الإيقاد فى جوبا.. فشل محكوم بالسمعة

عمرو شعبان
الإيقاد تتصدر المشهد السياسي شمالاً وجنوباً فى القارة المكلومة الى حين، ودورها الحالي يرتبط بالتطورات الدموية فى جوبا، بالإضافة لما هو مؤجل فى ملفات التوسط بين الخرطوم وجوبا، وبين الأولى وأبنائها الغاضبين في قطاع الشمال، ما يفرض تركيزاً سياسياً وإعلاميا عليها، لجهة مراهنة وانتظار الكثيرين لنجاح دورها المأمول فى كبح جماح حمام الدم الجنوبي خصوصاً بعدما كشفت الأطراف الجنوبية المتصارعة عن جولة تنعقد في أديس أبابا في الفترة القادمة لوضع نقاط الحل على حروف الأزمة الجنوبية، فهل تنجح؟
تاريخياً الإيقاد برزت كمفردة في الساحة السودانية منذ فترة ليست بالقصيرة، لكنها أضحت الأعلي صوتاً، بعد أن تم تبني مبادرتها الشهيرة التي كانت جسراً لتوقيع اتفاقية السلام النيفاشية، في سياق الطموح الدولي آنذاك واتجاهه لأفرقة الحلول السياسية السودانية، وذلك من خلال تجاوز المبادرة المشتركة (الليبية والمصرية) عبر الترويج والتسويق للإيقاد بالقبول الدولي والإقليمي، بالإضافة لكونها تنم عن التكتيكات الذكية التي أتبعها المجتمع الدولي ليجد له موطئ قدم مباشر في الشأن السياسي السوداني عبر صيغة (أصدقاء الإيقاد) التي تضم بريطانيا وأمريكا والنرويج وايطاليا، ومنذ ذلك الحين أخذت المنظمة الإقليمية فى التراجع والخفوت إعلاميا في سياق الملفات المرتبطة بأهدافها المباشرة والتي اعتمدتها للتأسيس في التنمية والتكامل الإقليمي جزئياً، ليكون الملف السياسي هو ديباجتها المميزة، والذي بدوره لا يبرز إلا في ظل مرحلة تاريخية حساسة أو مصيرية يمر بها الشأن السوداني ..

والإيقاد باختصار هي السلطة الحكومية للتنمية (إيقاد) في شرق أفريقيا وأنشئت في عام 1996 لتحل محل الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالجفاف والتنمية (إيقاد) التي تأسست في عام 1986 بسبب تكرار موجات الجفاف والتصحر وغيرها من الكوارث الطبيعية في الفترة من 1974م الى 1984م ونتج عنها مجاعة واسعة النطاق، بالإضافة للتدهور البيئي والمصاعب الاقتصادية في المنطقة، وكان لتقدير المجتمع الدولي آنذاك لحجم الكوارث القدح المعلى فى التفكير والعمل علي قيامها لتضم ستة دول من منطقة شرق أفريقيا والقرن الأفريقي بواسطة الأمم المتحدة وهي جيبوتي وأثيوبيا وكينيا والصومال والسودان ويوغندا (وانضمت ارتريا لاحقاً بعد انفصالها أو استقلالها عن أثيوبيا) وسميت بالهيئة الحكومية للتنمية ومكافحة الجفاف والتصحر، وتم التوقيع على إنشائها في يناير 1986م بجيبوتي وتم اتخاذها مقراً للمنظمة، وطبقاً لما تناثر عن سيرتها، تم تعديل اتفاق إنشائها بهدف توسعتها وتنشيطها في 25 نوفمبر 1996م بنيروبي، وتم تغيير الاسم الي الهيئة الحكومية للتنمية، وتلخيصاً لهذا التغيير يقول السفير عطا الله بشير السكرتير التنفيذي السابق للإيقاد- في ندوة قبل عامين- إن منظمة الإيقاد منظمة إقليمية تأسست في عام (1986م) لمحاربة التصحر ولكن في العام (1996م) تم تحويلها لمنظمة للتكامل الاقتصادي والسياسي.
