الجامعات ــ وضرورة إصلاح سياسات القبول

 الطيب محمد الفكي آدم
ثورة التعليم العالي التي فجرها البروفسور إبراهيم أحمد عمر والتي تبنت نفس سياسات القبول التقليدية التي ضخمت أعداد الخريجين وفاقمت العطالة ولم تأتي بمردود اقتصادي ينمي اقتصاد البلاد ويزيد ويرفع الإنتاج ، التعليم العالي يحتاج لثورة جديدة تستهدف سياسات القبول والتي يجب أن تصلح وتغير لتواكب سوق العمل الداخلي والخارجي . وبما أن اقتصادنا يعاني وليس له علاقة بسياسات سوق العمل ولا يسعى لخلقها . بدليل أنه دمر عن قصد كل ماله علاقة بسوق العمل واستيعاب القوة البشرية العاملة في الزراعة والصناعة والتعليم والصحة والسكة حديد والخطوط الجوية والبحرية والنهرية ودمر النقل الميكانيكي ويسعى الآن لتدمير الإمدادات الطبية وتدمير صناعة السكر ودمر تدريب المعلمين عندما دُمرت بخت الرضا ودمر التمريض عند تدمير مدارس تدريب التمريض ودمر الخدمة المدنية . هذه المؤسسات التي كانت ترفد السودان والوطن العربي كله بالمعلمين والممرضين والموظفين والخبرات التي بنت التعليم والصحة والخدمة المدنية بالبلاد العربية وكان هؤلاء يرفدون اقتصاد البلاد بتحويلاتهم من النقد الأجنبي كان تدمير الزراعة والصناعة وتدريب المعلمين والممرضين والخدمة المدنية والسكة حديد يعتبر تدميراً شاملاً لسوق العمل الداخلي والخارجي . وكان هدفه السعي لفقد فرص العمل ولا يسعى لزيادة وتوفير وفتح فرص العمل للمواطنين .
عندما نتحدث عن سياسة قبول الجامعات لإصلاحها وتغيرها نعني بذلك أن تتغيير السياسات الاقتصادية لتتجه لخلق سوق العمل وفتح وتوفير فرص العمل المطلوبة ، إن الجامعات لا تستطيع أن تقوم بهذا الدور وتغيير سياسات القبول ما لم توضع إستراتيجية اقتصادية وطنية وليس حزبية لخلق وتوفير سوق العمل الحقيقي بإنشاء المشاريع الزراعية الإنتاجية والصناعية الكبرى ، لوضع الجامعات أمام الأمر الواقع حتى نحفزها ونمكنها من إصلاح وتغيير سياسات القبول تواكب إستراتيجية سوق العمل والعمل على هداها لتغذية سوق العمل .
لقد شاهد الجميع إصرار النظام على تطبيق واستمرار التدمير للتعليم العام والعالي رغم آلاف التوصيات لمؤتمرات التعليم فالاقتصاد والخدمة المدنية والصحية التي صدرت ولم يأتيها الإصلاح من بين يديها ولا من خلفها . فمسألة الإصلاح هذه التي تدعيها السياسات ببهلوانية وفهلوة وتمويه يدحضها واقع السياسات الممارسة فيأتي التغيير للوجوه ولا يتجاوزه للسياسات .
فالإصلاح السياسي وكيف يحكم السودان الذي كان يعول على إحداثه على الحوار الوطني الذي لم يحدد حتى الآن موعداً ويوماً محدداً لانعقاده ليبدأ . والإصلاح الاقتصادي وتيسير معاش الناس لم نرى منه سوى تغيير الوجوه والشخصيات ومازالت أسباب التضخم ماثلة وأسباب ارتفاع الأسعار المتوالي مستمرة وأسباب انخفاض قيمة الجنيه لم تراوح مكانها ومازالت تجارة العملة المدمر الأساسي لاقتصاد البلاد وتوفق الإنتاج والعطالة المقنعة مستمرة . ويتحدث الترابي عن وحدة الإسلاميين فبماذا تفيد وحدة الإسلاميين وتنفع شعب السودان في غياب شرط إصلاح السياسات ؟. الإصلاح يبدأ بتغيير وإصلاح السياسات الاقتصادية وتليها السياسية وينداح نحو إصلاح المؤسسات الأخرى ومنها الجامعات لتصلح سياسات ونظم القبول . لتعمل هذه الإصلاحات كداعم للاقتصاد ليساعد على النهوض به وتقويته . فالجامعات يجب أن تخرج مئات الآلاف لينخرطوا في مجالات سوق العمل التي تعود بالعائدات التي ترفع إيرادات الدولة لزيادة الدخل العام فخريجو الكليات الزراعية والحيوانية المفترض أن يكونوا ملمين بتقنية الجينات الوراثية النباتية والحيوانية لزيادة الإنتاج الزراعي والحيواني وجودته لينافس تجارياً محلياً ودولياً وملمين بالتقنيات الكيميائية للحصول على إنتاجاً سليماً يجد رواجاً وقبولاً للاستهلاك المحلي والعالمي . وأن يكونوا متمكنين من تقنيات الإنتاج الزراعي