الأستاذ الصحافي أحمد علي بقادي يقلب مع ألوان أوراق العمر

على خشبة مسرح التاريخ تجد البعض أبطالاً على الخشبة والآخر متفرجاً وآخرون هم من وضعوا كل السيناريوهات داخل الزمن والمكان، وأحمد علي بقادي يمثل كل هؤلاء لأنك إن جالسته عرفت من شاهد عصر الكثير والمثير والمدهش، كان قريباً أكثر من تكوين حركات التحرر ضد الاستعمار واعتقل مع الأبطال من ابناء هذه الأمة الذين ناضلوا ضد الإنجليز تستنشق عبق مصر وبحرها العميق تسرح بعيداً عندما تتصفح تجربة الصحافة السودانية من البدايات حتى التأميم تدرك أسرار اليمين وتنكشف لك خفايا اليسار تستمع بهدوء لحسن عطية ومحمد وردي مع رجل عرف نفسه أنه لا يملك إلا قوت يومه برغم أنه كان بالامكان أن يكون أحد ادعياء الفكر ويتطفل على الاحزاب بائعاً لذمته لكنه يجلس أمام مرآة التاريخ راوياً وقد أزاحت نزاهته كل خوف من صدق السرد والقص والاعتراف..

جالسه : عماد البشرى

< من هو أحمد علي بقادي؟
– أنا شخص فقير بسيط لا يملك بيتاً ولا سيارة ولا رصيداً في بنك ومع ذلك لا أشعر بأى شئ ينقصني في حياتي، أنا جعلي عركي أهلي من الجزيرة من بيت ديني من المهدية والسلطنة الزرقاء إلى اليوم جدنا بقادي فقيه وكان قاض في المهدية وكان بقادي يقول للمهدي (إنت البتهدي ما المهدي وهدايتك أحسن من مهديتك) فغضب منه الخليفة وأراد قتله فتم تهريبه إلى تقلي وأصبح لدينا موقع جديد هناك.
< علاقتك بعلي عبدالله يعقوب؟
– علي أمه شقيقة أبوي، أم علي سكينة التي تزوجت من شخص غريب هو عبدالله جاء من الشمالية لم تكن له علاقة بالفاششوية وأصبح جزءاً من الاسرة.
< علاقتك بعلي في الشباب؟
– كنا الاثنين نشيطين كل منا في اتجاه هو في الإخوان أنا مع الشيوعيين التقينا فقط مرة واحدة في احتفال بالتجاني يوسف بشير عند نشر أول ديوان له في السودان وعدا ذلك لم نلتق قط في نشاط مشترك.
عندما كنا في مصر كان علي موجوداً هناك وسكنت معه في البيت بعد طردي من بيت السودان هناك عدا ذلك لا نلتقي إلا لماما في المناسبات الأسرية فقط .
< الأبيض وذكريات الدراسة؟
– الاميرية والقبة وفي هذه الفترة في الاربعينيات فأنا مولود عام 1928م وهي فترة غنية بالحركة الوطنية والنشاط فيها نادي الخريجين ونادي الأعمال الحرة وكانت لنا نشاطات معهم.
< حنتوب الثانوية؟
– دخلت حنتوب 1946م وكان مديرها المستر براون وكان أساتذتنا السني عباس، عبد الحليم علي طه، إسماعيل الازهري ، النصري حمزة ، ومحمد المرضي جبارة.
< كيف كان سلوك ونهج مستر براون؟
– كل الإنجليز الأساتذة كانوا إساتذة حقيقيين وكانوا مهذبين وديدنهم النظام والعمل على تخريج طلبة مؤهلين لم يكن لديهم غرور حتى عند المظاهرات لم يكونوا يتعرضوا لنا ولم نكن نتعرض لهم.
< متى بدأ بقادي تمرده على الاستعمار؟
– علاقتنا بالعمل العام بدأت مبكراً في الأبيض ساعدنا في ذلك أهالينا وأساتذنا خاصة محمد المرضي جبارة فقد كان يهتم بالتربية الوطنية وهؤلاء الناس كانوا حريصين زائداً نشاط المؤتمر والاحزاب واتحاد العمال كل ذلك وهؤلاء يحركون المظاهرات.
< إلى أي تيار كنت تميل؟
– لا ميول لنا إلى أي تيار بل كان ميلنا للنشاط في محو الامية ونشترك في نظافة المدينة.
< حركة تجنيد الاحزاب في حنتوب؟
– التجنيد من الخارج فنحن في ثانية جاء الصاوي إبراهيم كان من اقطاب الاخوان المسلمين السودانيين في مصر والتقى ببعض الطلاب النشطين وكنت معهم فكونا أول وحدة للإخوان عام 1946م في حنتوب كان فيها الرشيد الطاهر ومحمد يوسف محمد وبابكر كرار ومحمد خير عبدالقادر وبدأت تجنيدي أولاً مع الإخوان المسلمين لخلفيتي الدينية.
< بابكر كرار والرشيد الطاهر؟
– كانا نشطين جداً وكانت المجموعة مهتمة بالعمل العام.
< لماذا تحولت لليسار التحرري؟
– كان هناك تياران الاخوان والشيوعيين كان الاخوان مسالمين كان همنا عمل ضد الاستعمار لذلك اتجهت للشيوعيين فقط لانهم مصادمين وكان هدفنا ضرب الاستعمار وقتها لا غير ذلك.
< طبيعة النشاط؟
– محو الأمية، المحاضرات الأدبية . المظاهرات، الاضرابات.
< هل اعتقلت وإنت طالب؟
– تم التحقيق لكن لم اعتقل في الثانوية.