الملاحظ أن الإيقاد لم يتم التعاطي سودانياً مع سمعتها علي مستوي الملفات الاقتصادية أو التنموية أو حتي المشاريع التكاملية، بل من خلال الملف السياسي، والذي مرَ هو الآخر بمطبات ومنعطفات وكبوات كادت أن تلقي بمبادرة المنظمة الي حدائق التاريخ الخلفية، حيث ظلت المبادرة لثماني سنوات في غرفة الإنعاش دون ان تحقق اي تقدم يذكر، نتيجة لإصرار الحكومة السودانية علي الاحتفاظ لنفسها بحق التحرك عبر اي وسائل أخرى من اجل وقف الحرب وإحلال السلام مع جوبا، وسنحت للمنظمة الفرصة فى أن تتحرك بعد تراجع الحكومة من موقفها عبر مجموعة مقترحات وأفكار نقلها د. غازي صلاح الدين مستشار رئيس الجمهورية للسلام آنذاك فى رسالة من الرئيس عمر البشير الى الرئيس الكيني دانيال أراب موي وسكرتارية الإيقاد في نيروبي، ليتم التفاعل مع تلك الأفكار ليصدر في أعقاب لقاءات نيروبي بيان أكد التزام الحكومة السودانية بمبادرة الايقاد للسلام، الأمر الذي اعتبره مراقبون وقتها دليلا على عجز المنظمة فى أن تقود مبادرتها لمشروع السلام السوداني الي نهاياته، إلا بسبب خطوات الحكومة السودانية نفسها لتحريك الايقاد، خصوصاً وأن الاعتراف الضمني بعجزها جاء عبر المجتمع الدولي من خلال الإصرار علي صيغة أصدقاء أو شركاء الايقاد، كما ألمحت الخرطوم في العديد من المناسبات وعلي المستوي الرسمي لضعف المنظمة وعجزها، فصرح د. مصطفى عثمان وزير الخارجية الأسبق في عام 2001م بان مبادرة الايقاد بدأت عام 1994 وما تزال الحرب مستمرة، والسودان لا يريد ان يخرج عن التزامه لدول الايقاد، وفي نفس الوقت يريد من مجموعة المبادرة التي يرأسها الرئيس الكيني الوصول الى نتيجة لإيقاف الحرب التي أدت الى تدمير المؤسسات والمرافق وإزهاق الأرواح في الجنوب، وفي ذات السياق وصفت مجموعة من خبراء ومتابعين لقضية الحرب والسلام في جنوب السودان أداء الايقاد ومنبر شركاء الايقاد بأنه مترهل وان بعض دوله لا تدري شيئا عن مشكلة الجنوب، وبعضها غير مهتمة أصلا بالمشكلة، وحتى الدعم المالي الذي قدمه المنبر للسكرتارية المقيمة في نيروبي فهو يتأخر في الوصول لدرجة انه أحيانا يؤدي الى عدم سداد رواتب العاملين والسكرتارية لعدة شهور، وأوصي الخبراء بضرورة استيعاب الدول المرتبطة والعالمة بتفاصيل الشأن السوداني وطبيعة أزماته.. بعد سيناريو التقييم ذاك تم توجيه دعوة رئاسية عام 2002م لاستضافة الخرطوم قمة الايقاد بهدف تأسيس مشروع سلام إقليمي يجعل المنطقة خالية من النزاعات والحروب..
تنموياً تسيد القصور مشهد المنظمة، وسعت الخرطوم لتقديم مقترحاتها ودعوتها لإنشاء مشروع إقليمي للطاقة والكهرباء، ومشروع إقليمي صحي لمقاومة الأمراض المستوطنة بالإضافة لمطالبة المنظمة بالاهتمام الإعلامي والتعبوي لنشر الوعي وبسط ثقافة السلام، والربط بين شعوب الإقليم ثقافيا واجتماعيا وشبابيا.