والحيواني والصناعي لينافس ويوازي مستوى الخريج الياباني والألماني والأوربي في سوق العمل وهذا ليس مستحيلاً إذا صدقت النوايا وجلبنا لجامعاتنا الورش والمعامل واللابات والمناهج والتقنيات العلمية التي تستخدم في إعداد المتخرجين من جامعات العالم المتقدم لإعداد وتأهيل خريجينا للمنافسة العالمية لسوق العمل . وهذا يجب أن نطبقه على كليات الطب والتمريض والتي يتزايد الطلب على خريجيها إقليمياً وعالمياً . ويجب أن نخرج الآلاف منهم ونعدهم للمنافسة في سوق العمل الإقليمي والعالمي والمحلي ليكون أكثر نفعاً لوطنهم واقتصادهم ولأنفسهم تخصصات الطب والتمريض تصحبها مهن داعمة بتقنيات حديثة كالرنين المغنطيسي والمنظار والموجات الصوتية وتقنية المعامل وغسيل الكلى والقسطرة والعناية المركزة والتمريض المتقدم كلها مهن يتطلبها بنهم الآن سوق العمل العالمي فيجب أن يكون لها اهتمام عالي في سياسات القبول وأن تخرجهم بمستوى يمكنهم من المنافسة في سوق العمل لتعم المنفعة . ونتحول لكليات الهندسة ـ الكهرباء ـ الالكترونيات ـ الاتصالات ـ المعمار ـ الميكانيكا والتي يجب أن نخرج منها الآلاف من المهندسين للعمل الميداني في كل هذه الهندسات بمستوى تأهيلي يمكنهم من المنافسة في سوق العمل العالمية بعد أن نؤهلهم كما يؤهل أقرانهم في هذه الهندسات في اليابان وبريطانيا وألمانيا والصين لتوطين صناعة الأجهزة الكهربائية والأجهزة الالكترونية وأجهزة الاتصالات وصولاً للمركبات الفضائية والأقمار الصناعية هذه التخصصات من الهندسات تحتاج إلى المهن الداعمة والمكملة لكل هندسة ـ فمثلاً المعمار يحتاج إلى تركيب الأبواب الالكترونية والمصاعد الكهربائية والتكييف المركزي والعادي وكساء الجدران الخارجية وعمل السيراميك والتلوين وتوصيلات الكهرباء والماء ـ والميكانيكا أيضاً تحتاج للمهن المعينة والمكملة والداعمة فالصيانة الميكانيكية صارت الآن كلها الكترونية حتى كشف الأعطال صار الكترونياً ـ وهندسة الالكترونات وهندسة الاتصالات وهندسة الأجهزة الطبية ـ كلها تحتاج إلى التقنية والصيانة الالكترونية .
كل أنواع الهندسات تحتاج إلى المهن المكملة والداعمة والمصاحبة التي ذكرت التي يجب على جامعاتنا أن تخرج مئات الآلاف لسد حاجة سوق العمل العالمي والمحلي لتتفادى وتتخلص من تخريج آلاف العطالة فاقدي فرص العمل . الآن كل هذه المهن المكملة الداعمة لهذه الهندسات هم من الجيل القديم فاقد الإلمام بالتقنية والالكترونات ويعتمد على المهن اليدوية فقط لذلك صار كل هؤلاء خارج سوق العمل . لأن السباكة صارت تستخدم مواسير ( البيبي سي) واللحام البارد واللحام الساخن . والميكانيكي وفني التبريد والتكييف وتبريد السيارات وفني تركيب وصيانة الأبواب الالكترونية والمصاعد الكهربائية كلها تعتمد على المفاتيح الالكترونية والريموت كنترول ونظام السنسر الالكتروني . وهذا يحتم علينا وعلى جامعاتنا إيجاد البديل من القوى البشرية المؤهلة تقنياً والكترونياً لتملآ هذا الفراغ في سوق العمل والفاقد التقني وخلق القوى البشرية الماهرة لمواكبة التحولات والتبدلات المهنية وإعدادها بما يمكنها من المنافسة وإلا سيكون بلدنا معتمد على الغير الأجنبي الوافد ، لذلك يجب الانتباه والاستعداد لمواجهة التحولات والتبدلات بجسارة ومقدرة ومهارة وتفوق يجعل شبابنا قادر ومؤهل لاكتساب الجديد والحفاظ على مكانه في سوق العمل الداخلي والخارجي وهذه مهمة وطنية عظمى ينبغي على وزارة التعليم العالي أن تكون على قدر هذه المسئولية لتجعل التعليم العالي مهنياً يخرج لنا الكوادر التي تعيد للاقتصاد مجده ولإنسان وشباب السودان عزه . وعلى اتحادات الطلاب بالجامعات واتحاد الشباب السوداني الاطلاع بهذا الدور وتبني هذه المطالب وفرضها بوطنية وقومية بعيداً عن الاستقطاب والتكتلات الحزبية الضيقة إلى رحاب الوطنية والنهضة السودانية لإحداث ثورة التعليم العالي .
والله المستعان