الروائي أحمد الفضل أحمد يكتب عن رحيل الشاعر محمد محي الدين

في يوم 26 مايو 2015 رحل ( محمد محي الدين عبد القادر موسي ) ، عن عمر ناهز (63) عاما …إنتشر الخبر سريعا وبين القارات …جاء الناس أفواجا ..أفواجا .. وكان مسؤولوا أجهزة إعلام الجزيرة حاضرين إذاعة وتلفزيون وانفتح الأثير لحظتها للكلام .. وغابت الأجهزة الرسمية علي مستوي المركز .. وكذلك مسؤولوا الثقافة هناك …..!

قبل قليل :
(1)
كان يحكي بأن الرحيل مع الفجر
أروع ما في الرحيل
كانت الريح شديدة ……
***************
(2)
شجر شاحب _ وعيون حزينة
والشوارع أغنية في خريف الحزاني
وقافية تنتحر ………..
***************
(….محمد محي الدين كان كاتبا وشاعرا ومسرحيا وفنانا ومخططا ثقافيا علي كل المستويات ثم كان معلما موهوبا …!وأبدع لهذا الوطن المترامي في مجال التعليم في المرحلة الوسطي الموءودة …معلما وإداريا … وتخرج علي يديه أولاد وبنات …!وخرج من هذه الدنيا نظيفا وشريفا … لا يملك شيئا … وترك سيرة خالدة …!فكان ديوان شعره الأول ( إتكاءة علي سحابة وردية ) .. قدم له الناقد (مجذوب عيدروس ) علي صوت الرحيل علي صوت فاطمة فقال : (… شخصيات مسرحه الشعري .. كائنات متحركة داخل النص وداخل مدينة ( ود مدني ) .. واهتم بموسيقي الشعر الداخلية والخارجية وحشد قصيدته بإيقاعات متدافعة تنطلق بالقصيدة نحو بناء صوتي متكامل .. تندمج فيه الكلمة والتعبير والتلوين والجملة والقافية … وصولا إلي نسق شعري ايقاعي متماسك .. واستفاد من التراث ومخالطته الناس .. والمجتمع في قضاياهم الواقعين تحت القهر والفقر .. والنسيان .. وهو شاعر مرموق بقدر إقترابه من حركة الجماهير وسيبقي بينهم ..!)
(3)
حين باغتني
صوت ذاك المذيع فأذهلني
ساخ تحتي الرصيف
وصرت أحدق في أعين العابرين
وفي أعين الواقفين
كان رعبي مفاجأة
والشوارع عارية
والشوارع زوبعة الريح تصفعها
كانت الريح تشتد
عملنا معا لسنوات في تقديم برنامج المنتدي الثقافي بإذاعة ود مدني ..وقدمنا في حلقتين متتابعتين فقرات عن رحيل الشاعرين ( عبد الرحمن الأبنودي .. ومحمد الفيتوري )
….ولاحظت إكتئآبه وشحوبه وشروده حين كنا نستمع لإختيار فقرات من ( النت ) وبعد وفاته أبدي مخرج البرنامج عبد الوهاب الأمين نفس الملاحظة ..!
( محمد محي الدين ) من أوائل الذين كتبوا القصيدة المدورة بعد شعر التفعيلة ..وهي القصيدة المنفتحة علي التجريب .. وعموم قصائده تستلف أدوات سيناريو السينما والحوار المنثور ، وكل الفنون المجاورة .
وفي السنوات الأخيرة صمت وتوقف عن الكتابة الإبداعية وأخذته المشاغل الأسرية والتفاصيل الأولية الحياتية جانبا ..!فأخذت من صفاء زمنه ومزاجه ..وكان آخر العهد به في قصيدته الطويلة ( عشرة لوحات للمدينة وهي تخرج من النهر …).