قياساً على الكم الهائل من النقد الموجه للمنظمة، بالإضافة لاستهلاكها مدى زمنيا طويلا فى التعاطي مع المشكلات وطرح حلولها والضغط فى اتجاه تبنى الحلول، يذهب خبراء علاقات دولية الى اعتبار أن كل ما أنجزته المنظمة للسودان أنها مهدت طريقاً مستساغاً ومشروعاً للتدخل الأجنبي في الخرطوم عبر صيغة شركاء أو أصدقاء الإيقاد باعتبارها الصيغة التي استدعتها الدول المانحة وتحديدا واشنطن وروما وأمستردام وكوبنهاجن وطوكيو وأوسلو، واختارتها لإحياء ونفخ الروح فى دور الإيقاد من خارجها فتوسعت الإيقاد إلى ما يطلق عليه شركاء الإيقاد، وسعوا عبرها لوضع أجندة تعكس الرؤية الأوروبية الأمريكية لطبيعة الصراع في السودان، ومن ثم أصبحت الإيقاد ذات طابع دولي وغربي يعكس المصالح الغربية والأمريكية التي تتناقض مع مصالح دول الإيقاد الأفريقية بالإضافة لما كان له من اثر فى الشأن السوداني، ويرجع كثيرون تأثر أجندة المنظمة بما يطرحه الشركاء، بسبب أن تمويل شركاء الإيقاد للمنظمة يبلغ أكثر من نصف ميزانيتها ما يجعل المخرجات النهائية لمقرراتها وقراراتها تتسق فقط مع الرغبة العابرة لحدود القارة..
قبول الخرطوم فى تلكم المرحلة بوساطة الإيقاد رغم سوء علاقاتها آنذاك بإريتريا وأثيوبيا ويوغندا، أثار حيرة المتخوفين من الاستهداف، إلا أن التحليلات فسرت الموقف بالموازنة القائمة داخل المنظمة نفسها، حيث كانت اسمرا وأديس أبابا حليفتين للخرطوم – قبل ان تسوء العلاقة- فيما كانت نيروبي وكمبالا تدعمان الحركة الشعبية.
السخرية من ضعف الإيقاد بلغ حداً للتدقيق فى ما استهلكته من مجهودات ليتم تبنى مبادئها ناهيك عن العمل بمقرراتها، وطبقاً لرصد (ألوان) عقدت الإيقاد أكثر من عشر جولات بين الحكومة والحركة الشعبية، بينما بلغت الجولات الثنائية وباتصالات مباشرة بين الحكومة والحركة الشعبية منذ عام 1989م داخل الإيقاد ومبادرات المنظمة أكثر من 17 جولة مفاوضات، مما دعا السكرتير التنفيذي السابق للإيقاد عطا الله للتعليق بأن السودان ارتكب خطأ فادحا، لجهة تحويله المنظمة من فنيه إلى سياسية حيث اضطر السودان لإدخال الإيقاد عندما كان في عزلة عن الدول الإفريقية والأوربية..
عموماً رحلة الإيقاد وهبوطها فى محطة جوبا الحالية، فتح الباب بمشروعية ذات سقف أعلي، للقول أن الإيقاد اكتسبت من خلال الشأن السوداني سمعة أكبر من حجمها ومجهوداتها، بل وفي كثير من الأحايين استفادت من المقترحات السودانية في أن تجعل من نفسها بطلاً إقليميا بديباجة القبول الدولي لكنها عملياً لم تقدم ما يخدم الخرطوم، ما يجعل المنظمة – قياساً على تجربة الجنوب الحالية ذات الطبيعة الأكثر تعقيداً بحكم القبلي والسياسي بل والانسانى الأفدح وضعاً – فى موقف لا تحسد عليه، وهو ما ستؤكده السويعات القادمة التي تشهد انعقاد قمة الإيقاد فى جوبا، وسط تشاؤم الكثيرين..