إنسان المكان الآخر وثقافته في الرواية الفرنسية الحديثة : الــروائـــي ج . م . ج لوكـــلــيـــزو نوبـــل 2008نمــوذجــــاً

بقلم : عزالدين ميرغني
جاء في حيثيات جائزة نوبل 2008 ( ان هذا الروائي الكبير جعل من أبطاله شخوصا انسانية حية تكشف عن عظمة الانسان في كل زمان ومكان ) .
يقول هذا الكاتب الفرنسي : – ان الأماكن المقدسة في العالم هي المعزولة عن الحضارة المادية المزيفة . مثل الصحاري والمرتفعات الشاهقة كجبال أمريكا اللاتينية وسهول أفريقيا وصحاريها . وقد تأثر (لو كليزيو ) بحكايات والده الطبيب الانجليزي عن كل الأماكن التي عمل وعاش فيها في أفريقيا والذي يقول عنه : – أبي عاش سنوات عديدة في نيجيريا وحاول الهروب في الحرب العالمية ليلحق بأمي الفرنسية في جنوب فرنسا ولم يستطع . لقد كان أبي انسانا رائعا , يحب الترحال والسفر ويحب الانسان الآخر ولقد تعلمت منه ذلك . ولقد كتبت روايتي المشهورة ( الصحراء ) , متأثرا بأسلوب أبي في حكايات أبي وسرده عن الأماكن التي عاش فيها .
يقول الناقد الفرنسي ( جيرارد دو كورتانز) عنه : – ان هذا الروائي الكبير لم يكتفي بما حكاه له والده فقط وانما قرأ كل كتابات الرحالة وأهل المغامرة والاكتشاف عن الصحاري في أفريقيا , وقد زار صحاري شمال أفريقيا مع زوجته الأمازيغية ( جيانا ) . في العام 1997 . كان مغرما بالمكان يرسمه كالطفل , يصوره كمحترف , كان يعيش مع الشخصية قبل ان يكتبها . وغرامه بالمكان واضحا , وهذه الامكنة الحية هي التي أهلته للفوز بجائزة نوبل . كان يقول دائما :- ( ان الانسان في تلك الأماكن له قيمته , ويعتز بنفسه وبوجوده , وبالمكان الذي هو فيه , وعندما يقابلك يحترمك لأنك لا تقل عنه ولا يقل عنك ) .
يعتبر لوكليزو , ان الكتابة قمة التواضع لأنك تكتب عن الآخر , والذي اذا لم تقترب منه , فلا يمكن ان تصوره وتجسده علي الورق . واذا لم تفعل ذلك , تصبح شخوصك كائنات ورقية مسطحة . لذلك كان يتعايش مع المكان وسكانه كان يلبس لبس الطوارق , ويرتحل معهم كواحد منهم . ودائما ما يستشهد بلسان أبطاله وهو يقول : – ( ان الحضارات الكبرى التي أنارت العالم , جاءت من أماكن المعاناة , وليست وسط الجنان والخضرة ) . ولد انسان تلك الحضارات في المكان الذي لا يرحب به , حيث الحرارة والجفاف , ووعورة الجغرافيا كما في المرتفعات , ولكن هذا الانسان هو الذي رحب بالمكان , تعايش معه وصالحه , وصنعوا معا الحضارة والمعجزات , في مصر والعراق , في بيرو وجبالها , في غابات جواتيمالا وهندوراس , ومملكة مروي في السودان , وادغال بنين وداهومي في أفريقيا .
