا الزمان إلا أن حسن جلود من مدينة نيالا واحداً من اولئك الرجال الذين عرفوا بالكرم والجود يتقاطر من جوانحه فرحم الله الشيخ حسن جلود رجل البر والاحسان وابو الفقراء والمساكين رحمة واسعة واسكنه فسيح جناته وجعله من الطيبين في جناتٍ النعيم.