< متى بدأت القراءة عن الماركسية؟
– لم يكن هذا همي فقط كنت اقرأ لماماً لكن لم اهدف إلى الاطلاع على الماركسية لاحساسي أنني أكبر من هذه النظرية ولم أدرس الماركسية.
< عبد الخالق محجوب وحنتوب؟
– كان عبد الخالق غير معروف سوى أنه أكاديمي مبرز كان أمامنا بعامين.
< دخلت كلية غردون؟
– نعم وكنا نطلق عليها لكوندة غردون لم نكن نعترف بها أو نحترمها على الاطلاق وقتها لأنها لم تكن جامعة ولم تكن فيها كل الكليات بالمعنى خاصة الاقتصاد وقانونها كان ضعيفاً لذلك لم تكن جامعة متطورة باعتراف الإنجليز إنها كلية ليست جامعة . وعندما احرزنا شهادات قدمنا للدراسة بمصر لأنها منارة علم.
< دور مصر والملك فاروق في التعليم وقتها؟
– ليس فاروق إنما مصر قبلة التعليم لكن فاروق كعمل سياسي خاصة أنه يدعي أنه ملك مصر والسودان قام بمشاريع للبعثة للطلبة المتفوقين للدراسة بمصر لكن لم يكن لديه الحس ليدرك أن هؤلاء الطلاب أعداء وقدنا ضده نشاطا بعد ذلك حتى قيام الثورة في يوليو 1952م.
< نشاطك السياسي في مصر؟
– ذهبنا كطلبة ندافع عن مبدأ الكفاح المشترك وكان لنا اتحاد نشط هناك وقوينا علاقتنا مع الإخوة المصريين إخوان وشيوعيين ونظمنا خلايا ومظاهرات وكل الانشطة نسقناها وكان المصريون لهم تيار وطني قوي خاصة الوفديون والاتحاديون وكانوا يشاركونا ونشاركهم مكافحة الاستعمار.
< الاشتراكية لديك في مصر اتسعت؟
– لا الاشتراكية لم تكن هماً لي فقط همي الدور الوطني لكن ذلك حفزنا على القراءة خاصة الصحف والكتب.
< مصر الثقافية وقتها؟
– كنا قراء منتظمين قبل مصر لطه حسين والعقاد والمناظرات بين العقاد وغيره وكنا حريصين للاطلاع في مصر كان وجودنا مع أولئك الكتاب وكان هذا وحده كافياً ليشعل فينا جذوة المعرفة.
< كيف التقيت المفكر الشيوعي شهدي عطية؟
– كان مسجوناً وكان يقضي خمسة أعوام في ليمان طرة ولم ألقاه طليقاً لكنني اعتقلت عام 1952م وأدخلت السجن وكان هو مرحلاً من سجن طرة إلى العلاج في مكان آخر فقابلته ووجدته رجلاً مهاباً علامة مفكر وقوي وترك كل الوظائف ليصبح جزءا من الحركة الوطنية بمصر.
< من من السودانيين شارك في العمل النضالي بمصر؟
– كنا مائة وخمسة وعشرين سياسيا سودانياً في مصر عندما اطلق سراحنا عام 1956م وبعد ثورة عبد الناصر كانت هنالك محاولة لنقل الشيوعيين من السجون الى الواحات فعبد الناصر أمر باطلاق الشيوعيين السودانيين وترحيلهم للسودان لانهم سيفيدوا السودان أكثر من مصر وكنت أقدم سجين سياسي وقبلي كان عبدالقيوم محمد سعد وكان عميد السجناء السياسيين السودانيين لكنه خرج قبلي وأنا لم اكمل المدة قبل خمسة أشهر أفرج عنا جمال عبد الناصر.
< أنت تسببت في سجن أحمد خير المحامي؟
– كنا طلبة في اتحاد كردفان في الأبيض وكان معي علي التوم وشيبون وآخرين وكنا في الإجازات نبدأ نشاطنا في اتحاد الطلبة وكان همنا تقديم خدمات وكان لدينا نشاطاملحوظا ولم تكن لدينا اشياء ضد القانون وبسبب هذا النشاط كان بعض المتخلفين من الموظفين طردونا من نادي الخريجين واستقبلنا التجار وفتحوا لنا ناديهم وكان عندنا الجمعية الأدبية ومحاضرات وسمعنا أن أحمد خير ومبارك زروق زارا الأبيض فذهبنا لأحمد خير لانه مؤسس مؤتمر الخريجين فجئنا أنا وشيبون وأحمد عبد الحليم وزرناه في البيت وقلنا له لدينا جمعية أدبية ونريد محاضرة فضحك وقال اذهبوا لتتحدثوا مع ابني سعد لأننا طلاب ولكنا أكدنا له أنه سيخاطب كبارا وليس طلبة فقط فتغدينا معه كان الغداء (خضرة) وفي يوم الجمعة كتبنا اسمه على المنشورات ووزعناها في المدينة وعندما جاء أحمد خير فوجئ بعدد الناس وموضوع المحاضرة تحول إلى مناهضة للاستعمار فاعتقل لكن محمد بخيت حبة تدخل لدى الأمن فاطلقوا سراحه ..
< طيلة فترتك في مصر ألم تفكر في العودة بزوجة مصرية؟
– كان عندي مال وكان هناك غسال مصري يسمى مصيلحي كانت له بنت جميلة تسمى فتحية تأتي لي بالملابس وأحببتها وكنت أحب مساعدة الفقراء وعندما صارحت زملائي اتهموني بالجنون ولكنني حدثت مصيلحي لخطبة فتحية لكن من ذاك اليوم لم أر فتحية إلى يومنا هذا.
(من إرشيف ألوان)