ان الانسان وحده لم يصنع الحضارة , وانما مساعده الأول هو المكان , منه تفتحت الأصالة والبراءة , والنبوغ . يقول في روايته ( أبناء السحاب ) : – ان شعب الساقية الحمراء هم نموذج انسان الحضارات القديمة . وعن زوجته الأمازيغية يقول : – ( انها حارة مثل الصحراء , متجددة كتجدد الطبيعة فيها , معطاءة كأنني ضيفها الأبدي , انها ملهمتي الأولي في كل ما كتبت . ) . لقد كتبوا معا عدة مؤلفات منها ( دفتر بدوي ) , و( المكسيك تلك الشمس الأخيرة ) . وقد قال عنها : – كانوا في أميركا اللاتينية يعتبرونها منهم , يقتربون منها , لأن المكان الذي بداخلها , هو مكانهم , دون ان يعرفوا من هي ومن اين أتت ؟ –
وعن الصحراء يقول هذا الروائي صاحب نوبل : – ان الصحراء هي الانسان الأسطوري الذي يعيش فيها , ولا يخاف منها , يعرف خطابها , وأزمنتها , وأصالتها , وحقيقتها الخفية , ان تعيش في الصحراء , يعني استشفاف الحقيقة في أصلها وجوهرها . وتأثيرها المكاني , ستخلق منك آخرا , ستقنعك , حتي ولو كنت مثلي آخر من يقتنع . وقد قال عنها أحد الكتاب : – ( ان ذرات الرمال لا تتقاتل فيها , لذلك فهي أرض السلام الأبدي – ) . وعند هذا الكاتب فان سكانها يعرفون عظمتها وتأثيرها في الآخرين . وهذا ما ساعده في كتابة روايته ( الصحراء ) . الذي يقول فيها : – ( كل انسان في هذا المكان يحمل اسطورة حياته منذ الميلاد , وسر وجوده , حتي الأشياء لها قيمتها مثل الاحياء , ان الغريزة فيها لها البطولة حيث التلاؤم مع قسوة الطبيعة في قمتها . ) . وابطاله في هذه الرواية , في قمة التسامح مع المكان , فالكائنات والحيوانات هم اخوته في المكان . وحتي ابطاله الذين يتركون مكانهم الأصل , ويرتحلون الي المدينة فانهم يحملونه بداخلهم , ففي روايته ( رحلة من العالم الآخر) , والبطلة عندما تجلس في الحدائق العامة في المدينة وهي تنظر الي النمل , والعصافير , والحشائش , بعين واحساسا ليس كالآخرين . تحس بانها مثلهم كانت ومثلهم ستعود يوما ما . ويقول واحدا من أبطاله , : – ( ان الأرض وبشرة الانسان يتشابهان , نفس الخطوط والتجاعيد , وعندما أتمرغ فيها , لا احس فرقا بيننا . فيها نساوي الآخرين من كل المخلوقات , فالبقاء لمن يخاوي كل الآخرين . ) .
ان ما يميز روايات ومؤلفات هذا الكاتب الفرنسي , هو ولعه بالتفاصيل المكانية الدقيقة . انه يقود المتلقي للدخول في اللامرئي المطلق , لكي تحس بالمكان وانسانه . ففي مقابلة اجرتها معه المجلة الادبية الفرنسية المشهورة magazine littéraire قال : – ( ان أي مكان أذهب اليه في العالم استأجر فيه منزلا , اعيش بين الآخرين ومثلهم , وبذلك اقترب من اصل الحقيقة الانسانية . ) . عند لو كليزيو لا يوجد سلما للقيم , لا يوجد الممنوع , فالماضي يتواصل مع المستقبل عند ابطاله , كما يقول اكثر من كتاب الف عنه . ويقول دائما : – ( نادرا ما يعيش الانسان في الاماكن التي لا تلائمه , ولكنه اذا عاش فيها فإنها تهبه المعرفة والخلود . نحن نعيش في ارض ضيقة , ويجب ان نعرف كيف نتمدد فيها ؟ كيف نتعايش مع الخطر ؟ فالمدافع الاول عنك هو انت وليس غيرك . وهنالك رجالا عاشوا في هذه الامكنة الطاردة فصاروا أكثر انسانية منا , في الجبال والصحاري والغابات لان ارواحهم ليست محبوسة مثل ارواحنا , في سجن المادية انهم الاقرب الي الخالق , بعيدا عن الثرثرة الفارغة والكماليات الزائفة , والآلة الاستهلاكية البغيضة . انهم في اتحاد وتصالح ما حولهم , شعوب تقدس المكان , وزمنهم يختلف عن زمننا , وفضاءهم ليس محدودا , انه موجودا بداخلهم , يغنون بلا موسيقي لان غنائهم يخاطب المطلق , خارج قوانين اللغات واصواتها , انها لغة المكان التي لا نعرفها , ان الهندي الاحمر في كل حياته يبحث عن التوازن وعن الحقيقة , في مواجهة حياتنا المغلقة , القاسية والرتيبة يقول احد ابطاله والذي زار حيا فقيرا في ( بنما ) : ( ان هؤلاء الناس ليسوا بغرباء انهم نحن نعيش في مكان آخر . ان هؤلاء الهنود الذين يتصالحون مع المكان , ماضيهم هو حاضرهم وهو ايضا مستقبلهم , وقد لا يتفق هذا مع الثقافة بمصطلحها المعروف , ولكنها عند هنود اميركا هي اكبر من كل معانيها , ان الثقافة عندهم هي الانسانية في داخل الانسان .