ثم قصيدته ( المساح يشرب قهوته تحت شجرة الجميز ..!) وما انقطع برغم ذلك عن نشاط رابطة الجزيرة وأعمال كتابة سيناريوهات الأفلام التسجيلية للمخرج أسامة سالم وهي كثيرة .. العدد ,
درس محمد محي الدين في ( معهد التربية بخت الرضا ) قبل زواله وتخصص في مواد اللغة العربية والإنجليزية والتاريخ واستفاد من مكوثه هناك في دراسة المسرح حيث أن ( لبخت الرضا )رصيدا متراكما وتاريخيا في هذا المجال كمنشط هام من مناشط التدريب التربوي مصاحبة مع الفنون الأخري .
وكانت مشاهدة العروض المسرحية في عيد بخت الرضا أو مناشط الجمعيات الأدبية … تتواصل طيلة العام …
وكانت هنالك الموسيقي علما وتدريبا من أساتذة المعهد ( البروفيسور الماحي اسماعيل والأستاذ محمد صديق الأزهري ) وغيرهم .
ونعود للمسرح ورصيد تجارب الأساتذة …دكتور أحمد الطيب أحمد والفكي عبد الرحمن .. إلخ .
إلتحق ( مجذوب عيدروس ومحمد محي الدين )بالمعهد العالي للموسيقي والمسرح بتوصية من عميد المعهد آنذاك ( دكتور خالد المبارك ) وذلك لعطائها المبذول علي الساحة الثقافية السودانية ..!ولم يكمل محمد دراسته بالمعهد لعدم تفرغه من قبل وزارة التربية والتعليم … ولم تفلح شتي المعالجات في هذا الأمر .. وهو شيء طبيعي من موظفين ليس لهم إهتمام في مجال بعيد عنهم يخص الأدب والفنون ..!
(4)
كان في الفجر تهويمة تتأرجح
عند الظهيرة كان حقيقة
كان جدول عشق
تفجر في قسمات السراب
كان قافلة تزدهي بالشباب
كان هدهدة وعذاب
كان بابا جديدا لمنسرب الضوء
حين الظلام تسربل بالموت
غطي عيون البيوت
بأردية من تراب
كان صوت المدينة ، إن المدينة نائمة
والطوابق صاحية يتبجح أصحابها
وكتب محمد محي الدين في المسرح ( القطر صفر ) وهي من مسرح الشارع وأخذ مسرحية الطيب صالح ( ضو البيت ) وعالجها وعرضت علي مسرح قاعة الصداقة 1985 وأخرجها زميله (قاسم أبوزيد ).
وقام بتنفيذها جماعة ( السديم المسرحية ) … وأعد مسرحية (إنت قتلت الوحش ) للكاتب المصري علي سالم ثم ( مطر الليل ) مسرحية شعرية تم تأليفها في بخت الرضا عام 1978 وهي مشروع تخرج لأحد الطلاب . وأيضا هناك ( هبوط الجراد ) .. و( الرجل الذي صمت ) من إخراج الشاعر يحي فضل الله .
وفي رابطة الجزيرة للآداب والفنون كان مهتما بإبداعات الشباب والإستماع لهم وتوجيههم .
وفي نطاق وزارة التربية كان محمد منسقا ومخططا للدورات المدرسية وكذلك مهرجانات الثقافة بالإقليم الأوسط والجزيرة .
ثم خرج قديما لمهرجان الشبيبة في ( موسكو ) .. ومهرجانات في ( بغداد والجزائر ) .. عكاظية الشعر العربي .
(5)
أيها المصلوب كالنجم علي
الموجة يكفيك ترجل
وأرفض الحزن الذي ما اخترته
طوعا ..
ستبقي نابضا تشهد ميلاد الرياح
وانظر الساحة تأتيك تمهل
أغنيات ما علاها الصدأ المدفون
في قلب الزمان
وفي مجال القصة أبدع الراحل في القصة القصيرة ولديه مجموعة متفرقة هي ( الرجوع من ضاحية المطر ) .. وكان أبرزها قصة ( تاجوج في خان الخليل ) وقد فازت في مهرجان الإقليم الأوسط .
ستفقد الساحة الثقافية ( محمد محي الدين ) .. ولكنه قد ترك فينا أثرا باقيا …!
(6)
تعالوا
نعد الحقائب
إن الرحيل
سيختار
أن نتعانق بعد قليل
أعلنوا ……